كُتّاب الموقع
كيف تُطيل حرب الطائرات المسيّرة أمد الصراعات في جنوب غرب آسيا وشمال أفريقيا

العرب اللندنية

الإثنين 13 تموز 2026

- شهدت حروب الطائرات المسيّرة في جنوب غرب آسيا وشمال أفريقيا توسعًا هائلًا خلال السنوات الأخيرة. وبالنسبة للعديد من أطراف النزاعات، أصبحت المسيّرات السلاح المفضل، ليس فقط لأنها منخفضة التكلفة نسبيًا، وقادرة على إصابة الأهداف بدقة، وإرهاب القوات والمدنيين، بل لأنها أيضًا تغير موازين القوى، إذ تمنح الطرف الأضعف القدرة على الصمود لفترة أطول في مواجهة خصم أقوى.
 
وقد أثبتت المسيّرات فعاليتها في تعطيل حركة الملاحة عبر مضيق هرمز خلال الحرب الأميركية الإيرانية مطلع عام 2026، كما غيّرت طبيعة المعارك في ليبيا والسودان ولبنان واليمن.
 
ورغم أن الدول والجماعات المسلحة ستواصل استخدام هذه التكنولوجيا وتطويرها لتعزيز قدراتها العسكرية، فإن المجتمع الدولي مطالب بتشديد الرقابة على تصدير الطائرات المسيّرة إلى أطراف الحروب الأهلية، مثل السودان، حيث أسفرت هجمات المسيّرات عن مقتل ما لا يقل عن ألف مدني خلال الأشهر الخمسة الماضية فقط.
 
ورغم استخدام الطائرات المسيّرة في المنطقة منذ مطلع الألفية، فإنها برزت بصورة لافتة خلال التدخل التركي في الحرب الأهلية الليبية عام 2019. فقد استخدمت حكومة الوفاق الوطني في طرابلس طائرات "بيرقدار" التركية وغيرها من المعدات العسكرية التي وفرتها أنقرة لوقف الهجوم الذي شنه المشير خليفة حفتر على العاصمة طرابلس.
 
وساعدت هذه المسيّرات حكومة الوفاق على منع قوات حفتر من السيطرة على العاصمة، كما مكنتها من استعادة مدينة غريان، التي كانت تشكل قاعدة عمليات رئيسية لقواته.
 
لكن ليبيا لم تكن الساحة الوحيدة التي غيرت فيها المسيّرات موازين القوى. ففي اليمن، استخدمت جماعة الحوثي الطائرات المسيّرة على نطاق واسع منذ سيطرتها على صنعاء ومعظم شمال البلاد بين عامي 2014 و2015، لاستهداف قوات التحالف الذي تقوده السعودية دعماً للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا.
 
وفي مرحلة لاحقة، وسّعت الجماعة استخدام المسيّرات لاستهداف إسرائيل والسفن في البحر الأحمر وخليج عدن. وتشير التقديرات إلى أنها نفذت نحو 388 هجومًا بطائرات مسيّرة بين عامي 2018 و2024، ما جعل هذا السلاح الخيار المفضل لدى الجماعات المسلحة غير الحكومية.
 
وتستطيع المسيّرات تغيير مسار المعارك لأنها قادرة على وقف الهجمات التقليدية، مما يقلص الفجوة بين الطرف الأقوى والأضعف. فإذا امتلك الطرف الأضعف عددًا كافيًا من المسيّرات وأحسن استخدامها، فإنه يستطيع إلحاق خسائر كبيرة بخصمه، بما يمنع تحقيق نصر حاسم، ويحوّل الصراع إلى حرب استنزاف طويلة.
 
وتتجلى هذه الظاهرة بوضوح في السودان، حيث أعلن مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك أن هجمات المسيّرات أودت بحياة أكثر من ألف مدني بين يناير ومايو 2026 وحدهما.
 
وقد استخدم طرفا الحرب الأهلية في السودان المسيّرات على نطاق واسع خلال السنوات الأخيرة. وحتى عام 2025، بدا أن الكفة تميل لصالح القوات المسلحة السودانية بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان في مواجهة قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو "حميدتي".
 
غير أن قوات الدعم السريع شنت في أكتوبر 2025 هجومًا واسعًا مدعومًا بالمسيّرات على مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، وارتكبت خلاله انتهاكات واسعة ضد المدنيين، وصفتها بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة بأنها تحمل سمات الإبادة الجماعية.
 
كما استهدفت المسيّرات مدينة الأبيض، المركز اللوجستي الرئيسي للجيش السوداني وعاصمة ولاية شمال كردفان. ففي يونيو 2026، نفذت قوات الدعم السريع سلسلة هجمات بطائرات مسيّرة على المدينة، أسفرت عن مقتل أكثر من 60 مدنيًا، وتدمير أو تعطيل بنى تحتية مدنية، ما دفع الولايات المتحدة ومجلس الأمن الدولي إلى إصدار بيانات إدانة.
 
وفي المقابل، لم تقتصر الهجمات على طرف واحد، إذ استخدمت القوات المسلحة السودانية أيضًا المسيّرات ضد أهداف تابعة للدعم السريع، ما أدى، بحسب تقارير، إلى سقوط أعداد كبيرة من المدنيين. وفي فبراير 2026، أعرب فولكر تورك عن قلقه بعد تقارير تحدثت عن مقتل 57 مدنيًا، بينهم 15 طفلًا، جراء ضربات نفذها الجيش السوداني.
 
وشهدت المواجهة بين إسرائيل وحزب الله تصاعدًا في استخدام المسيّرات أيضًا. فعلى الرغم من التفوق العسكري الإسرائيلي، تمكن الحزب من استخدام طائرات مسيّرة تعمل بالألياف الضوئية، أسفرت عن مقتل وإصابة عدد من الجنود الإسرائيليين.
 
المسيّرات تستطيع تغيير مسار المعارك لأنها قادرة على وقف الهجمات التقليدية، مما يقلص الفجوة بين الطرف الأقوى والأضعف. فإذا امتلك الطرف الأضعف عددًا كافيًا من المسيّرات وأحسن استخدامها، فإنه يستطيع إلحاق خسائر كبيرة بخصمه، بما يمنع تحقيق نصر حاسم، ويحوّل الصراع إلى حرب استنزاف طويلة.
 
وتتميز هذه المسيّرات بأنها مرتبطة بكابلات ألياف ضوئية تتيح للمشغل مراقبة ميدان القتال لحظة بلحظة، دون الاعتماد على موجات الراديو أو الاتصالات اللاسلكية، ما يجعل التشويش عليها أو اعتراضها أكثر صعوبة.
 
وأظهرت هذه الهجمات، بحسب تقارير إسرائيلية، وجود ثغرات في المنظومة الدفاعية. ونقلت تقارير عن مسؤولين إسرائيليين قولهم إنهم حذروا منذ عام 2024 من احتمال لجوء حزب الله إلى هذا النوع من المسيّرات، لكن القيادة العسكرية لم تستعد بالشكل الكافي لهذا التهديد.
 
وبسبب قصر الوقت المتاح لاعتراض هذه المسيّرات قبل وصولها إلى أهدافها، يستخدم حزب الله تسجيلات مصورة للهجمات في دعايته الإعلامية، مؤكدًا أنها أثرت في معنويات الجنود الإسرائيليين.
 
وفي 3 مايو 2026، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تشكيل فريق متخصص لمواجهة تهديد المسيّرات في لبنان.
 
وتنتج عدة دول في المنطقة طائرات مسيّرة، لكن إيران وتركيا تمثلان نموذجين مختلفين.
 
وعلى الرغم من العقوبات المفروضة عليها منذ سنوات، نجحت إيران في بناء صناعة واسعة للمسيّرات، وزودت روسيا بمئات الطائرات لدعم حربها في أوكرانيا، كما نقلت هذه التكنولوجيا إلى حلفائها الإقليميين، مثل حزب الله والحوثيين وفصائل عراقية.
 
وكان يُعتقد أن تكلفة الطائرة الإيرانية "شاهد-136" تتراوح بين 20 و30 ألف دولار، لكن تقارير حديثة تشير إلى أن سعرها قد لا يتجاوز سبعة آلاف دولار، ما يجعلها خيارًا جذابًا للحلفاء.
 
وخلال الحرب الأميركية الإيرانية عام 2026، استخدمت طهران المسيّرات لاستهداف قواعد أميركية ومنشآت مدنية في دول الخليج، كما تمكنت من تعطيل حركة ناقلات النفط في مضيق هرمز، ما أوقف حركة العبور البحري وأثر في إمدادات الطاقة العالمية.
 
ويرى مراقبون أن امتلاك إيران مخزونًا كبيرًا من الصواريخ والمسيّرات مكنها من الصمود أمام الضربات الأميركية، ومنحها ورقة ضغط ساعدتها على التوصل إلى مذكرة تفاهم مع الولايات المتحدة في 17 يونيو 2026، اعتبرها تميل لصالح طهران.
 
وفي اليمن، أظهر الحوثيون قدرة كبيرة على تهريب المسيّرات من إيران، وكذلك تصنيع أجزاء منها محليًا أو تعديل مكونات طائرات مدنية متاحة تجاريًا وتحويلها إلى استخدامات عسكرية.
 
وأما تركيا، فتقدم نموذجًا أكثر تطورًا تكنولوجيًا، إذ يتراوح سعر طائرات "بيرقدار TB2" بين مليوني وخمسة ملايين دولار، لكنها تبقى في متناول عدد من الدول الإفريقية ذات الميزانيات العسكرية المحدودة.
 
وغالبًا ما تتم تجارة المسيّرات عبر شبكات نقل معقدة يصعب تتبعها، ما يسمح بإيصالها إلى أطراف النزاعات مع توفير هامش من الإنكار للدول الموردة.
 
وتلقت القوات المسلحة السودانية دعمًا عسكريًا ومسيّرات من دول عدة، من بينها تركيا وإيران ومصر وروسيا والسعودية، التي كانت قد وافقت على تمويل صفقة بقيمة 1.5 مليار دولار مع باكستان لتزويد الجيش السوداني بمسيّرات وأنظمة دفاع جوي، قبل أن تتراجع عن دعمها مطلع عام 2026.
 
وفي مواجهة الانتشار المتزايد للمسيّرات، تتطور أيضًا تقنيات مكافحتها. فقد أصبحت أوكرانيا، بفعل خبرتها في التصدي للمسيّرات الإيرانية المستخدمة في الحرب مع روسيا، من أبرز مصدري أنظمة مكافحة المسيّرات، وزودت الأردن بهذه التكنولوجيا خلال الأسابيع الأولى من الحرب الأميركية الإيرانية.
 
وتتميز هذه الأنظمة بانخفاض تكلفتها، إذ يتراوح سعر الوحدة بين ألف وألفي دولار، مقارنة بصاروخ "باتريوت" الأميركي الذي تقدر تكلفته بنحو أربعة ملايين دولار، أو صواريخ "ثاد" التي تزيد تكلفة الصاروخ الواحد فيها على 12 مليون دولار.
 
و يجعل الانتشار المتزايد للطائرات المسيّرة في حروب المنطقة يجعل الصراعات أكثر طولًا وتعقيدًا، ويضاعف الخسائر في صفوف المدنيين.
 
وتمثل الحرب في السودان، التي أودت بحياة ما لا يقل عن 150 ألف شخص وتسببت في نزوح جماعي ومجاعة واسعة، مثالًا واضحًا على مخاطر استمرار تدفق المسيّرات والأسلحة إلى أطراف النزاع.
 
ويؤكد أن المجتمع الدولي بحاجة إلى مبادرة جديدة توقف تزويد المتحاربين بالمسيّرات والأسلحة، وتدفعهم إلى طاولة المفاوضات، محذرًا من أن غياب مثل هذه الجهود سيؤدي إلى استمرار الحروب وتفاقم آثارها الإنسانية بفعل الاستخدام المتزايد للطائرات المسيّرة.