الحرب أم العقوبات.. أيهما غيّر سلوك إيران فعلاً؟
العرب اللندنية
الخميس 9 تموز 2026
أعادت الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران فتح نقاش قديم داخل دوائر صنع القرار الأميركية حول أكثر الأدوات فاعلية في التعامل مع الجمهورية الإسلامية: هل تحقق القوة العسكرية ما عجزت عنه العقوبات الاقتصادية، أم أن الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية تظل الخيار الأكثر جدوى في تغيير السلوك الإيراني؟.
وبعد أشهر من العمليات العسكرية، وما رافقها من خسائر بشرية ومادية واضطرابات في أسواق الطاقة العالمية، يزداد عدد الأصوات التي ترى أن الحرب، رغم ما أحدثته من أضرار مباشرة، لم تحقق الأهداف الاستراتيجية التي سعت إليها واشنطن، بينما كانت العقوبات أكثر قدرة على دفع طهران إلى تعديل حساباتها، ولو بصورة جزئية.
ويستند هذا الطرح إلى تجربة امتدت لأكثر من أربعة عقود، استخدمت خلالها الولايات المتحدة مزيجاً من العقوبات الاقتصادية والضغوط العسكرية لاحتواء إيران منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979. إلا أن المقارنة بين الأداتين تزداد أهمية اليوم بعد الحرب التي اندلعت في عام 2026، إذ كشفت نتائجها عن فجوة واضحة بين المكاسب العسكرية المحدودة والتكاليف الاستراتيجية الباهظة.
وعلى المستوى العسكري، تمكنت الولايات المتحدة وإسرائيل من توجيه ضربات مؤثرة إلى منشآت عسكرية وبنى تحتية إيرانية، واستهدفتا قيادات سياسية وعسكرية بارزة، في محاولة لإضعاف القدرات الإيرانية وإجبار طهران على تغيير سلوكها الإقليمي والنووي. لكن هذه الضربات، بحسب العديد من التقديرات، لم تؤد إلى القضاء على البرنامج النووي الإيراني، ولم تمنع القيادة الإيرانية من الاحتفاظ بقدراتها الأساسية أو إعادة تنظيم مؤسساتها العسكرية والأمنية.
بل إن الحرب، وفق هذا المنظور، دفعت إيران إلى مزيد من التشدد. فقد عززت نفوذ التيار المحافظ الذي طالما حذر من أن الولايات المتحدة تسعى إلى إسقاط النظام وليس فقط احتواء برنامجه النووي.
ومع تصاعد المواجهة، أصبحت الحجج التي يطرحها المتشددون أكثر قبولاً داخل المؤسسة الإيرانية، وهو ما انعكس في تشدد المواقف السياسية والأمنية، وتراجع فرص التسوية الدبلوماسية.
كما أن الحرب دفعت إيران إلى استخدام أدوات ضغط أكثر اتساعاً، أبرزها التهديد بإغلاق مضيق هرمز واستهداف الملاحة الدولية، وهو ما أدى إلى اضطرابات واسعة في تجارة الطاقة العالمية وارتفاع أسعار النفط، وألحق أضراراً باقتصادات الدول المستوردة للطاقة، فضلاً عن الخسائر التي تكبدتها الدول الخليجية نتيجة تعطل الصادرات النفطية واستهداف البنية التحتية للطاقة.
ولم تقتصر التداعيات على المنطقة، بل امتدت إلى الاقتصاد العالمي، حيث ارتفعت تكاليف النقل والتأمين، وازدادت المخاوف بشأن أمن سلاسل الإمداد، الأمر الذي وضع الولايات المتحدة أمام انتقادات دولية بسبب انعكاسات الحرب على الأسواق العالمية، رغم أن كثيراً من هذه الدول لم تكن طرفاً في النزاع.
وفي المقابل، يرى أنصار سياسة العقوبات أن الضغوط الاقتصادية، رغم بطئها، أثبتت قدرتها على تحقيق نتائج ملموسة بأقل تكلفة. فقد أدت العقوبات الأميركية والأوروبية خلال العقد الماضي إلى إنهاك الاقتصاد الإيراني، وتقليص الموارد المالية المتاحة للحكومة، وإضعاف قدرتها على تمويل برامجها العسكرية والإقليمية، دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية شاملة.
وكان أبرز نجاح لهذه السياسة في عام 2015، عندما دفعت العقوبات إيران إلى الجلوس على طاولة المفاوضات، ما أسفر عن توقيع الاتفاق النووي المعروف باسم "خطة العمل الشاملة المشتركة".
ورغم الجدل الذي رافق الاتفاق، فإنه نجح في فرض قيود على برنامج التخصيب الإيراني، وأخضع المنشآت النووية لرقابة دولية، الأمر الذي اعتبرته أطراف عديدة إنجازاً في مجال الحد من الانتشار النووي.
غير أن هذا المسار تعرض لانتكاسة كبيرة بعد انسحاب إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب من الاتفاق عام 2018، واعتمادها سياسة "الضغط الأقصى". ورغم تشديد العقوبات، فإن غياب المسار التفاوضي جعل الضغوط الاقتصادية تفقد جزءاً من فعاليتها السياسية، إذ لم تعد مرتبطة بحوافز واضحة يمكن أن تدفع إيران إلى تقديم تنازلات.
تغيير سلوك إيران لا يعتمد على أداة واحدة، بل على مزيج من الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية والردع العسكري.
ومع اندلاع الحرب في عام 2026، تحولت الأولوية من إدارة الأزمة إلى احتواء تداعيات المواجهة العسكرية، وهو ما أعاد الجدل حول ما إذا كان التخلي عن الاتفاق النووي قد مهد الطريق للوصول إلى هذه المرحلة من التصعيد.
ويرى عدد من المحللين أن الحرب أثبتت محدودية استخدام القوة العسكرية في التعامل مع ملفات معقدة مثل البرنامج النووي الإيراني. فحتى لو نجحت الضربات في إبطاء بعض الأنشطة أو تدمير أجزاء من البنية التحتية، فإنها لا تستطيع إزالة المعرفة التقنية أو القضاء على الإرادة السياسية لمواصلة البرنامج، بل قد تدفع طهران إلى تسريع جهودها للحصول على قدرة ردع أكبر، بما في ذلك تطوير سلاح نووي إذا رأت أن ذلك يشكل الضمان الوحيد لأمن النظام.
وفي المقابل، لا تخلو العقوبات من سلبيات، إذ إنها ألحقت أضراراً كبيرة بالمجتمع الإيراني، وأسهمت في تراجع مستويات المعيشة وارتفاع معدلات التضخم والبطالة، بينما نجحت القيادة الإيرانية في كثير من الأحيان في تحميل المواطنين الجزء الأكبر من كلفة العقوبات، مع الحفاظ على تمويل المؤسسات الأمنية والعسكرية.
كما أن العقوبات وحدها لم تنجح في تغيير جميع سياسات إيران الإقليمية، أو وقف برنامجها الصاروخي، أو إنهاء دعمها لحلفائها في المنطقة.
لكن المقارنة بين الأداتين لا تقتصر على حجم الأضرار التي لحقت بإيران، وإنما تشمل أيضاً الكلفة التي تحملتها الولايات المتحدة وحلفاؤها. فالحرب استنزفت جزءاً من القدرات العسكرية الأميركية، وفرضت نفقات بمليارات الدولارات، وأثرت في جاهزية القوات المنتشرة في مناطق أخرى، بينما أوجدت أزمة طاقة عالمية ألقت بظلالها على الاقتصاد الدولي، في حين أن العقوبات، رغم آثارها السلبية، كانت أقل تكلفة من حيث الموارد العسكرية والاقتصادية.
ويخلص هذا الجدل إلى أن تغيير سلوك إيران لا يعتمد على أداة واحدة، بل على مزيج من الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية والردع العسكري. إلا أن التجربة الأخيرة تشير إلى أن القوة العسكرية، رغم قدرتها على إلحاق أضرار تكتيكية، لم تحقق التحول السياسي الذي كانت واشنطن تطمح إليه، بل ربما عززت القناعة داخل إيران بضرورة التمسك بأوراق القوة.
وفي ضوء ذلك، تبدو الولايات المتحدة أمام مراجعة جديدة لاستراتيجيتها تجاه إيران، خصوصاً مع استمرار الغموض بشأن مستقبل البرنامج النووي، وصعوبة ضمان استقرار منطقة الخليج، واستمرار المخاطر التي تهدد أسواق الطاقة العالمية.
وبين الحرب والعقوبات، يظل السؤال مطروحاً داخل الأوساط السياسية والاستراتيجية: هل يكون الاحتواء طويل الأمد عبر الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية أكثر فاعلية من الحسم العسكري، أم أن إدارة العلاقة مع إيران ستظل رهينة مزيج معقد من الردع والتفاوض، دون قدرة أي من الخيارين على تحقيق حسم نهائي؟.