قمة الناتو في أنقرة تعيد رسم خرائط الأمن في سوريا ولبنان
مهيب الرفاعي
الأربعاء 8 تموز 2026
ربما من المهم عند الحديث عن قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) المقررة في أنقرة خلال السابع والثامن من تموز/ يوليو القول إنها تمهد لانتقال في تعريف الأمن الإقليمي، وأن تركيا تحاول تقديم نفسها باعتبارها حلقة الوصل بين منظومة الناتو والشرق الأوسط، فيما تتحول سوريا ولبنان من ساحتي نزاع إلى مكونين أساسيين في منظومة الأمن الجديدة؛ لا سيما وان هذه القمة تأتي في لحظة تشهد تحولاً جذرياً في طبيعة النظام الأمني الإقليمي، بعد أن انتقلت أولويات الحلف من التركيز على الردع التقليدي إلى بناء منظومة أمنية متعددة المستويات تقوم على حماية البنية التحتية الاستراتيجية، وتأمين سلاسل الإمداد، وتعزيز الأمن السيبراني، ورفع جاهزية الصناعات الدفاعية، وإدارة التهديدات الهجينة، ضمن مفهوم أوسع للأمن الجماعي يتجاوز الحدود الجغرافية للدول الأعضاء. تمنح استضافة تركيا للقمة بعداً سياسياً واستراتيجياً إضافياً، لأنها تأتي أيضاً في وقت تعيد فيه أنقرة تموضعها داخل المنظومة الغربية، وفي الوقت نفسه توسع حضورها السياسي والعسكري داخل المشرق العربي خصوصاً بعد سقوط نظام الأسد على يد حلفاء أنقرة العسكريين في سوريا بعد عملية ردع العدوان في كانون الثاني/ ديسمبر 2024، وتقدم نفسها باعتبارها الدولة الأكثر قدرة على الربط بين الأمن الأوروبي والأمن الشرق أوسطي.
دلالة استرايجية حساسة
يحمل مشروع البيان الختامي للقمة مؤشرات واضحة على هذا التحول؛ إذ يؤكد التمسك بالمادة الخامسة الخاصة بالدفاع الجماعي، ويشدد على رفع الإنفاق الدفاعي إلى مستويات غير مسبوقة، ويضع الصناعات العسكرية والانتشار السريع والقدرات اللوجستية في صدارة أولويات الحلف، في إطار ما بات يعرف بمفهوم "الناتو 3.0"؛ ليعكس هذا المفهوم انتقال الحلف من نموذج الردع الذي اعتمد لعقود على التفوق الأميركي إلى نموذج أكثر مرونة يقوم على توزيع الأعباء، وتعزيز القدرات الأوروبية، وتوسيع مفهوم الأمن ليشمل الممرات البحرية، والطاقة، والفضاء السيبراني، وسلاسل التوريد، والبنية التحتية الحيوية؛ وهو تحول يرفع من الأهمية الجيوسياسية لسوريا ولبنان بصورة غير مسبوقة بحكم موقعهما وبحكم العمل على تهيئة الأرضية لهذه المشاريع خصوصاً بعد ترتيبات الاتفاقيات الأمنية في المنطقة.
فعلياً، تكتسب تصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بأن "أمن تركيا يبدأ من أمن دمشق وبيروت" دلالة استراتيجية حساسة تتجاوز بعدها السياسي المباشر بعد التصريح بها خلال الأسابيع الماضية، لأنها تعبر عن انتقال العقيدة الأمنية التركية من حماية الحدود إلى إدارة المجال الجيوسياسي المحيط بتركيا، بحيث يصبح استقرار سوريا ولبنان جزءاً من الأمن القومي التركي، وليس مجرد ملفين من ملفات السياسة الخارجية. تجسد هذه الرؤية إدراكاً تركياً بأن التحديات التي تواجه أنقرة ودول حلف الناتو، سواء تعلقت بالإرهاب، أو الهجرة أو الطاقة أو الاقتصاد أو التجارة، تبدأ من البيئة الإقليمية المحيطة، الأمر الذي يجعل الاستثمار في استقرار المشرق استثماراً مباشراً في الأمن التركي؛ خصوصاً أنه من المهم بالنسبة لتركيا في الوقت الراهن العودة إلى سياسة "صفر مشاكل" مع دول الجوار بما يعكس راحة في التعامل مع ملفات ابعد وأعمق.
تنسجم هذه المقاربة بصورة لافتة مع التحولات التي يشهدها حلف الناتو نفسه، حيث يتوسع مفهوم الجبهة الجنوبية للحلف ليشمل شرق المتوسط والمشرق العربي باعتبارهما فضاءً أمنياً متكاملاً؛ إذ إن سوريا ولبنان لم تعودا يُنظر إليهما باعتبارهما بؤرتين للأزمات الإنسانية أو الأمنية، وإنما باعتبارهما عقدتين جيوسياسيتين تتحكمان في جزء كبير من حركة التجارة والطاقة والاتصال بين أوروبا والشرق الأوسط؛ لا سيما بعد أزمات مضيق هرمز والبحر الأحمر نتيجة الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران وهجمات إيران على دول الخليج العربية. وبالتالي، تصبح دمشق نقطة ارتكاز برية تربط تركيا والخليج والأردن والعراق بشرق المتوسط، فيما تتحول بيروت إلى واجهة بحرية ترتبط بأمن الملاحة البحرية وحقول الغاز (إذا ما عدنا إلى موضوع البلوكات 4،8، و9) والبنية التحتية البحرية التي تشكل إحدى ركائز الأمن الاقتصادي الأوروبي.
أهمية لبنانية متزايدة
يعزز الانخراط التركي الواسع داخل سوريا هذه الرؤية بصورة عملية، إذ إن الوجود التركي ليس مقتصراً على الاعتبارات العسكرية المرتبطة بأمن الحدود فحسب، ولكنه الآن جزء من مشروع أشمل لإدارة المجال الحيوي شمال سوريا، وربطه تدريجياً بالاقتصاد التركي وشبكات النقل، والطاقة والخدمات واللوجستيات. تمنح هذه الترتيبات أنقرة قدرة على التأثير في مستقبل إعادة الإعمار، وفي رسم خرائط الممرات التجارية الإقليمية، وفي تحديد طبيعة التوازنات الأمنية التي ستنشأ داخل سوريا خلال السنوات المقبلة، بما يجعلها شريكاً لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات دولية تخص مستقبل الدولة السورية؛ لا سيما وأن تركيا تعمل على تأسيس قواعد عسكرية لها في سوريا ونشر بطاريات صواريخ دفاعية.
على الطرف الآخر، وبحكم الرعاية التركية الأميركية للتقارب مع سوريا ( وبالتأكيد الخليجية لكنها بعيدة في هذا السياق) ، يكتسب لبنان أهمية متزايدة داخل هذه المنظومة الجديدة نتيجة هذا التقارب ( خصوصاً بعد زيارة أسعد الشيباني إلى بيروت وإقامته في طرابلس كدلالة مهمة على إعادة التفكير بموقع المدينة) وبسبب موقعه البحري، وتطورات شرق المتوسط، وتنامي أهمية أمن الطاقة الأوروبي؛ إذ يضع تطور حقول الغاز، وخطط تصدير الطاقة، وحماية الكابلات البحرية، وتوسيع الموانئ، بيروت وطرابلس ضمن شبكة البنية التحتية الاستراتيجية التي تنظر إليها الدول الغربية باعتبارها جزءاً من أمن المتوسط، الأمر الذي يربط استقرار لبنان مباشرة بالأمن الاقتصادي الأوروبي، ويمنحه وزناً يتجاوز حدوده الجغرافية.
الآن ما يشكل تحدياً هو أن إسرائيل تبرز بوصفها أحد أهم العناصر المؤثرة في إعادة تشكيل هذه البيئة الأمنية، بعدما عملت خلال العامين الماضيين على تحويل تفوقها العسكري إلى منظومة ردع إقليمية أوسع تمتد من الحدود اللبنانية إلى العمق السوري خصوصاً في المنطقة الجنوبية الغربية (ريف دمشق، القنيطرة، درعا). وتسعى تل أبيب إلى تثبيت واقع أمني جديد يقوم على حماية حدودها الشمالية، وتأمين حرية الحركة العسكرية، وضمان الأمن المائي وأمن منشآت الطاقة البحرية، وربط هذه الملفات بشبكات الإنذار المبكر والدفاع الجوي والتعاون الاستخباراتي مع شركائها الإقليميين والدوليين. وتتقاطع هذه الأولويات مع الرؤية التركية في أهمية استقرار سوريا ولبنان، ومع أولويات الناتو المتعلقة بحماية الممرات البحرية والبنية التحتية الحيوية، رغم استمرار التباين السياسي بين الأطراف المختلفة حول العديد من ملفات المنطقة. قد تبدو الأمور أسهل مع توقيع الاتفاق الإطاري بين تل أبيب وبيروت، إذ يمنح هذا الاتفاق في حال نجاحه في إنتاج ترتيبات أمنية مستقرة على الحدود الجنوبية للبنان، نموذجاً عملياً يمكن أن يتجاوز إطاره الثنائي ليصبح جزءاً من ترتيب هيكلية أمنية أوسع في شرق المتوسط تتقاطع مع التحولات التي تقودها تركيا داخل بلاد الشام، ومع المقاربة الجديدة التي يعمل حلف الناتو على ترسيخها في جبهته الجنوبية. ويؤسس هذا المسار لبيئة استراتيجية أكثر ملاءمة لبحث تفاهمات أمنية مستقبلية مع سوريا، تتعلق بإدارة الحدود، وخفض احتمالات التصعيد، وتنظيم قواعد الاشتباك، بما ينسجم مع مصالح تركيا في تأمين عمقها الجنوبي، ومع أولويات إسرائيل في تثبيت الاستقرار على جبهتها الشمالية، ومع رؤية الناتو الهادفة إلى بناء فضاء أمني مترابط يمتد من البحر الأسود إلى شرق المتوسط ضمن رؤية البحار الأربعة التي تسعى سوريا لتعزيزها، تصبح فيه إدارة المخاطر الإقليمية جزءاً من منظومة الأمن الأوروبي قبل تحولها إلى أزمات عسكرية مفتوحة.
تفاهمات استرتيجية
يمكن الوصول هنا إلى فكرة أن سوريا ولبنان بالضرورة وبمساعدة مجموعة الدول الضامنة، ستغادران تدريجياً موقع ساحات الصراع ليدخلا مرحلة جديدة بكونهما جزءاً من منظومة الأمن الإقليمي الممتدة من أوروبا إلى شرق المتوسط. وبالتالي، سيؤسس هذا التحول لانتقال الاهتمام الدولي من إدارة الأزمات إلى بناء تفاهمات استراتيجية مستقرة تسمح بإطلاق مشاريع النقل والطاقة والاستثمار وإعادة الإعمار، وتوفر حماية طويلة الأمد للبنية التحتية الحيوية التي ستربط أوروبا بالمشرق والخليج خلال العقود المقبلة.
عموماً، تشير الاتجاهات المحيطة بانعقاد قمة أنقرة إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد انتقالاً من إدارة الأزمات المتفرقة إلى بناء ترتيبات أمنية إقليمية أكثر ترابطاً، تتداخل فيها الاعتبارات العسكرية مع المصالح الاقتصادية ومشاريع الطاقة والربط اللوجستي. يمنح هذا التحول تركيا فرصة لترسيخ موقعها بوصفها حلقة الوصل بين المنظومة الأطلسية والمشرق العربي، في وقت تتقدم فيه إسرائيل نحو تثبيت بيئة أمنية أكثر استقراراً على جبهتها الشمالية، وتعمل الدول الأوروبية على تأمين مصالحها في شرق المتوسط. وتتحول سوريا ولبنان، في ضوء هذه المعادلة، إلى محور ارتكاز في إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، حيث يرتبط مستقبل الاستقرار فيهما بقدرة القوى الفاعلة على إنتاج تفاهمات أمنية وسياسية تواكب التحولات الجارية في بنية الأمن الأوروبي والإقليمي، وتفتح المجال أمام مرحلة جديدة تقوم على استقرار الممرات الاستراتيجية، وتوسيع شبكات التعاون الاقتصادي، وإعادة رسم المجال الجيوسياسي للمشرق ضمن منظومة أمنية أكثر تكاملاً.
المصدر: المدن