بعد اليونيفيل والميكانيزم..هذا ما تشترطه واشنطن وإسرائيل
غادة حلاوي
الثلاثاء 19 أيار 2026
فشلت الهدنة، ولم تلتزم إسرائيل بوقف إطلاق النار، فيما لم يكن لدى الدولة ما تقوله. فتحوّل النقاش إلى رفض حزب الله إصدار بيان يلتزم فيه بوقف العمليات ضد إسرائيل، وتم تقديم ذلك كسبب لامتناع إسرائيل عن الالتزام بالهدنة.
في المقابل، استمرت الاتصالات عبر السفيرة اللبنانية في واشنطن مع المسؤولين الأميركيين، لحثّ إسرائيل على الالتزام بوقف شامل لإطلاق النار في الجنوب.
وعبر وسيط، تواصل رئيس الجمهورية جوزاف عون مع رئيس مجلس النواب نبيه برّي. وسادت أجواء سلبية في الرئاستين على خلفية ما حصل. وتشير المعلومات إلى أن الثنائي رفض طلباً يقضي بأن يصدر حزب الله بياناً يؤكد فيه التزامه بتمديد الهدنة، وعدم اعتراضه على حق إسرائيل في "الدفاع عن النفس".
وتأسف مرجعية سياسية لمسارعة لبنان إلى تقديم تنازلات، متخلياً عن أوراق قوته، حتى باتت إسرائيل تطالبه بالمزيد. وقد أصبح واضحاً أن الهدف من الهدنة كان فك ارتباط لبنان بإيران في حال استؤنفت الحرب عليها. وكان يفترض، في ظل ما يجري، أن يطالب لبنان بتجميد المفاوضات إلى حين تثبيت وقف إطلاق النار. لكن لبنان يستعد لاجتماع أمني في 29 الجاري للاتفاق على ترتيبات أمنية تتعلق بوقف النار، والانسحاب، والحدود، والبديل عن قوات اليونيفيل، ودور الميكانيزم، إضافة إلى دور الجيش اللبناني ومهامه؛ أي الاتفاق على الخطوات الميدانية المقبلة.
وفي جانب من هذه الخطوات، سيتم بحث دور الميكانيزم والجيش اللبناني، فيما جرى إغفال اليونيفيل التي انتهت مهامها، نتيجة رفض واشنطن وإسرائيل استحداث بديل عنها وفق الصيغة التي كانت قائمة.
ولم يُقفل بعد ملف البديل عن قوات اليونيفيل، إذ إن استمرار وجودها من عدمه لا يزال موضع نقاش، في ضوء الفراغ الذي سيخلّفه رحيلها من المنطقة الحدودية الفاصلة بين لبنان وإسرائيل. وتتصدى إسرائيل لأي مقترح بديل، وتسعى إلى فرض أمر واقع يقوم على تنسيق مباشر مع الجيش اللبناني، بدعم من الولايات المتحدة الأميركية، التي تعتبر أن لجنة الميكانيزم يمكن أن تؤدي الغرض في العلاقة بين الجيش اللبناني وقوات الاحتلال الإسرائيلي.
وخلال البحث في هذا الملف، صارحت واشنطن لبنان بأن وجود قوات متعددة الجنسيات، تضم قوىً غير مرغوب في استمرار دورها، لم يعد ممكناً. وقد عبّرت عن استيائها من وجود قوات معينة، لا سيما القوات الفرنسية وغيرها، كما بدا واضحاً عدم رغبتها في وجود أي دور فرنسي من الأساس، وهو ما أبلغه صراحة قائد لجنة الميكانيزم لقائد الجيش العماد رودولف هيكل في الاجتماع الذي ضمهما مؤخراً.
لكن فرنسا، التي تبحث عن دور لها في ملف الحدود والمفاوضات المباشرة التي يخوضها لبنان مع إسرائيل، تسعى إلى استمرار وجود قواتها، وعرضت إمكانية عدم الانسحاب. وفرنسا العاتبة على لبنان بسبب موافقته على استبعاد أي دور لها في المفاوضات إلى جانبه، تتابع مستجدات التفاوض عبر واشنطن، ومن خلال المسؤولين اللبنانيين والقنوات الدبلوماسية.
وإلى فرنسا، أبدت عدة دول أوروبية رغبتها بالانتشار في جنوب لبنان، وعرضت تشكيل قوة دولية أوروبية لتنفيذ أي اتفاق مرتقب قد ينبثق عن المفاوضات المباشرة، أو لاستكمال تنفيذ القرار 1701. غير أن أي صيغة يتم التوافق عليها تستوجب العودة إلى مجلس الأمن لإقرارها ضمن إطار أممي محدد، وبرنامج عمل واضح، ومهمة محصورة بمدة زمنية.
من جهته، أبلغ لبنان واشنطن حاجته إلى وجود قوى وسيطة ترصد الانتهاكات الإسرائيلية لأي اتفاق، وتكون فاعلة في تطبيق أي تفاهم يتعلق بالانسحاب ووقف الخروقات. ويُفترض بهذه القوى أن تكون محايدة، وألا تعمل لمصلحة إسرائيل أو تتغاضى عن انتهاكاتها.
كما طلب توضيحات بشأن القوى التي لا ترغب واشنطن في استمرار وجودها، حتى يُؤخذ ذلك في الاعتبار عند تحديد الجهات التي يمكن أن تؤدي دور اليونيفيل. فمنطق الأمور يشير إلى استحالة قيام تنسيق مباشر بين الجيش اللبناني والقوات الإسرائيلية، وهو ما تسعى إليه إسرائيل وتدعمه واشنطن، التي تصرّ على تفاهم أمني لبناني ـ إسرائيلي برعايتها، يقوم على تنسيق مباشر لا عبر وسيط، رغم كونها هي نفسها راعية الاتفاق.
والاتفاق الأمني الذي سيُبحث في البنتاغون سيشهد تبايناً في الرؤى حول الدور المطلوب من الجيش اللبناني، ودور الميكانيزم، وأيضاً دور اليونيفيل. ولن يكون مصير اللجنة أفضل حالاً من اليونيفيل، إذ لا تبدو إسرائيل متحمسة لوجودها. ومن وجهة النظر الإسرائيلية، يكفي أن تضم اللجنة إسرائيل ولبنان، مع واشنطن كطرف ثالث، وهو ما بات يُنفّذ عملياً، وأسهم في تهميش دور اللجنة واجتماعاتها.
وإذا كان دور اليونيفيل ضرورياً للتنسيق ورصد الانتهاكات، فإن الميكانيزم تبقى لجنة تنسيق وتحقق. ويمكن للبنان أن يبلّغها احتجاجاته، أو ينسق عبرها، كما تُستخدم لإبلاغ لبنان بالمواقف الإسرائيلية. وفي بعض الأحيان، نُفذت مهام مشتركة سابقاً بين الجيش اللبناني واليونيفيل، ولاحقاً بين الجيش وأطراف الميكانيزم. فهل يُفترض، من خلال الاتفاق الأمني الذي تسعى إليه واشنطن، أن يتشارك الجيش اللبناني مع إسرائيل في الكشف على المناطق وبين المنازل؟
هذا أمر غير ممكن، بالنسبة إلى بعض المسؤولين، ولن يقبل به الجيش، ولا يفترض بالسلطة السياسية أن توافق عليه. وهنا تبدي المرجعية تساؤلاً عن كيف يمكن لسلطة فشلت في انتزاع وقف إطلاق نار من إسرائيل أن تواصل مسار التفاوض معها بشأن ترتيبات أمنية، بحيث تنخرط إسرائيل في نقاش حول الجنوب في مرحلة ما بعد الانسحاب، وحول دور الجيش اللبناني ومهامه. ربما هي الالتزامات أو الضغوط المتتالية، وفي كلتا الحالتين يبدو أن وضع لبنان يتجه نحو الأسوأ، حتى وهو يفاوض.
المصدر: المدن