العالم والشيعية السياسية بعد انهيار اليقينيات
ملاك عبد الله
الإثنين 18 أيار 2026
لا تزال الإثارة سمة المرحلة. كأس العالم على الأبواب وفأس العالم على النوافذ. وما بينهما كلامٌ يصدر عن وزير خارجية إيران عباس عراقجي أنّ الجنوب العالمي على موعد مع فجر جديد، وآخر لرئيس المخابرات السعودية الأسبق أنه لولا إيران لنجحت إسرائيل في زعزعة استقرار الشرق الأوسط. وتصريحٌ لرئيس الأمن الإسرائيلي السابق أن أهداف الحرب على ايران لم تتحقق ولا ينفع إسقاط النظام عبر تحريك الورقة الكردية، وفي ذلك غمز ولمز للحاجة إلى التدخل البري.
أما من أقصى الشرق، فغزل صيني أميركي مثيرٌ هو الآخر، تماماً كما تسريبات من صحيفة نيويورك تايمز وغيرها مثيرة عن استئناف قريبٍ للعمليات العسكرية يغازل بها ترامب طموحات بيبي.
في الظاهر المعارك الآن منفصلة ومفككة إلى حدٍ ما. وفي الباطن، نحن في بطن الحرب العالمية الثالثة، ثمّ إقليمياً في خضمّ صراع قروسطيّ، قد يولّد بعد طول حروبٍ حداثة مشرقية خاصة. ولّد المشهد السوريّ في عقدٍ من الزمن وأزود نسخةً من السنية السياسية ساهمت في تهديم الكثير من اليقينيات الدينية عند بعض شعوب هذه المنطقة، ثم ساهمت لاحقاً في تعزيز دوافع السعودية نحو رؤية جديدة تكسر فيها أي صورة للوهابية وُصمت بها وأُلحقت بالصورة الداعشية وغيرها من نسخ السنية السياسية المشابهة. بدوره، استنهض طوفان الأقصى نسخة قديمة جديدة من اليهودية السياسية هدّمت كذلك يقينيات سياسية لا يستهان بها عندن كثيرين في البلدان الغربية. وستؤسس الحرب على إيران ومحورها إلى أسئلة كثيرة وعميقة حول الشيعية السياسية بنسختها الإيرانية، وستسقط يقينياتٍ معها. حربٌ عالمية تتمظهر فيها النسخة المتوحشة من النيوليبرالية، كما أخرى إقليمية لا تنفك عن التوحش النيوليبرالي لكنها تُخاض بأدوات دينية. كلّ شيء يتزعزع. كل الأرضيات الفكرية كما كل الأرضيات السياسية، كما طبيعة النظام العالمي بأكمله. شاء لمن يعايشون هذه الحروب أن يكونوا وقودها نحو المخاض الجديد. وشاء للتخوين والتخوين المضاد أن يكون بلبوس سياسي محلي، لكنه في الجوهر بديل ناعم عن الحروب الأهلية والدينية بل والعالمية السياسية، وكلما استطالت المشكلة، وساهمت وسائل التواصل في استطالتها وتبيانها وتكريسها على المنصات الرقمية بدلاً عن الميدانية، كلما تعمّقت الحاجة إلى البحث في جذور الجذور لأجل البقاء، لا في الترقيع الأجوف. وهذا في العمق سمة تطورية للحروب، بالمعنى الإيجابي للكلمة.
في منشورٍ له على منصة التواصل الاجتماعي، يكتب الشيخ أسد قصير التالي: "إن كلمة الإمام الخميني قدّس سره: «إن أوجب الواجبات حفظ الجمهورية الإسلامية، وهو أهم من حفظ حياة الأشخاص، ولو كان المعصوم عليه السلام»، مبنية على قاعدة شرعية ضرورية وجلية، وهي وجوب التضحية لأجل حفظ بيضة الإسلام، كما ورد في النصوص وكلمات الفقهاء". وللمنشور تتمة طبعاً. وهو منشور يذكّر ببعض الخطابات العاشورائية التي رافقت حراك ١٧ تشرين في لبنان، حين فُسّرت مناهضة الظلم من الزاوية العقائدية الدينية، وحين ألقى السيد ابراهيم أمين السيد مثلاً محاضرة عن معنى العدل ربطها بالعدل الإلهي وبالعقائد الشيعية، وحين تم استحضار أحداث تاريخية حدثت مع الإمام علي في صراعه الداخلي لإعطاء نوع من الحقانية على الخيارات السياسية الداخلية آنذاك من باب ديني.
لن يناقش المقال ما كُتب وما قيل ولن يغوص في بيضة الإسلام، لكن المكتوب يخدم الفكرة أعلاه. أحد الأوجه العميقة للمشهد اليوم فكريّ. تغييب هذا الوجه عن أطر المعالجة يبقى انتقاصاً لها، أي للمعالجة. ولأنه كذلك، ووفقاً للسمة التطورية للحروب الآنف ذكرها، فإن نسخات جديدةً من المباني السياسية للمعنيين من أطراف الصراع ستولد بفعل البراغماتية التي سيفرضها الظرف وتفرضها التغيرات. سيخرج حزب الله في لبنان بوثيقة سياسية جديدة آخر المطاف. كذلك سيفعل آخرون، لأن شكلاً جديداً أو مفهوماً جديداً للدولة قد تستنهضه الحروب بعيداً عن إطار الشعارات السيادية، وقريباً من اجتراح رؤى سيادية حقيقية وجامعة لا تفصل المبنى السياسي عن الاقتصادي عن الأمني، ويضع كل الأطراف ثقلهم في إنجاحها، متخلين عن امتيازاتهم السياسية أو عصبياتهم. هذا الكلام الأخير سيبقى شعاراتياً ما لم يشعر الجميع بالخسران، لأن الخسران وحده دون غالب ومغلوب هو الذي يؤسس للبحث عن هوية سياسية جامعة، ما دام "المنتصرون" يجدون في انتصارهم انتصاراً لهويتهم الفئوية وامتيازاتهم، ولا يفعّلون إحساسهم بالمسؤولية إلا من الجانب الاستعراضي.
وما يجري داخل المجتمعات هنا ليس منفصلاً عما يجري فوق خرائط النفوذ الكبرى. فكما تتكسر يقينيات الداخل، تتبدل أيضاً يقينيات الإقليم وتحالفاته، وتبدأ القوى الكبرى والوسطى على السواء بإعادة تعريف مصالحها. ستبدو لافتة هنا مقالة الأمير تركي الفيصل الأخيرة. يقول الفيصل أن النظرة السعودية تجاه إسرائيل تغيرت جذرياً، بحيث أنها لم تعد تعتبر ركيزة أمنية في المنطقة بل تحولت إلى مصدر للمشكلات يهدد الرؤية الاستراتيجية للسعودية، وأن أولوية ولي العهد هي الاستقرار والاقتصاد لا التطبيع مع دولة تندفع نحو حروب لا نهاية لها. وقال أن المملكة تنتهج دبلوماسية هادئة مع طهران مع تعزيز التحالفات مع باكستان وتركيا. ما يحيل إليه هذا الكلام بالتحديد، كما غيره من المواقف، أن الصراع العالمي كما الإقليمي يشي حتى الآن ببروز ملامح جديدة لتوازن جديدٍ ما لم تحسم أي ضربة أميركية مستحدثة في المنطقة الموازين. حتى لحظة كتابة هذا المقال، أميركا الترامبية ليست على ما يُرام. كذلك إيران الخامنئية، كذلك اسرائيل. كذلك دول الخليج من هنا، وتركيا من هناك. الكل خاسر تقريباً وإن صمد أو حقق إنجازات عسكرية. وحده شي جيبنيغ يمشي منتصب القامة حتى الآن، ويفرح بالنديّة مع أميركا التي كرستها الحرب الأخيرة على إيران. صار التعاون مع الرجل حاجةً أميركية. بل يقول استاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفارد ستيفن إم والت في مقالة له تحت عنوان: "قد تكون الهمينة الصينية واقعاً" أنه في ربيع العام ٢٠٢٥ جادل بنفسه بأن معظم جيران الصين لا يريدونها أن تهيمن على المنطقة، وكذلك الولايات المتحدة الأميركية. و أنه بالنظر إلى ميل القوى الكبرى إلى موازنة التهديدات، فإنه خلُص آنذاك إلى أن أي محاولة صريحة للهيمنة مرجحة للفشل. هو نفسه يقول اليوم أنه لم يولِ وزناً كاملاً لاحتمالية أن يكون ترامب مندفعاً وغير كفؤ في إدارة السياسة الخارجية، وأن الخوف الأميركي المبالغ فيه من الهيمنة الصينية قد يتحول إلى نبوءة تحقق نفسها، وأن واشنطن عبر الحصار والعسكرة والتصعيد قد تدفع الصين أصلاً إلى السعي الجدي للهيمنة بدل الاكتفاء بالصعود الاقتصادي.
سيقت كتابات كثيرة في اليومين الماضيين من هذا القبيل بعد القمة الأميركية الصينية المنصرمة. وترامب الذي عاد بصورة يضعها على منصته تروث سوشيل يقارن فيها بين مصافحته لشي و"مصافحة" بايدن للهواء في الجهة المقابلة للرئيس الصيني، يعيدُ إلى المتابعين تعزيز فحوى دوافعه التنافسية الاحتقارية للرؤوساء الأميركيين في أي عمل خارحي يقوم به. يقلّل من شأن بايدن عبر صورة، أما عن أوباما فيكتب مؤخراً: "اعتقلوا أوباما الخائن". خطابّ لا ينفكّ يحيد عنه، بينما حاد تقريباً عما كان يقوله حيال الصين في ولايته الأولى وحتى في حملته الانتخابية. "الصين تسرق الوظائف الأميركية". "الصين تتلاعب بالعملة"."الفايروس الصيني (عن كورونا)." الصين طرف يستغل ضعف الإدارات الأميركية السابقة". كل هذه الأدبيات غابت عن خطابه. ومن يدري، ربّما آتت" دبلوماسية المعدة“ الصينية أُكلها. فالرئيس الصيني وإن لم يستقبل ترامب شخصياً في المطار، ما انعكس في التحليلات السياسية بكونه رسائل رمزية مبطنة، إلا أنه استمال بطن ترامب ببراعة. جراد البحر في حساء الطماطم مع ضلوع بقر مقرمشة وبط بكين المشوي الشهير مع السلمون، قائمة فاخرة من الطعام راعت الذوق الشخصي لترامب بعناية ودلال. سيخرج الرئيس المدلل إذاً بتصريحات يغازل بها الصين فيما بعد. بل قرّر أن يخرج بتصريحات مثيلة منذ ما قبل وصوله إلى بكين. وهو بارعٌ في كيفية تصوير حاجاته وتنازلاته بوصفها عبقريّة وانتصار. ما قد يسميه المحللون ببدء تكريس الثنائية القطبية سيصيّره في لغته مثلاً تدشين عصر التسويات الكبرى لصالح أميركا العظمى، والذي بموحبه ستزيد الصين شراء السلع الأميركية وسيتقلص الفائض التجارى الصيني مع أميركا وسيجد حلاً للمشكلة الاقتصادية المستجدة في أميركا. وسيتحوّل الاعتماد الاقتصادي المتبادل إلى سلاح ضغط متبادل. وهو بذلك يكون قد استطاع ان يطبق استراتيجية كيسنجر القائمة على أن الدول الكبرى يجب أن تقدم تنازلات متبادلة حتى لا تصل إلى التصعيد، وحتى تبقى أميركا متمسكة بقيادة العالم.
لكن العالم، وعود على بدء، يهتز من أقصى يمينه إلي أقصى يساره. أي ربحٍ صارخٍ مستجد للولايات المتحدة إن حصل هو انتصار للأحادية القطبية وللنيوليبرالية المتوحشة ولليهودية السياسية بنسختها الصهيونية/الداعشية. أما إن لم يتم الحسم، فستطول الحكاية التي ستتكسر معها الكثير من اليقينيات سياسية كانت أم دينية، وستتغير معها التحالفات، بل سيعاد معها لاحقاً إنتاج الجديد من الفلسفات.
المصدر :المدن