لبنان بمواجهة "التنسيق العسكري": مخاطر صدام الجيش والحزب
منير الربيع
الإثنين 18 أيار 2026
في موازاة المحاولات التي يبذلها لبنان للوصول إلى تثبيت لوقف إطلاق النار، والتي لا يبدو أن إسرائيل تتجاوب معها، فإن أبرز الخلاصات التي تتكون هي السعي الأميركي لتكريس قواعد اشتباك جديدة، وهي العودة إلى معادلة ما قبل 2 آذار 2026. أي أن يوقف حزب الله إطلاق النار بشكل كامل ويمتنع عن تنفيذ أي عمليات عسكرية يستهدف فيها القوات الإسرائيلية، بينما إسرائيل توقف عمليات التقدم والتوغل وتوقف الغارات وأي عمليات حربية هدفها توسيع نطاق احتلالها أو تقدمها باتجاه المزيد من البلدات. كما يمنح الأميركيون ما تصفه إسرائيل حق الدفاع عن النفس لمواجهة أي تهديد قد تتعرض له من حزب الله، وهو ما ينطبق على استهداف أي حركة يقوم بها الحزب أو مواقعه. بينما هناك مسعى لبناني يتركز حول البحث عن إعادة تفعيل عمل الميكانيزم، وبحال اشتبه الإسرائيليون بوجود مخازن أو مواقع أسلحة، يمكنهم التنسيق عبر الميكانيزم مع الجيش للدخول إلى هذا الموقع بدلاً من لجوء إسرائيل إلى استهدافه.
لا تزال المحاولات مستمرة بهدف الوصول إلى إرساء قاعدة معينة، قد يسميها الأميركيون وقفاً لإطلاق النار، أو يسميها لبنان خفض التصعيد، بينما يعتبرها حزب الله غطاء لمواصلة الحرب التي يتعرض لها، لا سيما أن إسرائيل ونتنياهو بالتحديد قد يستغل ما يُمنح له من قبل الأميركيين كي يواصل عملياته العسكرية في جنوب لبنان، لكنه على مرأى العالم يدعي أنه ملتزم بخفض التصعيد ووقف النار في لبنان. ذلك لا يمكن فصله عن مسار التطورات في المنطقة، فحتى الأميركيين والإسرائيليين أصبحوا على قناعة بأنه لا يمكن فصل مسار لبنان عن إيران، لأن أي قرار يتعلق بموضوع سحب السلاح سيكون لإيران تأثير كبير فيه. ومن هنا، فإن الجميع ينتظر ما ستؤول إليه المفاوضات الإيرانية الأميركية. أما في حال تجددت الحرب هناك، فحتماً سيعود لبنان وينخرط بها لأن حزب الله سيكثف عملياته العسكرية.
في مثل هذه الحالة يصبح الانتظار قاتلاً، لأن إسرائيل تواصل عملياتها العسكرية، كما تواصل التفاوض مع الدولة اللبنانية في محاولة لإضفاء نوع من الغطاء لعملياتها العسكرية في الجنوب، طالما أنها تتفاوض مع لبنان على كيفية تفكيك حزب الله وبنيته العسكرية والأمنية والمالية. والأخطر هو ما تحيكه إسرائيل للبنان من خلال المفاوضات العسكرية والأمنية، التي ستجري في وزارة الحرب الأميركية. ما تريده واشنطن وتل أبيب لهذه المفاوضات، هو أن تخرج بنتيجة قوامها التنسيق العسكري والأمني المباشر مع لبنان حول العمل على تفكيك حزب الله، وما تريده إسرائيل هو تشكيل غرفة عمليات عسكرية مشتركة تضم الجيش اللبناني والإسرائيلي بإشراف وإدارة أميركية للعمل على سحب سلاح حزب الله من الجنوب. وحسب المعلومات، فإن الاسرائيليين يريدون وضع جدول زمني محدد، لسحب السلاح، وسيعملون على جدولة المناطق والمساحات الجغرافية، كما أنهم يريدون من الجيش الدخول إلى أحياء سكنية ومنازل يعتبر الإسرائيليون أنها تحتوي على أسلحة.
مثل هذه الوقائع، يسعى لبنان إلى تجنبها، لأنه يعرف حجم مخاطرها، حتى الفكرة الأميركية الإسرائيلية بتشكيل وحدات عسكرية نخبوية أو وحدات قتالية في الجيش تكون مهامها العمل على تفكيك بنية الحزب، مرفوضة لبنانياً لأنها ستنطوي على مخاطر كبيرة تهدد وحدة البلاد ووحدة المؤسسة العسكرية. في الوقت الذي تسعى فيه إسرائيل إلى وضع خطة عسكرية مع الأميركيين وإلزام الجيش اللبناني بها للتحرك باتجاه مواقع الحزب وسلاحه، فإن لبنان يمتلك خطته السابقة والتي يتم العمل على إدخال تعديلات عليها تتماشى مع ما تفرضه المرحلة الحالية وتطوراتها. ولكن في الوقت نفسه تراعي الوضع الداخلي وتشعباته وتعقيداته، وتمنع وصول الأمور إلى لحظة انفجار سياسي وأمني وعسكري في الداخل.
يتحضر لبنان للاجتماع العسكري يوم 29 أيار في وزارة الحرب الأميركية. اجتماعات عديدة تعقد على مستوى قيادة الجيش مع رئيس الجمهورية أولاً للبحث في تشكيل الوفد، وثانياً لدراسة كل الاحتمالات والخيارات. بينما حزب الله في المقابل يترقب ويتحسب لما يمكن أن ينتج عن مثل هذا الاجتماع، وإذا ما كانت الضغوط الأميركية ستستمر لأجل دفع الجيش لمواجهة الحزب والعمل على تفكيك سلاحه. وهذا سيعني الدخول في صدام حتمي. أما لبنان فسيسعى إلى صيغة تجنبه الصدام وتحقق له بعض التقدم على مسار سحب السلاح، لكن ذلك لا يمكن أن ينفصل عن مسار المحادثات الإقليمية والدولية، وخصوصاً الإيرانية- الأميركية. وما دون توفر أجواء إقليمية دولية وداخلية تضمن تفاهماً على المسار، فإن لبنان سيكون مهدداً بشكل فعلي وجدي، إما باستمرار الحرب الإسرائيلية واتساعها وإما بالصراع الداخلي.
المصدر: المدن