كُتّاب الموقع
78 عاماً على النكبة: نحو مشروع يمثل شعباً

محمود وهبة

الجمعة 15 أيار 2026

ثمانية وسبعون عاماً على النكبة. فلسطين حاضر مستمر وبنية مفتوحة على الاقتلاع والتشتيت وإعادة إنتاج العنف بحق الفلسطيني بأشكال مختلفة. مع النكبة المستمرّة، نسأل كيف يمكن لشعب يملك كلّ هذا المعنى التاريخي والأخلاقي أن يترجم ذلك إلى قدرة سياسية قادرة على الاستمرار؟
 
السرديّة الفلسطينيّة موجودة. قويّة، ممتدَّة، تشتغل في التاريخ بمقدار اشتغالها في الأخلاق. قطعاً لم تكن يوماً مشكلة الفلسطيني أنَّه بلا سرديَّة، كما ليست مشكلته أنه بلا قضية. هذه القضيّة قد تكون الأكثر حضوراً في الضمير العربي، ومؤخراً العالمي، بعد السابع من أكتوبر. 
 
التضحيات مفردة يومية من مفردات الحياة الفلسطينيّة نفسها. إذن ليست مشكلة الفلسطيني أنه بلا تضحيات. ربما تتلخّص المشكلة في تمظهر مفادُه أنّ الفلسطيني يملك معنىً أكبر مما يملكُ قدرة. ذلكَ بحسب توصيف د. عزمي بشارة الأخيرة في المؤتمر السنوي لفلسطين. 
 
شيئاً فشيئاً يتحوَّل المعنى حين يتضخّم، بلا قدرة سياسيّة، من طاقة تحرير إلى طاقة استنزاف للقضيّة نفسها. وهذا النوع من الاختلال هو الذي يقتلُ القضايا العظيمة. المسألة لا تتعلّق بالعدو القويّ بمقدار ارتباطها بتحوّل الفلسطيني إلى أسير لصدقه، أو أسير لبراءته، وبالتالي أسير عدالة قضيته. 
 
هناك ميل رومانسي عربي للتعامل مع فلسطين بوصفها "قضية حق مطلق". هذا الميل، على أهميته، مفهوم لكنه مدمّر لو لم يقترن بالسياسة. السياسة التي تبتعد عن أن تكون مكافأة أخلاقيّة وتدخل ضمن تعريف وبناء مؤسسات، صناعة الشّرعيّة وتوزيع الأدوار، وإدارة النزاعات الداخلية، وتركيب برامج تستطيع أن تعيش.
 
يمكن الوصول هنا إلى لبّ المأزق الفلسطيني. القضية التي تملك من الرمزية ما يكفي لتعيش بلا مؤسسة لفترة. لكنها في الوقت نفسه لا تملك من الزمن ما يكفي لتعيش بلا مؤسسة إلى الأبد. لذا فإنّ أي كلام عن مشروع بلا حامل لا يخرج من نطاق الاستعارة لمكان يجب أن يكون فيه كيان سياسي.
 
يمكن هنا إعادة قراءة النكبة نفسها، بوصفها لحظة انهيار سياسي. فالشعب الفلسطيني خسر أرضه سنة 1948، خسر معها أيضاً إمكانيّة امتلاك كيان سياسي قادر على تنظيم قواه وتمثيل نفسه بصورة جامعة. ومنذ ذلك الوقت، بدا الفلسطيني وكأنّه يعيش داخل حالة طوارئ تاريخية مستمرة. يقاتل كي يثبت وجوده أكثر مما يملك فرصة بناء شروط هذا الوجود.
 
تحتاج القضيّة الفلسطينيّة اليوم إلى تشكيل مشروع يمثل شعباً، ويملك شرعية، ويستطيع أن ينتج قراراً جامعاً، ويملك قدرة على إدارة المجتمع بعيداً من مخاطبته فقط. لا يمكن لأحد أن ينسى أنّ إسرائيل كيان استعماري استيطاني، ومواجهتها مقرونة بإنتاج كيان مضاد للسرديّة الإسرائيليّة، ولا تُحصر في حركات الكفاح المسلَّح.
 
اهتزت السردية الصهيونية بوضوح بعد غزة وجنوب لبنان. وعادت فلسطين إلى مركز العالم. ما حدث لم يكن محفّزه البيانات والخطابات، إنما فعل انكشاف العنف الإسرائيلي كحقيقة استعمارية، وكذلك الصور التي لم تستطع آلة الدعاية محوها.
 
التحوّل على هذه الشاكلة يحمل فخاً يمكن تلخيصه في الاعتقاد أن انكشاف إسرائيل في الرأي العام العالمي سيُنتج التحرر وحده. التاريخ لا يحرّر الشعوب بالنيابة عنها. والتعاطف العالمي هو مادة أولية. والسياسة بدورها تقوم بتحويل المادة إلى شكل: تحويل التعاطف إلى ضغط، والضغط إلى مسار، والمسار إلى مكاسب، والمكاسب إلى مشروع. ولهذا فإن العالم، مهما تعاطف، فإنه لن يبتكر للفلسطينيين مشروعاً وطنياً. 
 
لربما هذه إحدى أخطر نتائج النكبة المستمرة إلى اليوم. تحوّل الفلسطيني، في نظر العالم، إلى صورة للمأساة أكثر منه فاعلاً سياسياً. قطعاً، الشعوب لا تتحرّر من خلال الاعتراف بمأساتها. التحرّر تنسلخ خطواته بداية في القدرة على تحويل المأساة إلى مشروع تاريخي قابل للحياة. فالمظلومية، مهما بلغت عدالتها، لا تستطيع وحدها أن تنتج ميزان قوى.
 
هزيمة الاستعمار فكرة تنطلق من خلال عملية إنتاج كيان سياسي يليق بعدالة القضيّة. من خلال مؤسسة شرعية وتمثيل جامع وقدرة على إنتاج القرار دون استثناء الجرأة على مراجعة الوسائل التي جعلت الفلسطيني يقدِّس الطريق أكثر من بناء الهدف.
 
ربما هنا يمكن القول إنّ المعركة القادمة تنحصر في مواجهة شكل السياسة الذي دمّر السياسة. الشكل الذي يفضّل البطولة على التنظيم، والخطاب على المؤسسة، وتشتّت التضحيات على الاستراتيجية.
 
بعد 78 عاماً على النكبة، هل يكفي أن تبقى فلسطين حيّة في الوجدان العربي والإنساني؟ التحدّي الحقيقي أن تبقى حيّة أيضاً كمشروع سياسي قابل للحياة. فالقضايا خسارتُها تبدأ حين تعجز عن تحويل الذاكرة إلى مؤسسة، والتضحيات إلى أفق سياسي تاريخي يمكن البناء عليه.
 
تقف فلسطين اليوم أمام مفترق. إما أن تنتصر لغتها وتخسر سياستها، أو أن تنتصر سياستها فتجد اللغة معنى جديداً. معنى البناء، بعيداً من سيرة المراثي والبكاء.
 
المصدر: المدن