نظام دولي جديد... هل يمكن أن تكون عدواً وصديقاً في الوقت نفسه؟
محمد فرج
الخميس 14 أيار 2026
كانت علاقة "الأعدقاء" تسير في طريق انتهاء الصلاحية مع تطورات النظام الدولي، والحرب على إيران وضعتها على المسار السريع لانتهاء الصلاحية، صيغة أقل حسماً من صيغة الحرب الباردة وأعلى مما كنا عليه.
خلال الحرب الباردة، تشكلّ النظام الدولي على قاعدة الأحلاف المغلقة. تشكّل الناتو كحلف عسكري مثّل الكتلة الغربية، بقيادة الولايات المتحدة، وتشكّل وارسو كحلف دفاعي مثل الكتلة الشرقية، بقيادة الاتحاد السوفياتي. مثّل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي منصات الكتلة الغربية المالية، ومثّلت الكوميكون التكتل الاقتصادي للمعسكر الشرقي.
طغت المعادلة الصفرية على العلاقات الدولية، فأن تكون في المعسكر الأول، فأنت حتماً خارج المعسكر الثاني. حتى المساعي الدولية الجادّة التي حاولت التعبير عن "طريق ثالث"، كمؤتمر باندونغ وحركة عدم الانحياز، كانت في الواقع أقرب إلى الاتحاد السوفياتي منها إلى الولايات المتحدة، لأن تمثيلها السياسي كان من الدول التي تحدّت السياسات الأميركية، ووصلت إلى موقع السلطة على قاعدة خطاب التحرر.
انعكست هذه الصيغة على طبيعة الأحلاف الإقليمية، فمثّل حلف بغداد امتداداً للمعسكر الغربي، واتساقاً مع سياساته، انضمّت إليه آنذاك تركيا وإيران في عهد الشاه، وردّت عليه سوريا ومصر عبد الناصر، بالوحدة عام 1958. مصر في ذاتها تعتبر مثالاً واضحاً لهذه الصيغة، فمن عبد الناصر المتحدّي لسياسات واشنطن والقريب من السوفيات، إلى السادات الذي انتقل بسرعة إلى المعسكر الآخر وأخرج مصر بثقلها من معادلة الصراع العربي الإسرائيلي، تحت عنوان" 99% من أوراق اللعبة بيد الولايات المتحدة".
تفكّك هذا النمط من العلاقات الدولية سريعاً بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وأفسح المجال لنظام القطب الواحد. حاولت واشنطن فرض حالة عالمية من "الإذعان الجماعي" تحت عنوان مضلّل "باكس أميركانا" مماثل ل"باكس رومانا"؛ أي السلام العالمي الذي يفرضه وجود قوة عظمى واحدة، لا يجرؤ طرف على تحدي سياساتها وقراراتها. امتثل الشق الأوسع من العالم للصيغة الأميركية.
تحت هذا العنوان الجديد للنظام الدولي، جرى تفكيك يوغسلافيا واحتلال العراق وأفغانستان. حمل النظام الدولي في العقد الصعب، عقد التسعينيات، "قوى صامدة مشاكسة" تحدّت واشنطن، من إيران وسوريا شرقاً إلى كوبا وفنزويلا غرباً/ جنوباً. هذه القوى حملت الوزر الأكبر من نظام العقوبات أحادي الجانب، والحصار والضغوط السياسية والاقتصادية. منح ذلك متنفسّاً إضافياً للقوى الصاعدة في الصين وروسيا، في استكمال ما بدأت به من مسار استعادة الحضور على الساحة الدولية.
دخلنا العقد الثاني من الألفية الجديدة بمناخات جديدة، مؤشرات الاقتصاد الصيني تتصاعد، والمؤشرات الأكثر أهمية في الاقتصاد كانت لصالح الصين على حساب الولايات المتحدة ( الميزان التجاري، الحصة من الناتج الصناعي العالمي، الناتج الإجمالي بمعامل القوة الشرائية، مؤشرات إنتاج البضائع وليس الخدمات، إلخ....)، جميع تلك المؤشرات وضعت الاقتصاد الصيني في مرتبة متقدمة على الاقتصاد الأميركي منذ عام 2017. ومن جهة أخرى، روسيا باتت أكثر مبادرة ، ومن ذلك دخولها على خط الحرب في سوريا عام 2015. وأنتجت المناخات الجديدة قدرة على التحدّي الروسي الصيني لواشنطن في الهيئات الدولية، ومن ذلك استخدامها للفيتو المزدوج أكثر من مرة في مجلس الأمن.
وجدت الدول نفسها أمام إشكالية في إدارة العلاقة مع الصين وروسيا من جهة، ومع الولايات المتحدة من جهة أخرى. ونُشرت مجموعة من القراءات، تقول إنه زمن قاعدة "الأعدقاء"، أي أن تكون الدولة في موقع الخصم في ملف وشريكاً في ملف آخر، مع الطرف الدولي أو الإقليمي نفسه. مثلاً، استمرّت دول الخليج في التنسيق مع روسيا في أوبك، ولكنها في سوريا أخذت موقفاً مختلفاً ومناقضاً، وعندما بدأت المواجهة الأطلسية الروسية، صوّت عدد من دول الخليج ضد روسيا في الجمعية العامة للأمم المتحدة، ولكنها لم تشارك بكثافة في تطبيق العقوبات على روسيا. الأمر نفسه ينطبق على العلاقة مع الصين، فليس من الممكن النأي بالنفس عن دولة تمثل الشريك الأول في التبادل التجاري لأكثر من 132 دولة، ولكن في الوقت نفسه بقي التنسيق في الملفات الأمنية أقرب إلى واشنطن.
هل تنهي الحرب على إيران علاقة "الأعدقاء"؟
عمّق العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران وصمود طهران في الميدان الفرز في التحالفات، وربما يكون ذلك من النتائج غير المرغوبة أميركياً. هذه الحرب وضعت القواعد العسكرية الأميركية في مرمى النار الإيرانية، وتالياً وضعت سؤال نظام الأمن الإقليمي على طاولة النقاش، وعلى مسرح التوصيات والاقتراحات الدولية، بما في ذلك الاقتراحات الصينية.
حاول عدد من دول الخليج الاستفادة إلى الحد الأقصى من الصبر الاستراتيجي لإيران. عندما تعرّضت إيران للعدوان عام 2025، لم تستهدف القواعد العسكرية الأميركية الموجودة في دول الخليج، على الرغم من ثبوت أدوار لها في ذلك العدوان. لم يهتز مسار بكّين بين السعودية وإيران، استمرّت العلاقات التجارية الإيرانية مع الإمارات، واستمرّ التنسيق بين قطر وإيران في مجال الطاقة، والحقل المشترك، على الرغم من فعالية قاعدة العديد الأميركية في الأراضي القطرية.
لكن مع اللحظة التي احترقت فيها رادارات ومعدّات القواعد العسكرية الأميركية، تغيّر كل شيء، وباتت عملية فصل الملفات في العلاقات الإقليمية أكثر صعوبة. إضافة إلى ذلك، السياسة العدوانية الإسرائيلية دقّت جرس الإنذار لدى عدد من الدول الإقليمية، وليس بعيداً عن ذلك ارتفاع مستوى التنسيق بين تركيا ومصر والسعودية وباكستان.
تتحرّك مفاعيل انتهاء صلاحية علقة "الأعدقاء" في أجواء النظام الدولي، إقليمياً ودولياً، ومن ذلك:
الإمارات تأخذ خطوات متسارعة باتجاه التحالف الأميركي الإسرائيلي. وما الخروج من أوبك وأوبك بلاس سوى ابتعاد عن التكتل النفطي التقليدي إلى تحالف واشنطن- تل أبيب. فاستيراد القبة الحديدية ونظام سبكترو من "إسرائيل" يؤكد طبيعة الاصطفاف الإقليمي للإمارات، ومن زاوية أخرى فإن الحضور الإماراتي في ال I2U2 إلى جانب "إسرائيل" والهند والولايات المتحدة يؤكد اصطفافاً ببعد دولي، عنوانه تفضيل الممر الهندي على الحزام والطريق الصيني.
تنتقد تقارير الإعلام الغربي تطورات العلاقة الباكستانية الصينية، وهي علاقة تمتد إلى عقود إلى الوراء ، وشهدت قفزات واسعة كشفت عنها الأيام القتالية الأربعة مع الهند، وثبتت فعالية السلاح الصيني الذي تم تطويره وإنتاجه بالتعاون مع باكستان.
إسلام أباد التي أدارت علاقة مركبة ومعقدة مع واشنطن خلال سنوات احتلال أفغانستان، تجد نفسها أمام سؤال كبير في العلاقات الدولية، قد يصعب في الإجابة عنه الدمج بصيغة الأعدقاء بين العلاقة مع واشنطن من جهة، والعلاقة مع بكين من جهة أخرى.
تركيا، التي تعتبر في الدراسات المختصة بشؤون الناتو العضو الأكثر تحفظاً على العداء لروسيا، تدير علاقات مركّبة. فمتطلبات الناتو تشدّها باتجاه موقف أكثر عدائية لروسيا، وطبيعة الجغرافيا والملفات المشتركة مع روسيا تمنعها عن ذلك. لذلك كان من الطبيعي أن نشاهد في عقد واحد مشهدين متناقضين، إسقاط تركيا لطائرة حربية روسية، وتوسطّها في اتفاقية الحبوب بين روسيا وأوكرانيا، وكان من الطبيعي أيضاً، أن نرى تركيا على النقيض من السياسات الروسية في سوريا قبل سقوط النظام، وتحضر تركيا مع روسيا في مؤتمرات أستانة.
تركيا تعرف أن صمود إيران يصب في مصلحتها القومية في ظل سياسة التوسع المكشوفة لـ"إسرائيل"، وهي على علاقة وثيقة بأذربيجان التي أريد لها أن تكون منصة معادية لإيران خلال الحرب، وأسقطت إيران هذه الورقة من يد ترامب.
سوريا تجد نفسها بين قوى شد متعددة، فالحركة على ممر ضيّق بين المتطلبات التركية والإسرائيلية والأميركية لا يمكن لها أن تستمر طويلاً. عمّقت الحرب على إيران من إلحاح الإجابة السريعة على طبيعة الاصطفاف السوري.
أرمينيا تسعى للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، مع أنها عضو في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، الأمر غير القابل للتطبيق بحكم التعريف، حسب تعبير الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
وإذا ما وسّعت أرمينيا تنسيقها المشترك مع أوروبا، فإنها تستفز تحفظات الأمن القومي لدى إيران وتركيا وروسيا معاً. فحضورها في المجموعة السياسية الأوروبية، التي تأسست على عنوان أوروبا موسّعة في مواجهة روسيا، قد يتسبب في توترات مع روسيا، وانحياز سياسة باشينيان للغرب، قطعت طريق الدعم السياسي الذي قدّمته طهران لأرمينيا خلال أزمة ناغورني كاراباخ.
أوروبا غير الراغبة في الانضمام لترامب في تعرفاته الجمركية على الصين، ما زالت مقيدة بالاعتماد على السلاح الأميركي. وقد وضعتها الحرب على إيران في خانة الاختيار الصفري، بين اللحاق بترامب واستمرار عملية الانتحار الذاتي من جهة، أو الابتعاد لمسافة تسمح لها بالحفاظ على مصالحها القومية من جهة أخرى.
كانت علاقة "الأعدقاء" تسير في طريق انتهاء الصلاحية مع تطورات النظام الدولي، والحرب على إيران وضعتها على المسار السريع لانتهاء الصلاحية، صيغة أقل حسماً من صيغة الحرب الباردة وأعلى مما كنا عليه.
يسير النظام الدولي في تسارع وإلحاح للإجابة؛ إما الصين وروسيا والشرق وتكتلاته، أو الكتلة الغربية وأحلافها !
المصدر: الميادين