كُتّاب الموقع
هل تتحول حرب إيران إلى مستنقع للإدارة الأميركية؟

العرب اللندنية

الأربعاء 6 أيار 2026

مع دخول المواجهة الأميركية – الإسرائيلية مع إيران شهرها الثالث، تتزايد المؤشرات على أن الصراع يتجاوز حدود “العملية المحدودة” التي راهنت عليها واشنطن، ليتحوّل تدريجيا إلى اختبار معقّد لقدرتها على فرض إرادتها في بيئة إقليمية شديدة التشابك.
 
 دخلت الحرب الأميركية – الإسرائيلية ضد إيران شهرها الثالث، في وقت تُظهر فيه التجارب التاريخية أن الحروب بين الدول خلال القرنين الماضيين استغرقت، في المتوسط، ما بين ثلاثة وأربعة أشهر، رغم أن العديد من النزاعات امتدّ لسنوات طويلة.
 
وسجّل تقرير لمجلة “فورين بوليسي” الأميركية عدم وجود مؤشرات توحي بأن هذه المواجهة تسير نحو نهايتها، متوقعا أن الصراع قد يكون بصدد الانتقال إلى مرحلة مختلفة تتراجع فيها احتمالات تحقيق اختراق حاسم، سواء على المستوى العسكري أو الدبلوماسي.
 
ومن هنا، يقول معدّا التقرير، آرون ديفيد ميلر ودانيال سي.كورتزر، إن الواقع الحالي يفرض مقاربة مختلفة لفهم ما يجري. فبدلاً من انتظار نهاية واضحة للحرب، أو اتفاق شامل، أو تسوية نهائية عبر التفاوض، قد تتحول هذه الحرب، في نهاية المطاف، إلى مجرد محطة إضافية ضمن صراع أوسع يمتد منذ نصف قرن بين الولايات المتحدة وإيران. وتبرز هنا خمس حقائق سياسية مقلقة ترسم ملامح المرحلة الحالية.
 
وتتمثل الحقيقة الأولى في بروز ما قد يتحول إلى حالة جمود مفتوحة. فعلى الرغم من استمرار واشنطن في التعبير عن رغبتها في التوصل إلى اتفاق مع طهران، فإن حالة الشلل الإستراتيجي التي تُخيّم على المنطقة قد تتحول بسهولة إلى واقع دائم. وتمارس إيران ضغوطا ثقيلة على الولايات المتحدة وحلفائها عبر إغلاق مضيق هرمز، بينما يواصل الحصار الأميركي إلحاق أضرار واسعة بالاقتصاد الإيراني. ومع ذلك، لم تتمكن الحرب الاقتصادية ولا التصعيد العسكري من تحقيق نجاح حاسم، سواء في الميدان أو على طاولة المفاوضات.
 
الولايات المتحدة، رغم أنها قوة عظمى تمتلك قدرات عسكرية هائلة، تواجه مرة أخرى صعوبة في إخضاع دولة متوسطة الحجم
 
وتشير التقارير إلى أن إدارة دونالد ترامب رفضت اقتراحا إيرانيا يقضي بإعادة فتح المضيق مقابل رفع الحصار، على أن تُستكمل لاحقا مفاوضات أوسع وأكثر شمولاً. وفي المقابل، لم تستقر واشنطن حتى الآن على بديل عملي واضح يمكن اعتماده إستراتيجيةً بديلة.
 
وبالنسبة إلى المراقبين المطلعين على تاريخ العلاقات الأميركية – الإيرانية خلال العقود الخمسة الماضية، تبدو هذه الحلقة مألوفة إلى حد بعيد. فالتاريخ بين الطرفين حافل بدورات متكررة من التصعيد والمواجهة والتسويات الجزئية العابرة. صحيح أن المرحلة الحالية تختلف من حيث طبيعة الأطراف المشاركة، ومستوى القسوة في التكتيكات المستخدمة، وحجم التداعيات الاقتصادية والسياسية مقارنة بالمواجهات السابقة، لكن ثمة أسباباً قوية تدفع إلى الاعتقاد بأن هذه الجولة، كما الجولات التي سبقتها، لن تنتهي إلى حسم نهائي.
 
ومن المرجح أن يستمر النظام الإيراني، وإن بدا أكثر تشدداً وأقل تماسكاً من السابق، كما ستظل القضية النووية عالقة دون حل نهائي، حتى وإن احتاجت طهران إلى وقت لإعادة بناء بعض قدراتها.
 
وربما تكمن النقطة الأهم الآن في مدى تأثير عملية “الغضب الملحمي” في تعميق شعور إيران بالاستهداف والغضب، ودفعها نحو مزيد من التشدد ورفض أي اتفاق لا يتضمن ضمانات واضحة ونهائية. فالولايات المتحدة وإسرائيل نجحتا في تحقيق مكاسب تكتيكية مهمة، لكن من دون بلوغ انتصار إستراتيجي حقيقي. وليس هذا مجرد تكرار لدورات سابقة، إذ يبقى النمط العام واضحاً. ومن المرجح أن تعلن كل من واشنطن وطهران انتصارها في هذه الجولة، رغم أنها، في الواقع، ليست سوى مرحلة ضمن مواجهة أكبر وأكثر تعقيداً، يُرجح أن تتبعها جولات أخرى مستقبلاً.
 
أما الحقيقة الثانية، غير المفاجئة، فتتمثل في غياب أي اتفاق مُرضٍ فعلاً مع إيران. فبحكم طبيعة الجمهورية الإسلامية، لم تكن هناك يوماً اتفاقيات مثالية مع طهران، ولا حلول جذرية تشبه النهايات السينمائية. وهذا ما يفسر تركيز الإدارات الأميركية المتعاقبة على ترتيبات سياسية أو عسكرية محدودة النطاق، بدلاً من البحث عن تسوية نهائية شاملة.
 
وقد أثبتت خطة العمل الشاملة المشتركة، رغم عيوبها، فعاليتها كاتفاق هدفه الأساسي كسب الوقت وتقليص القدرات النووية الإيرانية، وإبعاد طهران عن امتلاك سلاح نووي فعلي. ومن هذه الزاوية، بدت الاتفاقية استجابة عملية لواقع معقد أكثر من كونها حلاً مثالياً.
 
ولا تزال القيادة الإيرانية تمثل نظاماً دينياً استبدادياً وقمعياً، تحكمه بدرجة كبيرة حالة العداء الأيديولوجي تجاه إسرائيل والولايات المتحدة. كما يواصل النظام توسيع نفوذه عبر شبكة من الجماعات الحليفة والوكلاء الذين يشاركونه، بدرجات متفاوتة، الأهداف نفسها.
 
وفي المقابل، لم تُظهر طهران اهتماماً حقيقياً بإعادة صياغة علاقتها مع واشنطن بصورة جذرية. بل إن الحرب خلال الشهرين الماضيين دفعت المواقف الإيرانية نحو مزيد من التصلب، وعززت إصرار النظام على تجنب أي اتفاق قد يُفسَّر داخلياً على أنه تنازل يهدد قبضته على السلطة. وحتى فكرة التوصل إلى اتفاق محدود، مثل نسخة معدّلة أو محسّنة من الاتفاق النووي، التي بدت ممكنة بعد انسحاب ترامب من الاتفاق الأصلي عام 2018، أصبحت اليوم أكثر بُعداً وصعوبة.
 
والحقيقة الثالثة أن واشنطن فقدت زمام المبادرة. والمفارقة أن التطور الأهم في هذه الحرب لم يصدر عن ترامب، بل عن قرار إيران إغلاق مضيق هرمز. فبعد سنوات نجحت خلالها طهران في تحويل المضيق إلى مصدر نفوذ سياسي ومالي، تبدو اليوم أكثر تمسكاً بهذه الورقة الإستراتيجية. وكان راي تاكيه، الباحث في مجلس العلاقات الخارجية، قد أشار إلى أن إيران باتت تنظر إلى سيطرتها على هرمز بالطريقة نفسها التي تنظر بها بنما إلى سيادتها على القناة التي تحمل اسمها، ما يعني أن طهران لن تتخلى عن هذا النفوذ بسهولة أو بصورة نهائية.
 
وهذا الواقع يضع إدارة ترامب أمام خيارات شديدة الصعوبة. أحدها يتمثل في مواصلة الحصار على أمل أن تنهار إيران أو ترضخ تحت الضغط المتواصل. ويُطرح خيار آخر يقوم على تنفيذ عملية بحرية وجوية وبرية واسعة لإعادة فتح المضيق، يعقبها وجود عسكري دائم لضمان حرية الملاحة.
 
كما يبرز احتمال ثالث يتمثل في اتفاق محدود تعيد إيران بموجبه فتح المضيق مقابل رفع الحصار، على أن تُؤجَّل الملفات الكبرى إلى مفاوضات لاحقة. وفي هذا السياق، أفادت وكالة “رويترز” بأن أجهزة الاستخبارات الأميركية تدرس رد الفعل الإيراني المحتمل إذا أعلن ترامب النصر من جانب واحد. ومع ذلك، يبقى احتمال الانسحاب الأميركي الأحادي المباشر ضعيفاً.
 
ويبقى القاسم المشترك بين هذه السيناريوهات جميعاً هو الحقيقة المقلقة المتمثلة في أن الولايات المتحدة لم تعد الطرف الذي يتحكم بإيقاع الأزمة. فواشنطن باتت تتحرك، إلى حد كبير، ضمن الشروط التي فرضتها طهران، وضمن البيئة الإستراتيجية التي صنعتها، في وقت اضطرت فيه أيضاً إلى الاعتراف بأن تغيير النظام الديني لم يعد احتمالاً واقعياً.
 
وتتعلق الحقيقة الرابعة بدور بنيامين نتنياهو. فمهما كان حجم التأثير الذي مارسه رئيس الوزراء الإسرائيلي في الدفع نحو إشعال الحرب، فمن غير المرجح أن يكون هو من سيحدد كيفية انتهاء هذه المرحلة. ومع ذلك، لا تزال إسرائيل في موقع يسمح لها بضمان استمرار شكل من أشكال المواجهة الأميركية – الإيرانية في المستقبل، إذ إن الولايات المتحدة وإسرائيل تتقاطعان في كثير من المصالح المرتبطة بإيران، لكنهما تختلفان جذرياً في نقطة أساسية.
 
وبالنسبة إلى إسرائيل، يشكّل احتمال امتلاك إيران لسلاح نووي تهديداً وجودياً مباشراً، بينما لا تنظر الولايات المتحدة إلى هذا التهديد بالمستوى نفسه من الخطورة الوجودية.
 
وعند إضافة شبكة الوكلاء الإقليميين، وخاصة حزب الله، إلى المعادلة، يتشكل واقع قابل لإنتاج توتر دائم وصراع متكرر، ما دام النظام الإيراني الحالي قائماً. وبهذا المعنى، قد تتحول إسرائيل فعلياً إلى الطرف الأصغر القادر على التأثير في سلوك القوة الأكبر.
 
لكن لهذا النفوذ حدودا أيضا. فقد تعرضت مصداقية نتنياهو والموساد الإسرائيلي لضرر واضح، بعدما أخفقت الحرب في التحول إلى حملة سريعة تؤدي إلى انهيار النظام الإيراني. ومن المرجح كذلك أن يؤدي استمرار القصف الإسرائيلي للبنان إلى زيادة غضب ترامب، خصوصاً أنه يضيف تعقيدات جديدة إلى وضع داخلي ودولي معقد أصلاً.
 
من المرجح أن يستمر النظام الإيراني، وإن بدا أكثر تشدداً وأقل تماسكاً من السابق، كما ستظل القضية النووية عالقة دون حل نهائي
 
وتتمثل الحقيقة الخامسة في الميزة الإستراتيجية التي لا تزال إيران تمتلكها. وطرح عالم السياسة ويليام زارتمان نظرية تقول إن النزاعات تتجه نحو التسوية عندما يصل المتحاربان إلى ما وصفه بـ”المأزق المُضر بالطرفين”، أي عندما يصبح التصعيد غير قادر على تحقيق النصر لأي من الجانبين، فيبدأ التفاوض بالظهور باعتباره الخيار العملي الوحيد.
 
لكن هذا الشرط لا يبدو متحققاً حتى الآن، إذ إن الولايات المتحدة وإيران لا تعتقدان أنهما وصلتا إلى نقطة الإنهاك القصوى، كما أن الطرفين لا يزالان مقتنعين بأن لديهما القدرة على تحمل التكاليف والاستمرار في المواجهة. والأهم أن أياً منهما لا يرى حالياً أن الاتفاق التفاوضي هو الخيار الأفضل.
 
ومع ذلك، يوجد اختلاف جوهري في تعريف كل طرف لمعنى “النصر”، وهو اختلاف يصب في مصلحة طهران. فقد تكبدت إيران خسائر عسكرية تقليدية كبيرة، وتراجعت طموحاتها النووية بلا شك، لكنها لا تزال تعتبر أن بقاء النظام واستمرار نفوذها على مضيق هرمز يمثلان جوهر الانتصار. وفي المقابل، لا يكتفي ترامب بالسعي إلى إعادة فتح المضيق، بل يريد فرض قيود على البرنامج النووي الإيراني تتجاوز ما حققته الإدارات الأميركية السابقة. وطالما بقي النظام الإيراني قائماً، حتى وهو في حالة ضعف، فإن تعريف واشنطن للنصر سيظل هدفاً بالغ الصعوبة.
 
ولا يزال احتمال وجود مخرج دبلوماسي غير محسوم. فالوسطاء الباكستانيون يواصلون جهودهم لتقريب وجهات النظر، لكن الفجوات الجوهرية بين الطرفين لا تزال واسعة للغاية. كما أن هذه المفاوضات المعقدة لا يمكن إدارتها بسهولة عبر محادثات مرتجلة أو اتصالات هاتفية سريعة أو مقترحات عامة متعددة البنود.
 
ويبدو واضحاً أن الولايات المتحدة، رغم أنها قوة عظمى تمتلك قدرات عسكرية هائلة، تواجه مرة أخرى صعوبة في إخضاع دولة متوسطة الحجم تمتلك القدرة على استخدام أدوات سياسية واقتصادية وعسكرية غير متكافئة.
 
وسبق لإيران أن استنزفت إدارات أميركية سابقة في مواجهات طويلة ومعقدة، ويبدو أنها تفعل الشيء نفسه اليوم مع رئيس كان يبحث، كما أشار كريم سجادبور من مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، عن نسخة إيرانية من رئيسة فنزويلا المؤقتة، لكنه وجد نفسه أمام نسخ متعددة من رئيس كوريا الشمالية.
 
وربما تكمن هنا الحقيقة الأوضح بشأن حروب الاختيار: فالقائد الذي يندفع وراء انتصارات سريعة ونتائج سهلة قد يكتشف لاحقا أنه ندم على إشعال الصراع منذ البداية.