كُتّاب الموقع
الصومال: ساحة الصدام التركي الإسرائيلي على باب المندب

ديما الحلوة

الأربعاء 29 نيسان 2026

بينما ينشغل العالم اليوم بمراقبة التوترات حول مضيق هرمز ومضيق باب المندب بوصفهما عقدتين حيويتين في التجارة العالمية، ثمة فرق جوهري بينهما يفسّر لماذا يبدو باب المندب أكثر إلحاحاً في الحسابات الاستراتيجية الدولية. فمضيق هرمز، على الرغم من أهميته الاستثنائية، يبقى في جوهره ممراً لتصدير نفط الخليج والعراق وإيران إلى الأسواق العالمية، أي أنه ممر مرتبط بإخراج الموارد من الإقليم إلى الخارج. أما مضيق باب المندب، فهو ممر مائي مفتوح تعبره شرايين التجارة الدولية بين آسيا وأوروبا وأفريقيا، ما يجعل السيطرة عليه مصدر نفوذ يتجاوز الاقتصاد إلى السياسة والأمن وإعادة تشكيل موازين القوة الإقليمية.
 
في هذا السياق، تبدو الصومال جزءاً أساسياً من هذه المعادلة. فالساحل الصومالي الطويل المطل على خليج عدن والمحيط الهندي يمنح من يملك نفوذاً فيه قدرة مباشرة على الاقتراب من باب المندب. ومع تنامي التقديرات حول وجود احتياطات نفطية وغازية كبيرة قبالة السواحل الصومالية، أصبحت البلاد تجمع بين ميزتين استراتيجيتين: الطاقة والممرات البحرية.
 
بالنسبة إلى إسرائيل، التي تتصرف منذ سنوات باعتبارها قوة تسعى إلى إعادة صياغة موقعها كقوة إقليمية كبرى ذات امتداد عالمي، فإن تأمين موطئ قدم عند مضيق باب المندب يعتبر جزءاً من مشروع أوسع يتقاطع مع الخطاب السياسي لبنيامين نتنياهو الذي كرر أكثر من مرة أن هدفه هو جعل إسرائيل "أمة عظيمة" في المنطقة والعالم. لكن الصومال ليست أرضاً فارغة. هناك لاعب سبقها إلى هناك، وبنى خلال أكثر من عقد بنية نفوذ متكاملة: تركيا.
 
وبينما تنظر إسرائيل إلى الحضور التركي المتنامي في الصومال باعتباره امتداداً لمحاولة استعادة الثقل العثماني القديم، ترى تركيا في المقابل، الحضور الإسرائيلي في أرض الصومال محاولة لإعادة بناء الخريطة الجيوسياسية في الشرق الأوسط، وإحياء لمشروع عُرف باسم "مشروع الأطراف" صاغه ديفيد بن غوريون، ويقوم على بناء أحزمة نفوذ خارج المركز العربي لتطويق المنطقة من أطرافها.
 
صراع على أدوات الدولة العظمى
 
هذا ما يجعل الصومال ساحة جديدة لصراع النفوذ بين أنقرة وتل أبيب، صراع يتجاوز النفط والموانئ إلى معركة أوسع على أدوات صناعة القوة نفسها. في كتاب "تاريخ الاستشراق وسياساته: الصراع على تفسير الشرق الأوسط"، يستعيد المؤرخ الأميركي زكاري لوكمان، لحظة القرن السادس عشر، حين كانت الدولة العثمانية القوة المهيمنة عالمياً بسبب سيطرتها على أكثر الطرق التجارية ربحاً بين أوروبا وآسيا، عبر البحر المتوسط والبحر الأحمر، وهي السيطرة التي فتحت لها أبواب التوسع إلى قلب أوروبا.
 
هذه الحقيقة التاريخية ليست تفصيلاً في فهم ما يجري اليوم. فتركيا وإسرائيل تدركان أن من يملك نفوذاً في الصومال يملك مقوماً أساسياً من مقومات الدولة القوية، لكونها منفذاً مباشراً إلى باب المندب، وقدرة على التأثير في أحد أهم الممرات التجارية في العالم، وفرصة للدخول إلى ملف الطاقة الصومالي الصاعد. ولهذا يتحرك الطرفان نحو النقطة نفسها من مسارين مختلفين. تركيا تتقدم في الصومال من الجنوب الشرقي باتجاه باب المندب، بينما تتحرك إسرائيل عبر أرض الصومال من الضفة الشمالية الغربية. وهنا يبدأ الصدام الحقيقي بين الطرفين.
 
التمركز العسكري: صراع يتحول إلى أرض الواقع
 
في الصومال، عززت أنقرة وجودها العسكري عبر قاعدتها في مقديشو، وهي أكبر قاعدة تدريب عسكرية تركية خارج حدودها. ومع الوقت توسع الحضور التركي ليشمل منشآت جوية وميناء لإطلاق الأقمار الصناعية والصواريخ، إلى جانب خطط لإنشاء قاعدة بحرية. وفي مطلع عام 2026، نشرت تركيا طائرات مقاتلة من طراز "إف-16"  داخل الصومال، تلاها إرسال دبابات من طراز "إم-48" و"إم-60" لتأمين منشآتها شمال العاصمة. بذلك، أصبحت تركيا جزءاً من بنية الصومال الأمنية بما يمنحها نفوذاً طويل الأمد على واحد من أهم أطراف المنطقة العربية.
 
في المقابل، ركزت إسرائيل على أرض الصومال، التي يواجه ساحلها اليمن عبر خليج عدن. الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال أثار إدانة قوية من الصومال وعدة دول عربية، بما في ذلك تركيا. وعلى الرغم من الانتقادات، أكد تقرير لوكالة "بلومبيرغ"، في آذار/مارس الماضي، أن إسرائيل تدرس خططاً لبناء قاعدة عسكرية في أرض الصومال في خطوة وصفتها شيري فاين غروسمان، الرئيسة التنفيذية لمعهد العلاقات الإسرائيلية الإفريقية: "الجميع ينظر فقط إلى الخريطة ويفهم ما الذي تبحث عنه إسرائيل هنا".
 
ويعكس التصعيد السياسي بين الطرفين حجم التوتر المتصاعد. إذ لم تعد الاتهامات المتبادلة مؤخراً بين بنيامين نتنياهو ورجب طيب أردوغان، مجرد خطاب سياسي، بل أصبحت جزءاً من صراع يتحرك باتجاه الأرض. صراع يجعل من الصومال وأرض الصومال مسرحاً محتملاً لواحد من أخطر المواجهات بين تركيا وإسرائيل، يتجاوز البحر الأحمر والبحر المتوسط، ويمتد إلى شكل الشرق الأوسط نفسه.
 
ما يجري في الظاهر هو تنافس على موانئ وقواعد ونفط، لكنه في العمق صراع على مفاتيح النفوذ التي تعيد إنتاج القوة في المنطقة. ومن يملك باب المندب، يملك القدرة على إعادة إنتاج عظمة تاريخية بلغة القوة الحديثة. وربما هذا ما جعل العلاقة العربية-التركية تتجاوز خلافاتها السابقة لتعيد تموضع الحلفاء في مواجهة مشروع إسرائيلي في البحر الأحمر بعنوان "من الهند إلى كوش".
 
 
المصدر: المدن