سوريا في وجه حزب الله.. وصفة ترامب الجاهزة للخراب
منير الربيع
الخميس 18 حزيران 2026
يمكن لدونالد ترامب أن يُقدِّم الصورة الطبيعية للانهيار أو التدهور السياسي الأميركي. يعتدُّ الرجل بنفسه، لكنّه يضرب المنظومة الأميركية بكاملها، وهذا لا بدَّ له أن يؤسس لنتائج كثيرة لاحقاً على مستوى النفوذ، التأثير، العلاقات، التحالفات، وغيرها.
وصفة ترامب الجاهزة للدمار
السلوك الذي ينتهجه الرجل، لا يمكنه أن يُبقي مجالاً للثقة، أو حتى بنائها. وإن كان ترامب قد مثَّل سابقاً خياراً مفضلاً لبعض القوى والجهات، وخيبة للأخرى، فهو اليوم بمواقفه وقراراته الجديدة يُمثل العكس. يتحدّث ترامب عن وصفته للسلام في المنطقة، وأنّ سوريا يمكنها بتدخلها في لبنان أن تساهم في إرساء هذا السلام. لكن عمليّاً، وصفته هي وصفة صافية لحروب أهلية متفجرة على مستوى المنطقة ككل، وإعادة إحياء الحروب السنيّة الشيعية من سوريا إلى لبنان فالعراق، وإعادة تدمير هذه الدول بشكل كامل، بدلاً من السعي الى إرساء استقرارها.
مجدداً، يطرح ترامب انخراط سوريا بالتعامل مع الملف اللبناني ومع حزب الله. يعتبر أن نتنياهو يتعاطى بهمجية، وعليه أن يكون أكثر رفقاً، لكنّه فيما بعد يقول إن الشرع غير مقتنع بالتدخل، واللبنانيون كذلك، ولذا يجب البحث مع اللبنانيين أكثر، وأرفق الجملة بعبارة "أنَّ رئيس الجمهورية جوزاف عون سيزوره في البيت الأبيض خلال أسبوع أو اثنين". لكنّ ترامب ووفق مساره المعروف في فن الابتزاز، يبدو كأنّه يسعى إلى ابتزاز الدولة اللبنانية وتهديدها، تارة بسوريا، وطوراً بنتنياهو، ذلكَ لاستفزازها ودفعها إليه أكثر.
سوريا ودورها .. ابتزاز وتخويف
لا يزال ترامب يحاول تهديد لبنان وابتزازه وتخويفه بسوريا، وإمكانية تدخلها، علماً أنّ ذلك غير وارد بالنسبة الى المسؤولين السوريين ولا سيما الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، الذي لا يريد تكرار تجارب الماضي مع لبنان، ولا الدخول في صراع ضد فئة لبنانية ولا ضد اللبنانيين ككل، كما أنّ أيّ تحرك في لبنان بالنسبة إليه، سيؤدي إلى اشتعال الوضع السوري، واستغلال ذلك من قبل إسرائيل وتدخلها أكثر في الصراعات السورية والانقسامات فيها، كما أنّ أيّ صراع من هذا النوع، سيؤدي إلى صدام بين الدولتين السورية واللبنانية، ودخول العراق على الخط، وهو ما سيزكّي الصراع الطائفي والمذهبي من جديد، خصوصاً مع معلومات تتحدث عن استعداد فصائل عراقية للتدخل في سوريا في حال حصل تدخل سوري في لبنان، ذلكَ سيعني تفجير المنطقة كلها.
وإن كان ترامب يبتز لبنان بسوريا، فهو يعمل على ابتزاز حزب الله أيضاً، ودفعه للدخول في تفاوض مباشر معه، لذلك تحدّث أكثر من مرة عن تواصل مع الحزب، ثم عاد وطرح مسألة الحاجة إلى النقاش معه لمعالجة المشكلة. بذلك يتّضح أكثر أنّ كل المسار الذي ينتهجه ترامب ينتج ما يعاكس إعلانه أو تطلعاته، منذ بداية الحرب على إيران التي لم تتحقق نتائجها، بل كان انعكاس الحرب السلبي هو على دول الخليج وحلفاء أميركا، بينما الاتفاق مع إيران ينعكس سلباً على إسرائيل ومشروعها، أما سياسته بشأن لبنان وسوريا، فإن كان يعتبرها تصبُّ في مصلحة البلدين فنتيجتها ستكون كارثية عليهما.
عمليّاً وبعيداً من كل هذه القراءات، تبقى المسألة مرتبطة بجملة مسارات، أولها مسار الدفع الاميركي بالمفاوضات اللبنانية الإسرائيلية والوصول إلى نتائج سريعة، ذلكَ في محاولة لإغراء لبنان بفصله عن ملف إيران وسوريا. ثانيها، مسار خلق تفاهم أميركي إيراني حول لبنان. وثالثها، مسار الضغط على لبنان بسوريا، ولكن حتى سوريا، لديها خشية من كل ما يتهددها، خصوصاً أنّ دمشق تبدو قبلة استقطاب لمشاريع كثيرة، وهي تشكِّل عنصر تنافس أو تصارع تركي إسرائيلي، وهو ما يدفع تركيا للانخراط أكثر وتعزيز الدفاعات العسكرية السورية وتثبيت حضورها، كما أنّ أنقرة لا تريد أيّ انخراط لسوريا في لبنان.
مظلة إقليمية لحماية لبنان
لكنَّ المشروع الأميركي بالنسبة إلى كثيرين أصبح معروفاً، بينما عناصر الثقة كلها أصبحت مفتَقدة، وفي هذا السياق يجري العمل على تشكيل إطار إقليمي بين دول عدة، أبرزها، باكستان، مصر، السعودية، قطر، وتركيا، لفتح مسار التفاوض مع إيران والتفاهم معها حول الأمن الإقليمي الذي يُفترض أن يشمل لبنان وتوفير مظلة حماية له، على مستويات عديدة، سياسياً، أمنياً، عسكرياً واقتصادياً، إضافة إلى البحث في مستقبل الجنوب وكيفية ضبط الوضع فيه بعد انتهاء مهام قوات اليونيفيل ونشر قوات دولية أو قوات متعددة الجنسيات، إلى جانب حماية الدولة ومؤسساتها وتوفير الدعم للجيش بدلاً من سياسية الإضعاف والتشظي والانهيار التي تفرضها الوقائع الإسرائيلية والأميركية.
المصدر: المدن