كُتّاب الموقع
استراتيجية أمن قومي للدول الصغيرة: قطر نموذجاً

ليلى نقولا

الأربعاء 17 حزيران 2026

شكّلت تحولات النظام الدولي بعد الحرب الباردة، وتزايد النزاعات الإقليمية، بيئة سمحت لقوىً إقليمية من خارج دائرة القوى الكبرى للبروز والاضطلاع بأدوار لم تكن تكتلات الحرب الباردة تسمح بظهورها. وفي هذا الإطار، برز دور دول إقليمية كبرى وفاعلة ولديها الرغبة والقدرة على مدّ نفوذها خارج إطار اقليمها الجغرافي.
 
في المجال الإقليمي، يشكّل توسع نفوذ دول مثل السعودية وإيران وتركيا (على سبيل المثال لا الحصر) أمراً منطقياً نظراً لقدراتها وتاريخها وحجمها الخ. أما الدول الصغيرة في الأقاليم، فعادة ما تخضع لتدخلات خارجية في شؤونها، أو تكون عرضة لتأثيرات تغيّر موازين القوى. ومع ذلك، برز لدى بعض الدول الصغيرة قدرة على تجاوز قيود البنية الدولية، وإعادة تعريف أدوارها عبر أدوات غير تقليدية، ومن هذه الدول دولة قطر.
 
تشكّل قطر حالة يمكن أن تدرّس في العلاقات الدولية ويمكن أن يستفيد منها لبنان على سبيل المثال، بوصفها نموذجًا لدولة صغيرة استطاعت، عبر توظيف أدوات غير تقليدية، أن تحجز لنفسها موقعًا في قلب التفاعلات الدولية. نجحت قطر في تحويل الوساطة من أداة دبلوماسية إلى ركيزة من ركائز أمنها القومي، بما يسمح لها بحماية استقلال قرارها السياسي وتعزيز موقعها الإقليمي والدولي.
 
كيف يمكن مقاربة نموذج قطر، كنموذج للسياسة الخارجية للدول الصغيرة؟
 
أولًا: الوساطة كأداة "بقاء"
 
تنطلق المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية من افتراض أساسي مفاده أن النظام الدولي فوضوي، وأن الدول – خصوصًا الصغيرة منها – تسعى إلى ضمان بقائها عبر وسائل متعددة منها لعب دور الموازن، أو أن تدور في فلك أحد القوى الكبرى، ما يسمح بحفظ أمنها.
 
 في هذا الإطار، يمكن فهم الوساطة التي تقوم بها قطر في ملفات حساسة ومعقدة، سواء في ملف أفغانستان، أو غزة أو إيران حالياً بوصفها أحد أبرز الوسائل لتوظيف أدوات القوة الوطنية لتحقيق "استراتيجية أمن قومي" فعالة. عوضًا عن الاعتماد على القوة العسكرية أو الجغرافيا، عملت قطر على بناء شبكة علاقات واسعة مع أطراف متناقضة، بما في ذلك قوى كبرى وفاعلين غير دولتيين. 
 
هذا السلوك يعكس منطقًا واقعيًا واضحًا لجهة تحويل الدولة الصغيرة إلى طرف لا يمكن تجاوزه في إدارة النزاعات، وتقليل احتمالات استهدافه أمنياً عبر تعظيم "الدور" الدولي من خلال القيام بوساطات يعجز عن القيام بها دول أخرى. بالتالي، فإن الوساطة هنا تصبح أداة من أدوات سياسات الأمن والبقاء في بيئة إقليمية غير مستقرة.
 
ثانياً: من "البقاء" إلى توسيع النفوذ 
 
بعكس الواقعية، تؤكد الليبرالية على دور المؤسسات والتعاون الدولي في تقليص النزاعات. وفي هذا الإطار، يمكن النظر إلى السياسة القطرية بوصفها توظيفًا فعالًا للوساطة ضمن شبكات متعددة الأطراف (مع السعودية، مصر، باكستان، الأمم المتحدة وغيرها)
 
تُظهر التجارب أن قطر لا تحاول احتكار الوساطة، بل تبدو دائماً مستعدة لتوظيف جهودها ضمن وساطات متعددة الأطراف كما حصل في حرب غزة، أو تبقى مستعدة للتدخل لدعم وساطة ما، أو حين تصل تسوية ما إلى حائط مسدود، كما حصل حالياً في الملف الإيراني الذي تدخلت فيه قطر بعد أن كادت المباحثات تصل إلى حائط مسدود، فتعاونت مع باكستان للتوصل إلى تفاهم بين الأميركيين والإيرانيين.
 
وعلى هذا الأساس، تتحول الوساطة من أداة أمنية للبقاء إلى وسيلة فعالة ومطلوبة، تؤدي إلى تعظيم النفوذ عبر المشاركة في المؤسسات والعمليات التفاوضية، واستثمارها كآلية لتعزيز الشرعية الدولية وكسب الأصدقاء على الصعيدين الدولي والإقليمي.
 
ثالثاً: "بناء المكانة" الإقليمية والدولية
 
تقدم البنائية تفسيرًا مكمّلًا للمقاربات التقليدية الأخرى بتركيزها على دور الهوية والسمعة في تشكيل السلوك الدولي. في هذا السياق، لم تكتف قطر باستخدام الوساطة كأداة وظيفية، بل عملت على ترسيخها كجزء من هويتها الرسمية في السياسة الخارجية، حيث باتت تُعرّف في الأوساط الدولية كوسيط دولي موثوق.
 
استطاعت قطر اكتساب هذه المكانة من خلال بناء تدريجي ومتراكم لسمعة دولية كفاعل محايد، وقدرتها على التواصل مع أطراف متعارضة، كذلك استخدام الموارد التي تملكها لتعزيز الثقة ولحلّ العديد من القضايا العالقة بين الخصوم.
 
في النتيجة، يُظهر نجاح قطر في تسهيل الوساطة بين الأميركيين والإيرانيين، وإشادة ترامب بالجهود القطرية التي أدّت إلى تحقيق الاختراق في حرب إيران، إلى أن قدر الدول الصغيرة ليست بالضرورة أن تبقى رهينة قيود النظام الدولي، بل يمكنها – عبر استراتيجيات مبتكرة – إعادة تعريف موقعها ودورها في النظام الدولي. تُظهر التجربة القطرية أن النفوذ في النظام الدولي المعاصر لم يعد مرتبطًا فقط بحجم الدولة أو قوتها العسكرية، بل بقدرتها على إنتاج قيمة سياسية تحتاجها الأطراف الأخرى، وهو ما يجعل الوساطة أحد أهم مصادر القوة للدول الصغيرة في القرن الحادي والعشرين.
 
 
المصدر: المدن