كُتّاب الموقع
رسائل أردوغان الإقليمية: البحث عن الموقع في النظام الجديد؟!

ماهر الخطيب

الجمعة 12 حزيران 2026

في لحظة مفصلية على مستوى المنطقة، فتحت المواقف التي أدلى بها الرئيس التركي ​رجب طيب أردوغان​ الباب أمام طرح الكثير من علامات الاستفهام، لا سيما أن ما يحصل من تطورات، على المستويين الدبلوماسي والعسكري، من المرجح أن يقود إلى إعادة بناء التوازنات الإقليمية، انطلاقاً من النتائج التي أفرزتها الحروب في مرحلة ما بعد السابع من تشرين الأول 2023.
 
على عكس ما قد يذهب إليه الكثيرون، لم يكن مستغرباً حديث الرئيس التركي عن أن أمن ​تركيا​ "لا يبدأ من هاطاي، بل من ​حلب​ و​دمشق​ و​بيروت​"، مشيراً إلى أن أنقرة لن تسمح بفرض أمر واقع في دول المنطقة ولن تتغاضى عن أي اعتداءات تطال مصالحها، على اعتبار أن الاندفاعة الإسرائيلية، في المرحلة الراهنة، من الطبيعي أن تؤثر على طموحات أنقرة الإقليمية.
 
في هذا السياق، تنطلق مصادر متابعة، عبر "النشرة"، في قراءة المشهد الحالي، من معادلة أن تركيا تطمح، بعد تراجع النفوذ ال​إيران​ي على مستوى دول المشرق العربي، إلى أن تكون هي الوريث، لا سيما أنها كانت اللاعب الأبرز على الساحة السورية بعد سقوط النظام السابق، الأمر الذي كانت ترى أنه يجب أن يكون نقطة انطلاق نحو تعزيز حضورها في دول أخرى، في مقدمتها لبنان.
 
هنا، تلفت هذه المصادر إلى أن التطورات في سوريا أثبتت أن هذا الطموح يصطدم برغبة إسرائيل، حيث تسعى ​تل أبيب​ إلى فرض توازنات تصب في صالحها، من خلال التحركات التي بادرت إليها مباشرة بعد سقوط النظام السابق، لكنها تعتبر أن الأهم هو حالة التردد التي تعاملت بها أنقرة مع التطورات، الناتجة عن التداعيات التي من الممكن أن تترتب على أي صدام عسكري مباشر بين الجانبين.
 
في هذا الإطار، من الضروري الإشارة إلى أن لدى تركيا هواجس لا تنحصر بالواقع في دول المشرق العربي، بل تشمل أيضاً ما قد يترتب على احتمال انهيار النظام الإيراني، بالإضافة إلى الصراع القائم في منطقة ​شرق البحر المتوسط​، في ظل سعي إسرائيل إلى تعزيز تحالفاتها مع كل من اليونان وقبرص، ما يبرر إشارة أردوغان، في التصريح نفسه، إلى أن بلاده سترد بشكل واضح وقاس إذا جرى المساس بحقوق تركيا أو القبارصة الأتراك في المنطقة.
 
بالنسبة إلى المصادر المتابعة، البحث في هذا التنافس لا يمكن أن ينفصل عن معادلات أساسية، أبرزها أن تركيا تبقى دولة عضو في ​حلف شمال الأطلسي​، إلى جانب علاقاتها الاستراتيجية مع ​الولايات المتحدة​، وبالتالي أي تطورات في هذا المجال من المفترض أن تأخذ ذلك بعين الاعتبار، وهو ما كان يدفع واشنطن، طوال الأشهر الماضية، إلى محاولة حصر أي توترات تبرز على الساحة السورية، لكن ما أدلى به الرئيس التركي أوحى بأن مساحة التنافس أبعد مما كان متوقعاً.
 
في مطلق الأحوال، تشدد هذه المصادر على أن ما تقدم يعني أن أنقرة أرادت أن تعلن، منذ الآن، أنها تريد حجز موقع لها في أي نظام إقليمي جديد على مستوى المنطقة، خصوصاً أنها تستفيد من تعزيز علاقاتها مع بعض الدول العربية الأساسية، أبرزها ​السعودية​، التي تتلاقى معها في النظرة إلى مخاطر تنامي النفوذ الإسرائيلي، ما يبرر موقفها من الحرب الحالية على إيران، بل سعيها إلى الدفع نحو الخيارات الدبلوماسية في التعامل معها، من منطلق القدرة على الاستفادة منها وفق الواقع الجديد لطهران.
 
في المحصلة، ترى المصادر نفسها أن هذا التنافس، الذي يلامس في بعض الأحيان خطوطاً حمراء، يُفضي إلى تساؤلات كبرى حول المدى الذي يمكن أن يبلغه، وهو أمر يصعب الحسم فيه في الوقت الحالي، إلا أن المرجح هو أن يبقى محصوراً، لا سيما أن الولايات المتحدة تبقى قادرة على رعاية توازناته بدقة.
 
 
المصدر: النشرة