من هي الدولة العميقة في الولايات المتحدة؟ ماذا يُمثّل دونالد ترامب؟
محمد فرج
الأربعاء 10 حزيران 2026
الصراع داخل الولايات المتحدة مستمر، وفيه فرقاء كثر، ولا يعنينا تصنيفه على قاعدة الطيب والشرير، وإنما توصيفه انطلاقاً من الواقع. ترامب والدولة العميقة يتصارعان أحياناً ويتّحدان أحياناً، ولكنهما مستمران في الحرب ضدّنا.
يبدو عنوان "الدولة العميقة" شبحياً وغامضاً بما يكفي. استخدامات المصطلح في التحليل السياسي متعددة، وليس لها نسق واحد، حتى أنّ الأدبيات السياسية لم تجمع على تعريف واحد له.
ما هو أول ما يخطر ببالك عند سماع المصطلح؟ هل هو المجمع الصناعي العسكري أو المجمع الصناعي العسكري الأكاديمي؟ أو قد يكون 16 وحدة استخبارية تشكل العمود الفقري لمجتمع الاستخبارات في الولايات المتحدة، أو المنظمات الأميركية التي تعمل في مجالات "العمل الاجتماعي" و "التنمية السياسية"، أو كبار البيروقراطيين في الدولة، في الجيش والأجهزة الخاصة، أو مضاربي وول ستريت، أو أقطاب التكنولوجيا المتقدمة. ولكن أول ما سيخطر ببال الغالبية الأوسع كلمة واحدة: "المحفل" !
يُكثر الناس في حواراتهم من التركيز على مصطلح "المحفل الماسوني" أو "الأندية" التي تلعب أدواراً خفية في إطار "حكومة عالمية"، وتمسك خيوط اللعبة كاملة، وتتجاوز أدوار الحكومات السياسية المنتخبة، وتحرّك حياة المجتمعات من مكاتب مظلمة. هذه هي الصورة المطبوعة في وعي شريحة واسعة من الناس، أليس كذلك؟
لست هنا في وارد التخفيف أو المبالغة في أدوار تجمعات من هذا النوع، وكثيراً ما يتم نزعها من سياقاتها وأدوارها التاريخية السابقية، وإسقاطها قسراً على مرحلة باتت أكثر تقدماً وتطوراً، ومن ذلك الماسونية نفسها.
التفصيل في كل ذلك، ليس من نطاق عمل هذا المقال، لكن لا بد أن نركز على قاعدة عامة في الوعي الجمعي، أننا كثيراً ما ننسب منشأ الخطط والأفعال الغريبة إلى جهة مجهولة، متخيلة، ذات سمات خارقة، لا نعرف الكثير عن تفاصيلها. لكن الملامح الأساسية للـ "الدولة العميقة" في الولايات المتحدة، قد تكون أكثر وضوحاً، وإن أحاط بها عوامل إرباك كثيرة!
عام 2020 أصدر إيان فيتزجيرالد كتاباً بعنوان "الدولة العميقة – تاريخ المخططات السرية والحكومات الخفية". اختار فيتزجيرالد عنوان كتابه بعناية، ودرس جيداً أنماط التشويق في التسويق. لكن الكتاب يخلص إلى نتيجة معمّمة هي أن الدولة العميقة موجودة في التاريخ، وكذلك في كل مكان، ابتداء من أثينا وروما وصولاً إلى الدول في منطقتنا. قد يكون ذلك صحيحاً، لكنه استنتاج عام لا يشبع الفضول الباحث عن "الدولة العميقة" في الولايات المتحدة تحديداً.
يفرد فيتزجيرالد 3 فصول للدولة العميقة في الولايات المتحدة، حتى عام 1939 وبعده، وفصل خاص عن الدولة العميقة الرقمية. يسرد فيتزجيرالد مجموعة من الأمثلة تكشف جزء من ملامح الدولة العميقة في الولايات المتحدة، التي تتضمن شركات الأسلحة وشبكات الاستخبارات ومراكز الأبحاث والذراع الإدارية للدولة، ومن أهم العناوين التي ناقشها:
1. الإدارة السياسية تجلس في المقعد الخلفي: أن تأخذ الدولة، بمسمياتها المعروفة، مقعداً خلفياً، لتترك للشركات تنفيذ المهمة المقدّسة: صناعة الأرباح!
ميدان الحروب هو الأنسب للمزيد من الأموال، وهنا يقول فيتزجيرالد أن إثارة واشنطن للحروب بعد نهاية الحرب العالمية الثانية جاءت بحثاً عن الأرباح، ليس فقط الحرب الباردة، بل أيضاً الحروب في كوريا وفيتنام. يبدو فيتزجيرالد متسّقاً مع الطرح التقليدي المعروف؛ "ما هو في مصلحة جنرال موتورز هو في مصلحة الولايات المتحدة".
وفي سياق صناعة الحروب يقول فيتزجيرالد أن الاستخبارات الأميركية تعمّدت المبالغة في قدرات الاتحاد السوفياتي عسكرياً للدّفع أكثر باتجاه سباق التسلّح.
2. "الخمسة الكبار": أثناء العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران، صدرت دراسات عديدة تتحدث عن تراجع قاعدة الإنتاج الصناعي العسكري في الولايات المتحدة، وعزا عدد من هذه الدراسات السبب في ذلك إلى "الخمسة الكبار"؛ لوكهيد مارتن، وجنرال ديناميكس، ونورثروب غرومان، وبوينغ، وريثون.
ففي طريق هيمنة هذه الشركات على عقود البنتاغون، أقصت 46 شركة أخرى واستحوذت الخمسة الكبار عليها، ولم يتسبب ذلك في توسيع قاعدة الإنتاج الصناعي، وإنما في إبعاد المنافسين المحتملين عن الطريق.
3. "الباب الدوّار": يخصص فيتزجيرالد مساحات بشأن علاقة هذه الشركات بالمؤسسة السياسية، وجماعات الضغط، والباب الدوّار في انتقال العاملين من شركات السلاح إلى البنتاغون، او العكس، حاملين معهم طموحاتهم المالية، من موقع البائع أو موقع المشتري.
يضع في أطروحته ديك تشيني كمثال للشخصيات المتحركة في الباب الدوّار، فمن وزير الدفاع في عهد بوش الأب إلى رئيس تنفيذي لشركة هاليبارتون في عهد كلينتون، إلى نائب الرئيس في عهد بوش الابن. كانت النتيجة النهائية لحركة ديك تشيني في الباب الدوار انتقال هاليبارتون من المرتبة 22 كمقاول إلى المرتبة السابعة بعد الحرب على العراق!
لا يختصر حديث فيتزجيرالد عن الدولة العميقة بشركات السلاح، بل يتناول أيضاً الإعلام والشركات التكنولوجية ومراكز الأبحاث، إلخ... وفي النتيجة النهائية لعمل فيتزجيرالد، نكون أمام تعريف للدولة العميقة على أنه شبكة العنكبوت المتشابكة داخل المؤسسات والشركات الأميركية، والأبواب الدوّارة التي تفصل بينها جميعاً، فكما الخروج من قاعة شركات السلاح إلى البنتاغون أو العكس، يمكن الخروج من مراكز الأبحاث إلى الاستخبارات أو الجامعات أو العكس أيضاً.
الدولة العميقة كما يراها ألكسندر دوغين
يشرح دوغين مفهوم الدولة العميقة استناداً إلى تجربة تركيا الحديثة (درين ديفليت). عندما صعد الإسلام السياسي بقيادة أربكان في تركيا في التسعينيات، كان موروث الكمالية مستقراً بقوة في الجيش وإدارات الأجهزة المدنية أيضاً.
تعاملت الكمالية مع استحقاقات نتائج الانتخابات، فمن جهة هنالك حكومة جديدة منتخبة، ولديها صلاحية، وهنالك الكمالية ذات التوجهات العلمانية الصارمة، والقومية، والحداثة بنسختها الأوروبية. هنا عبّرت الكمالية عن "الدولة العميقة" في تركيا.
يوصّف دوغين هنا السمة الأولى للدولة العميقة، حتى في الولايات المتحدة، أنها تنشأ في دول الديمقراطيات البرلمانية، بنسختها الغربية تحديداً. وتعبّر عن التوجهات الأيديولوجية الموروثة التي تتعامل مع قرارات حكومة منتخبة، وتضبط حركة الحكومة وفقاً لهذه التوجهات.
وإذا كانت العلمانية الصارمة هي العنوان الأيديولوجي للدولة العميقة في تركيا الحديثة؛ فإن الهيمنة الأميركية من موقع "الحكومة العالمية" هو عنوان الدولة العميقة في الولايات المتحدة. يتفق على هذا العنوان كل من الديمقراطيين والمحافظين الجدد؛ وهذا ما يفسر أن نسقاً متصلاً كان حاضراً في الحرب على العراق، ابتداء من بوش الأب إلى كلينتون وبوش الابن، وهذا ما يفسر النسق في احتلال أفغانستان من بوش الابن إلى بارك أوباما.
بهذا المعنى تنظر الدولة العميقة في الولايات المتحدة، بوجهيها؛ الديمقراطيين والمحافظين الجدد، لما يجري في الصين مثلاً "كشأن داخلي" يجب التعامل معه، من موقع "الحكومة العالمية".
وإذا كان الجيش في تركيا الحديثة هو التعبير الأوضح للدولة العميقة في تركيا ( مع الأخذ بعين الاعتبار التحولات الكبرى التي حدثت فيه بعد إجراءات جذرية اتخذها أردوغان)، فإن المؤسسات التي تعبّر عن التوجهات الأيديولوجية للدولة العميقة في الولايات المتحدة، حسب دوغين، هي مجلس العلاقات الخارجية، وحركة المحافظين الجدد.
مجلس العلاقات الخارجية يمثّل الديمقراطيين، أو ما يسميه بعضهم "اليسار العالمي"، وحركة المحافظين الجدد التي تمثّل "اليمين العالمي". وهنا تذوب المسافات الفاصلة بين اليمين واليسار، كما نفهمها أيديولوجيا ونظرياً، لحساب عنوان واحد، ما يسمّيه بعضهم "الحكومة العالمية".
يقول دوغين إنّ مجلس العلاقات الخارجية، هو الذي سعى إلى تأسيس الاتحاد الأوروبي كجزء من منظومة السيطرة العالمية، وأنه سعى إلى ضمّ الصين إلى السوق العالمية، في محاولة لضمّها لشروط المنظومة والتحكم فيها ( وكان الصعود الصيني هو الصدمة الأكبر التي تعرّضت لها الاستراتيجية الأميركية). يبدو مجلس العلاقات الخارجية في الإطار العام واحداً من بنوك التفكير الأميركية، لكن دوغين يرى فيه مؤسسة ذات قيمة في توجيه السياسات الخارجية الأميركية.
حركة المحافظين الجدد هي ذراع ثانية في الدولة العميقة، حسب دوغين. وتنظر من الزاوية نفسها في اعتبار العالم كله سوقاً واحدة، وفضاء ثقافياً واحداً ( العولمة الرأسمالية). لذلك، تجد التيارين ( المحافظين الجدد، ومجلس العلاقات الخارجية) لا يهتمّان مثلاً في الاستحواذ على غرينلاند ضمن الحدود الإدارية للولايات المتحدة، طالما أن النظرة إلى العالم تنطلق من اعتباره كفضاء موحّد لجهة الخضوع للهيمنة.
ينسج دوغين علاقة بين حركة المحافظين الجدد، والتروتسكيين ( الاشتراكية الدولية). فالتروتسكيون يعتبرون أن تحقيق الاشتراكية يتطلب انتصاراً ساحقاً للرأسمالية على المستوى الدولي، لذلك يدفعون باتجاه هذا الانتصار وصولاُ إلى المحطة اللاحقة. التروتسكية هنا تمثل النسخة "العلمانية" من معركة نهاية العالم "هرمجدون"، ولكن بطابعها الأرضي، الانتقالي، وليس بمعنى نهاية الوجود الذي نعرفه.
المحافظون الجدد ومجلس العلاقات الدولية في نظر دوغين لا يعملان في إطار دولتي، وإنما في إطار عالمي، لذلك يصبح من المهم الحفاظ على العلاقة مع الشريك الأوروبي. باختصار لأنّ لشخصيات مثل ماكرون وكير ستارمر وأسلافهم مقعد في أندية الأعمال وتبادل الخبرات، من دافوس إلى بيلدربيرغ.
على المستوى النظري، سارت الدولة العميقة بتدرج وانتقال من آراء فريدريتش فون هايك (ما يسمى الليبرالية الكلاسيكية أو المدرسة النمساوية) إلى كارل بوبر وجورج سوروس. فالأول كان معنياً بانسحاب الدولة بشكل كامل من الاقتصاد، وإطلاق العنان للفردانية، ولكن هذا التنظير تمدّد مع كارل بوبر ولاحقاً جورج سوروس باتجاه أفكار "المجتمع المفتوح" العالمي، واعتبار كل من يرفض الانضمام إليه عدواً، وبذلك تحوّلت الليبرالية إلى شمولية عالمية تحارب الحكومات التي تريد الحفاظ على هويتها الخاصة، وعدم الانصهار في المنظومة العالمية، ذات الخصائص المحددة غير القابلة للنقاش والتغيير.
أين ترامب من الدول العميقة؟
في كتابه "ثورة دونالد ترامب"، يعتبر ألكسندر دوغين أن مسار ترامب يأتي انقلاباً على مسار المحافظين الجدد والديمقراطيين معاً. ترامب مسلح بالغريزة في اتخاذ القرارات، لم يأتي من قاعدة نظرية سياسية، يريد تطبيقها. ما يفعله هو إسقاط ما تعلمه من الإدارة وبناء العلاقات في ميدان الأعمال. المراقبون هم من يضعون ترامب في قوالب النظريات السياسية، لأن ترامب نفسه لا يعرفها، والمراقبون هم من يقارنوه مع رؤساء سابقين، مثل ماكنلي وريغان.
إذن، تنطلق مهمة المحللين وعلماء السياسة من التأطير النظري لسلوك ترامب، لأن ترامب نفسه لم يأتي بنظرية سياسية، ولم يتبع نظرية سياسية محددة، ولكنه وفريقه نتاج الضرورة الأميركية في الخروج من ثنائية المحافظين الجدد والديمقراطيين، وهذه الضرورة نفسها هي نتاج تراجع الإمكانات الأميركية، ودخولها في عبء التوسع. لم تعد نظرية الإدارة العالمية قادرة على العمل أكثر. لذلك، لم يكن ظهور ترامب خللاً فنياً أو ماساً كهربائياً (كما يقول دوغين)، ولكن نجاحه مرتين في الانتخابات دليل على هذه الضرورة:
1. ترامب وفريقه لا يميلون كثيراً إلى العولمة، ولكنهم مع فرض الهيمنة. وهنا يكمن الخطأ في وصف فريق ترامب بالانعزالي على قاعدة الانكفاء، وأنّ هذا الفريق يريد فقط تدبير أمور الولايات المتحدة وعدم التدخل في باقي دول العالم، وهذا غير صحيح.
لكنّ التدخل يحدث من منطلق المنظور القومي الأميركي/ العرقي الأبيض/ القيم التقليدية، ولذلك يريد ترامب السيطرة الرسمية، و"تطويب" قناة بنما باسم الولايات المتحدة ، وكذلك غرينلاند. "التطويب" الرسمي لا يعني كثيراً الفريق العولمي ( على شاكلة بايدن)، والمهم هو السيطرة الفعلية على الأشياء.
2. العودة إلى "القيم التقليدية" بالمنظور البروتستانتي تقتضي الهيمنة على الآخر، وهنا يأتي دعم "إسرائيل" المتناظرة بطريقة النظر إلى الآخر ( الغوييم). دعم "إسرائيل" قاعدة ثابتة في الولايات المتحدة، ولكن يدعمها الفريق العولمي (الديمقراطيون والمحافظون الجدد) بطريقته، ويدعمه فريق ترامب بطريقته.
3. وانطلاقاً من هذا التصنيف يدعم فريق ترامب اليمين في أوروبا (ماري لوبان، حزب البديل في ألمانيا)، وتتوتر علاقته مع الفريق العولمي الأوروبي ( ماكرون – ستارمر). ولكنّ إدارة بايدن ذات التوجه العولمي تتوتر علاقتها مع ناراندارا مودي في الهند ، المفضّل لدى دونالد ترامب.
4. الشعارات الانتخابية تدلل على طبيعة الأيديولوجيا السياسية، ففي الوقت الذي يتمسك به ترامب بشعار ( لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى)، إنما يعبر ذلك عن منطق الخروج من التفكير العولمي ولكنه أيضاً المهيمن. وعندما يطرح بايدن شعار إعادة البناء، فإنه يتحدث عن الضرر الذي طال المنظور العولمي في الهيمنة، ومن ذلك العلاقة مع المؤسسات الدولية، التي لا يهتم بها فريق ترامب، ويعتبرها عبئاً. ليس غريباً إذن أن يعتبر ترامب الاتحاد الأوروبي معيقاً لتحقيق الديمقراطية في أوروبا، ويدين هذا الاتحاد بشكل متكرر. ومن هنا أيضاً يأتي التباين في التعامل مع ملف الهجرة، فالمنظور العولمي لا يتوقف كثيراً عند هذا الملف، ولكن المنظور القومي/ العرقي لترامب يتوقف عندها، وهذا ما يفسر التباين بين سياسات ترامب وبايدن بشأن التعامل مع الهجرة.
هل يتحرك ترامب تحت مظلة هانز مورغنثاو؟
"كيف يفكّر ترامب؟"؛ ليس سؤالاً مثيراً للاهتمام، والسؤال الأكثر رواجاً هو "كيف يتصرّف ترامب؟" !
يفضلّ الأكاديميون تصنيف الرؤساء في مدارس أو تيارات سياسية، فذلك يسهّل عليهم التوصيف والتحليل. لكنّ ترامب كان عصياً لسنوات على ذلك، إلى أن استقرّ تصنيفه لدى الطيف الأوسع من الاكاديميين كجزء من "المحافظين القدامى"، واعتبار سلوكه أقرب لنظريات هانز مورغنثاو. هو جزء من المحافظين القدامى، في دعوته للعودة إلى القيم التقليدية البروتستانتية، وهو يتحرك تحت مظلّة مورغنثاو لأنه:
· لا يرى أهمية في منظومة الأمن الجماعي ومؤسساته، ولا يؤمن بآليات عمل ودرو ويلسون بعد الحرب العالمية الأولى. يقع ذلك بالنسبة له في إطار اليوتوبيا، وهذا ما يفسّر موقفه من الهيئات والمؤسسات الدولية، من الأمم المتحدة إلى اتفاقيات المناخ ومنظمة الصحة العالمية.
· انطلق مورغنثاو في فرضياته من أن الطبيعة البشرية تنزع للسيطرة والقوة، الأمر الذي يشابه ما وصفه الصحافي الأميركي بوب ودوورد ب"اتخاذ القرارات بالغريزة" لدى ترامب.
· مورغنثاو عارض انخراط الولايات المتحدة في حرب فيتنام، لأنها لا تحقق مصالح قومية بالنسبة لواشنطن. في المقابل يقول ألكسندر دوغين أن ترامب لا يرى في الحرب ضد روسيا ذات أولوية للمصالح الأميركية.
في هذا الإطار النظري نستطيع أن نتلمس طبيعة العلاقة بين ترامب والدولة العميقة في الولايات المتحدة؛ فمن جهة أولى؛ الدولة العميقة مشبّعة بالموروث العولمي ( مجلس العلاقات الخارجية وحركة المحافظين الجدد)، لذلك هي تمتلك تاريخاً من التوجهات المختلفة في السياسة الخارجية. يحدث التوتر ويحدث الصدام، وتحدث الاستقالات، ولكن الدولة العميقة أيضاً تراقب وتقيّم مدى فعالية التحول باتجاه منطق ترامب في إدارة الملفات الدولية، وتقيّم أيضاً مدى فعالية نهج الديمقراطيين في ذلك. ومن جهة ثانية، تختبر الدولة العميقة نتائج الجنون في السياسة الخارجية، وما أعنيه بالجنون هنا، التعامل الصريح والفظّ مع مفاهيم القوة، بعيداً عن التمويه القيمي، وبعيداً عن تضليل الرأي العام العالمي باهتمام واشنطن بالقوانين الدولية.
الدولة العميقة تراقب النتائج وتتكيف معها، وتعارضها أحياناً في الوقت نفسه. نحن ببساطة في معمعان هذا الاضطراب داخل مراكز اتخاذ القرار في الولايات المتحدة.
أمثلة حيّة
1. لم يبدأ استخدام عنوان "الحرب على الإرهاب" في حقبة بوش الابن، وإنما كانت استمراراً لمسار وضعه بيل كلينتون أيضاً، عبر مجموعة من القوانين والشعارات المتصلة بالعنوان. وهنا تظهر حالة اتساق بين إدارة ديمقراطية وأخرى تمثل حالة المحافظين الجدد، وهذا يؤكد ما ذهب إليه دوغين في التصنيف.
2. لم تستشعر الولايات المتحدة، أقله إجرائياً، أهمية الصين قبل عنوان باراك أوباما في التركيز على آسيا (Pivot to Asia). هذه السياسة قامت على فكرة الاحتواء، أن كل اقتصاد يدخل منظمة التجارة العالمية، ويتحرك ضمن شروط واشنطن في آليات تقسيم العمل العالمي، والتبادل غير المتكافئ، لن يتمكن من بناء اقتصاد مستقل.
ولكن الصين أحدثت مفاجأة بالنسبة للولايات المتحدة، أنّها لم تستمر في عمليات الهندسة العكسية للمنتجات، وواظبت على براءات الاختراعات التي تجاوزت نظيرتها مع الزمن في الولايات المتحدة.
ترامب تخلّى عن المنظور العولمي في مواجهة الصين ( الاتّكاء على الاحتواء داخل المنظومة)، ولكنه مستمر في المواجهة من منظور الدولة القومية، ولكنّ هذا التخلّي لا يختصر في الفوارق الأيديولوجية بين الديمقراطيين والمحافظين من جهة، وترامب والمحافظين القدامى من جهة أخرى، ولكنه يرتبط بتراجع إمكانات الدولية العميقة في الولايات المتحدة في الاستمرار بالمنطق العولمي لفرض الهيمنة على العالم. هنا جاءت مرحلة ترامب تعبيراً أيضاً عن التعامل الأميركي الممكن مع المعطيات الجديدة للنظام الدولي. وهذا التعاطي الجديد بدأ يتسلل إلى جزء من الدولة العميقة، التي بدأ جزء منها يفكر بالاستفادة من آلية توظيف ممكنة لمرحلة ترامب نفسها.
3. تنطوي العلاقة بين ترامب والدولة العميقة في الولايات المتحدة على وحدة وصراع. صراع بسبب التناقض مع موروث الدولة العميقة في منطق الإدارة المعولمة، ووحدة بسبب اقتناع جزء من الدولة العميقة بتوظيف مرحلة ترامب؛ أولا لاختبار إمكانات النهج القومي في الهيمنة، وثانياً، لترويض المناخ الشعبوي في الداخل الأميركي الآخذ في التصاعد، وثالثاً، لإدراك جزء من هذه الدولة العميقة أن الولايات المتحدة لم تعد تمتلك الإمكانات اللازمة لمنهج الإدارة المعولمة للنظام الدولي. لذلك نشهد في الوقت نفسه، إقالات واستقالات من أجهزة الدولة، في البنتاغون والاستخبارات وكذلك الأجهزة المدنية، ونشهد في الوقت نفسه انفضاض في الدائرة المؤيدة لدونالد ترامب، بسبب شقّ الوحدة مع الدولة العميقة، والاستجابة لضغوطات الفريق العولمي، ومن ذلك تاكر كارلسون، وربما إيلون ماسك.
4. المحافظون الجدد والديمقراطيون يعطون وزناً للعلاقة مع أوروبا، والحفاظ على الهيئات المشتركة معها، وفي مقدمها حلف الناتو. وينطوي جزء من هذه العلاقة على تكريس العداء لروسيا.
ترامب، الذي يتحرك بمنطلق الدولة القومية، لا يأبه كثيراً لهذه التحالفات، ومن هنا تظهر شكواه المستمرة بسبب الإسهامات المالية في الناتو، والنظر إلى أوروبا كعبء أكثر منها كحليف. النادي العولمي المشكل من المحافظين الجدد والديمقراطيين، لا ينظر إلى توزيع الأعباء بالطريقة نفسها، فالقادة الأوروبيون، من أمثال ماكرون وستارمر، هم جزء من النادي المركزي، الذي لا يتطلب المساهمات المتكافئة فيه.
5. في العلاقة مع "إسرائيل"، ثمة منشأ أيديولوجي دائماً للدعم. بايدن وبلينيكين كانا يركزان على البعد الصهيوني في العلاقة مع "إسرائيل"، وهي ذات منشأ عولمي. في حين أن ترامب يعبر عن العلاقة انطلاقاً من بعد إيمانه البروتستانتي ( مرتبط بمفهوم العودة إلى القيم التقليدية). منشآن أيديولوجيان يوصلان إلى النتيجة نفسها: دعم مطلق.
سياسياً، عندما ضغط آيزنهاور على "إسرائيل" للتوقف عن العدوان الثلاثي، كان لدى النظرة العولمية الأميركية هدف من هذه الضغوطات؛ أولاً إضعاف وزن بريطانيا وفرنسا في النادي العولمي، مع الأخذ بعين الاعتبار استمرار حضورهما فيه لاحقاً، ولكن بوزن بأقل ( تحديداً فرنسا بعد مرحلة شارل ديغول)، والهدف الثاني هو محاولة أميركية في جس نبض الناصرية في مصر، وإمكانات فتح قنوات معها، الأمر الذي ثبت خطؤه لاحقاً. أما بالنسبة لترامب، فإنه يضغط على نتنياهو من وقت إلى آخر، عندما تتضارب المصالح القومية الأميركية مع طموحات "إسرائيل"، وهذا منظور قومي في العلاقة.
لذلك العلاقة الأيديولوجية مع "إسرائيل" حاضرة من مشربين مختلفين، ولكنهما يصلان إلى المؤدى نفسه، أما العلاقة السياسية، فهي الأخرى تنطلق من أساسين مختلفين، ولكن صيغة الدعم ثابتة فيها، والثغرات التي يمكن أن تصيب العلاقة في المنظور العولمي، مختلفة عن طبيعة الثغرات التي يمكن أن تحدث من المنظور القومي.
6. في أميركا اللاتينية، فإن عودة ترامب للتركيز على مبدأ مونرو، إنما هو تخل عن توجهات ودرو ويلسون في التعامل مع باقي المساحات الجغرافية من منطلق الهيمنة المعولمة، بل من منطلق البعد القومي في الجغرافيا السياسية.
7. إيران تمثل تحد لمشروع العولمة الأميركي، وكذلك تمثل تحد لمبدأ الإخضاع بالقوة القومية الذي يمارسه ترامب. لذلك، فإن إيران تبقى خصماً دائماً بالنسبة للولايات المتحدة وسياساتها في غرب آسيا.
ربّما ما يحير في هذا التصنيف، هو ملفات إبستين. التي يلتصق طابعها بالفريق العولمي أكثر من الفريق القومي. وهذا ما يجعل ترامب عاجزاً عن المغادرة الكاملة لتأثيرات النادي العولمي.
الصراع داخل الولايات المتحدة مستمر، وفيه فرقاء كثر، ولا يعنينا تصنيفه على قاعدة الطيب والشرير، وإنما توصيفه انطلاقاً من الواقع. ترامب والدولة العميقة يتصارعان أحياناً ويتّحدان أحياناً، ولكنهما مستمران في الحرب ضدّنا، وإن كان من قواعد انطلاق مختلفة أحياناً!
المصدر: الميادين