كُتّاب الموقع
لماذا قد يكون الاتفاق أكثر خطورة على إيران من الحرب؟

العرب اللندنية

الأربعاء 10 حزيران 2026

 على الرغم من أن الحروب تُقاس عادة بحجم الخسائر العسكرية والاقتصادية التي تخلّفها، فإن بعض التسويات السياسية قد تفرض على الدول تحديات أكثر تعقيداً وأطول أمداً من المواجهات المسلحة نفسها.
 
وفي الحالة الإيرانية، يبرز تساؤل مهم مع اقتراب الحديث عن تفاهمات جديدة بين طهران وواشنطن بعد أشهر من التصعيد العسكري: هل يمكن أن يكون الاتفاق أكثر خطورة على النظام الإيراني من الحرب ذاتها؟.
 
وللوهلة الأولى يبدو هذا الطرح متناقضاً. فالحرب الأخيرة ألحقت أضراراً كبيرة بالبنية العسكرية الإيرانية، وأثرت على قطاعات اقتصادية حيوية، كما وضعت البلاد أمام ضغوط أمنية غير مسبوقة. لكن قراءة أعمق للمشهد تشير إلى أن انتهاء المواجهة العسكرية قد يفتح الباب أمام تحديات داخلية يصعب على القيادة الإيرانية احتواؤها، خصوصاً إذا فقدت الحرب دورها التقليدي كعامل تعبئة داخلية ووسيلة لتبرير الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.
 
وخلال سنوات طويلة، استفادت الجمهورية الإسلامية من حالة التوتر المستمرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل في تعزيز خطاب "المواجهة الخارجية" وتوجيه الاهتمام الشعبي نحو التهديدات الأمنية.
 
 وكان هذا الخطاب يوفر للنظام مساحة لتبرير كثير من الإخفاقات الاقتصادية والمعيشية باعتبارها نتيجة للعقوبات والحصار والضغوط الخارجية. غير أن أي اتفاق جديد قد يحدّ من فاعلية هذه الرواية، ويعيد التركيز إلى المشكلات الداخلية التي يعاني منها الإيرانيون بشكل يومي.
 
وتواجه إيران بالفعل مجموعة من الأزمات المتراكمة، تشمل ارتفاع معدلات التضخم، وتراجع قيمة العملة الوطنية، وارتفاع البطالة، وتدهور الخدمات الأساسية مثل المياه والكهرباء.
 
ويقول المحلل دينيس روس في تقرير نشره معهد واشنطن إنه خلال فترة الحرب كان بالإمكان ربط هذه الأزمات بظروف المواجهة ومتطلباتها الأمنية، لكن انتهاء القتال سيجعل المواطنين أكثر ميلاً لمحاسبة السلطة على أدائها الاقتصادي والإداري.
 
كما أن الاتفاق المحتمل قد يضع القيادة الإيرانية أمام معادلة مالية معقدة. فمن جهة، تحتاج الدولة إلى تخصيص موارد ضخمة لإعادة بناء ما تضرر من قدراتها العسكرية والصناعات الدفاعية، ومن جهة أخرى يطالب الشارع بتحسين الأوضاع المعيشية والاستثمار في الخدمات والبنية التحتية.
 
الاتفاق إذا جاء دون انفراج اقتصادي واسع ودون قدرة على معالجة الأزمات المعيشية المتراكمة، فقد يضع القيادة الإيرانية أمام اختبار أكثر صعوبة.
 
وفي ظل محدودية الموارد، قد تجد الحكومة نفسها عاجزة عن تلبية هذين المسارين في الوقت نفسه.
 
وتزداد صعوبة هذا التحدي إذا كان الاتفاق لا يتضمن رفعاً واسعاً للعقوبات الاقتصادية. فالكثير من التقديرات الغربية تشير إلى أن أي تخفيف للعقوبات سيكون مشروطاً بخطوات إيرانية إضافية في الملف النووي، ما يعني أن الاقتصاد الإيراني قد لا يحصل على الانفراج الذي تأمله طهران.
 
وفي هذه الحالة، ستواجه الدولة أعباء إعادة الإعمار العسكري دون أن تمتلك الموارد الكافية لمعالجة الأزمات الداخلية.
 
ومن المفارقات أن الحرب نفسها منحت إيران بعض أوراق القوة التي لم تكن تمتلكها سابقاً. فقد أظهرت طهران قدرتها على التأثير في أمن الملاحة بمضيق هرمز وعلى تهديد المنشآت النفطية في المنطقة، وهو ما عزز مكانتها التفاوضية وأكد أنها ما زالت قادرة على التأثير في معادلات الأمن الإقليمي. لكن هذه المكاسب الاستراتيجية لا تعني بالضرورة أن النظام أصبح أكثر قدرة على مواجهة أزماته الداخلية.
 
ويظل الاقتصاد الإيراني الحلقة الأضعف في المعادلة. ومع استمرار العقوبات وسوء الإدارة والفساد البنيوي، تتراجع قدرة الدولة على توفير فرص العمل وتحسين مستوى المعيشة. كما أن إعادة توجيه الموارد نحو إعادة بناء القدرات العسكرية قد تزيد من حالة التذمر الشعبي، خاصة إذا شعر المواطنون بأن أولويات السلطة لا تنسجم مع احتياجاتهم اليومية.
 
وفي هذا السياق، لا تقتصر المخاطر على الجانب الاقتصادي فحسب، بل تمتد إلى المجال السياسي أيضاً. فالحرب غالباً ما تؤدي إلى توحيد الجبهة الداخلية مؤقتاً في مواجهة الخطر الخارجي، لكن انتهاءها يعيد فتح النقاشات المؤجلة حول السياسات العامة ومستقبل البلاد.
 
وقد بدأت بالفعل خلال السنوات الأخيرة أصوات داخل إيران تتساءل عن جدوى السياسات الإقليمية المكلفة التي انتهجتها الجمهورية الإسلامية، وعن حجم الموارد التي أنفقتها لدعم حلفائها في المنطقة.
 
ومع تراجع تأثير التعبئة المرتبطة بالحرب، قد تزداد هذه التساؤلات حضوراً داخل المجتمع الإيراني، خصوصاً بين فئات الشباب والطبقات المتضررة اقتصادياً. كما أن استمرار الضغوط المعيشية قد يعيد تنشيط موجات الاحتجاج التي شهدتها البلاد في السنوات الماضية.
 
ويعتقد بعض المحللين أن الخطر الأكبر على النظام الإيراني لا يتمثل في احتمال سقوطه، بل في احتمال ظهور تيار إصلاحي جديد داخل مؤسسات الدولة نفسها يدعو إلى إعادة ترتيب الأولويات الوطنية. فالتحديات الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة قد تدفع بعض النخب إلى المطالبة بالتركيز على التنمية الداخلية بدلاً من الانخراط في صراعات إقليمية مكلفة.
 
وهنا تبرز المقارنة التي يطرحها بعض الباحثين مع تجربة الاتحاد السوفياتي في سنواته الأخيرة، عندما دفعت الأزمات الاقتصادية المتراكمة إلى صعود قيادة تبنت إصلاحات واسعة وغيرت طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع والعالم الخارجي.
 
ورغم اختلاف السياقات بين الحالتين، فإن الفكرة الأساسية تتمثل في أن الضغوط الداخلية قد تصبح أكثر تأثيراً من الضغوط العسكرية الخارجية.
 
ولا يعني ذلك أن التغيير في إيران بات حتمياً أو قريباً، فالنظام ما زال يمتلك أدوات أمنية وسياسية قوية تمكنه من إدارة الأزمات واحتواء الضغوط. لكن الاتفاق المحتمل قد يحرمه من إحدى أهم أدواته التقليدية في إدارة الرأي العام، وهي استحضار التهديد الخارجي بوصفه المبرر الرئيسي للمشكلات الداخلية.
 
وفي المحصلة، قد تكون الحرب قد ألحقت بإيران خسائر عسكرية واقتصادية كبيرة، لكنها منحت النظام أيضاً فرصة لحشد الداخل حول أولوية المواجهة.
 
وأما الاتفاق، فإذا جاء دون انفراج اقتصادي واسع ودون قدرة على معالجة الأزمات المعيشية المتراكمة، فقد يضع القيادة الإيرانية أمام اختبار أكثر صعوبة. فبدلاً من التركيز على الصراع مع الخارج، ستجد نفسها مطالبة بالإجابة عن أسئلة الداخل المتعلقة بالتنمية والحوكمة ومستقبل الاقتصاد، وهي ملفات قد تشكل التحدي الأكبر للجمهورية الإسلامية في مرحلة ما بعد الحرب.