كُتّاب الموقع
قراءة في الاستراتيجية الأميركية من شانغريلا إلى الشرق الأوسط

وائل عواد

الثلاثاء 9 حزيران 2026

عُقد حوار شانغريلا الثالث والعشرون لعام 2026 في سنغافورة في لحظة تتقاطع فيها حالة عدم اليقين العالمي مع تصاعد التنافس بين القوى الكبرى وتداخل الأزمات الأمنية والاقتصادية والتكنولوجية. ولم يعد الحوار مجرد منصة لبحث قضايا الدفاع والأمن الإقليمي، بل تحول إلى مؤشر على انتقال النظام الدولي من منطق الهيمنة والمواجهة إلى منطق إدارة التوازنات وهندسة النفوذ عبر ساحات متعددة ومترابطة.
 
وعكست النقاشات أن الأمن لم يعد مفهوماً عسكرياً تقليدياً، بل بات يتقاطع مع الاقتصاد والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والتحولات الجيوسياسية المتسارعة. كما اكتسبت دورة هذا العام أهمية خاصة لأنها جاءت في ظل استمرار التنافس الأميركي–الصيني، وإعادة صياغة أدوار القوى الإقليمية، وتصاعد أهمية الأمن البحري، وامتداد آثار النزاعات العالمية من أوروبا إلى الشرق الأوسط.
 
سبع خلاصات
 
ويمكن تلخيص أبرز ما كشف عنه الحوار في سبع خلاصات رئيسية تعكس طبيعة المرحلة الجديدة: آسيا كمركز متزايد لصناعة القرار العالمي، استمرار الحضور الصيني غيابياً في معظم النقاشات، إعادة تأكيد الالتزام الأميركي بالأمن الإقليمي، بروز أزمة الثقة كتهديد عالمي، تصاعد دور الهند كقوة توازن، واتساع مفهوم الأمن ليشمل التهديدات العابرة للأقاليم، وصولاً إلى انتقال التفكير الاستراتيجي من منطق المواجهة إلى منطق إدارة التوازن.
 
أزمة تايوان
 
ضمن هذا السياق، برز ملف تايوان بوصفه أحد أهم مؤشرات التوازن العالمي. وكانت لهجة وزير الحرب الأميركي اكثر توازناً وأقل  حدّة عما كانت عليه العام الفائت. فقد قرأت قرارات واشنطن المتعلقة بتأجيل أو إعادة ترتيب بعض صفقات السلاح لتايوان ليس بوصفها تراجعاً عن الالتزام الأمني، وإنما كجزء من استراتيجية أوسع لإدارة المخاطر.
 
أرادت الولايات المتحدة  أن توصل رسالة مفادها أنها  تحاول الجمع بين الحفاظ على الردع تجاه الصين، حيث تستخدم واشنطن التأجيل التكتيكي كوسيلة لتخفيف التوتر مع الصين في فترات الحوار الدبلوماسي دون تقديم تنازلات استراتيجية، وعدم دفع المنطقة إلى مواجهة مباشرة، وتوزيع مواردها العسكرية "غير المحدودة" على عدة ساحات دولية. 
 
وهنا تظهر رسالة واضحة: واشنطن لا تتخلى عن أدوات الردع، لكنها تعيد ترتيب استخدامها وفق أولويات متعددة، بينما  تنظر الصين إلى التأجيل باعتباره إجراءً تكتيكياً أكثر منه تغييراً جوهرياً في الموقف الأميركي.
 
الهند أهم اللاعبين
 
في خضم هذا التحوّل، برزت الهند كأحد أهم اللاعبين الصاعدين في المعادلة الآسيوية. الاستراتيجية الهندية لا تقوم على الانضمام إلى اصطفاف كامل ضد الصين، بل على بناء موقع مستقل يوازن بين الشراكة المتنامية مع الولايات المتحدة، والحفاظ على قنوات التعاون مع روسيا، وإدارة التنافس الحدودي مع الصين، وتعزيز مكانتها كقوة آسيوية مستقلة. ولهذا السبب أصبحت الهند محوراً أساسياً في أي تصور أميركي طويل الأمد لاستقرار منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
 
أحد التحولات اللافتة في النقاشات الأمنية الحديثة هو انتقال الذكاء الاصطناعي من كونه أداة اقتصادية إلى عنصر مركزي في الأمن والدفاع.
 
سباق على أدوات الحرب
 
تتسابق اليوم القوى الكبرى على تطوير أنظمة قيادة وتحكم ذكية، طائرات مسيرة متقدمة، قدرات سيبرانية هجومية ودفاعية، وأدوات حرب تعتمد على سرعة تحليل البيانات. يفتح هذا التحول الباب أمام سباق تسلح جديد قد يتجاوز في تأثيره سباقات التسلح التقليدية، لأن عنصر السرعة والقرار أصبح أكثر مركزية من أي وقت مضى.
 
ما يبدو للبعض تحولاً أميركياً نحو آسيا، لا يعني انسحاباً من بقية مناطق النفوذ، بل يمثل في جوهره إعادة تموضع استراتيجي لإدارة تعدد الأزمات وتوزيع الموارد.
 
انعكاسات التحولات على الشرق الأوسط
 
على الرغم من أن الشرق الأوسط لم يكن مركز الحوار، فإن مخرجات شانغريلا حملت رسالة مهمة للمنطقة: العالم يتغير، ولم تعد مناطق النفوذ التقليدية تعمل بمعزل عن بعضها. وتدفع هذه التحولات الدول الإقليمية إلى تبني مقاربات أكثر مرونة تقوم على تنويع الشراكات، وتقليل الاعتماد على طرف واحد، وتعظيم الاستفادة من التنافس الدولي بدلاً من الوقوع ضحية له.
 
فالشرق الأوسط لم يعد ساحة تتلقى التحولات فقط، بل أصبح جزءاً من هندسة التوازن العالمي الجديد.
 
خلاصة القول، إن ما بدا خلال حوار شانغريلا 2026 من تركيز متزايد على آسيا لا يعكس تحولاً أميركياً بمعنى الانسحاب من مناطق النفوذ التقليدية، بقدر ما يكشف عن انتقال الولايات المتحدة إلى مرحلة جديدة من إعادة التموضع الاستراتيجي وإدارة تعدد الأزمات وتوزيع الموارد. واشنطن لم تعد تتعامل مع العالم كساحات منفصلة، بل كمنظومة مترابطة تتداخل فيها ثلاثة مراكز ضغط رئيسية: الصين في آسيا، وروسيا في أوروبا، وإيران والشرق الأوسط ضمن معادلات الأمن والطاقة والممرات الحيوية.
 
وقد أكد الحوار أن العالم تجاوز منطق القطبية الأحادية والمنافسة الثنائية التقليدية، ليدخل مرحلة أكثر تعقيداً تقوم على إدارة التوازنات عبر شبكة من المصالح والتحالفات المتحركة. فالقوة اليوم لم تعد تُقاس فقط بحجم القدرات العسكرية أو الاقتصادية، بل بقدرة الدول على توزيع النفوذ، واحتواء المخاطر، وتجنب استنزاف الموارد في أكثر من جبهة في وقت واحد.
 
وفي هذا المشهد، تتحول آسيا تدريجياً إلى مركز إنتاج القرار العالمي، بينما تظل الهند والشرق الأوسط وأوروبا حلقات مترابطة في معادلة واحدة لإعادة تشكيل النظام الدولي. أما الصين، فحتى عندما تغيب عن بعض منصات الحوار، فإن حضورها الاستراتيجي يظل عاملاً حاكماً في صياغة أجندات الأمن العالمي.
 
إن التحدي الحقيقي في المرحلة المقبلة لن يكون امتلاك القوة فقط، بل القدرة على هندسة التوازن بين الردع والدبلوماسية، وبين المنافسة والتعاون، وبين المصالح الوطنية والاستقرار الدولي. وربما تكمن الرسالة الأعمق التي كشف عنها حوار شانغريلا، في أن العالم لم يعد يُدار بمنطق من يملك القوة الأكبر، بل بمن يملك القدرة الأكبر على إدارة التوازنات في زمن تتداخل فيه الجبهات وتتغير فيه مراكز النفوذ بوتيرة غير مسبوقة.
 
المصدر: المدن