كُتّاب الموقع
انتهاء الجولة الرابعة: لا اختراق حاسم لكن واشنطن تمنع الفشل

ندى أندراوس

الخميس 4 حزيران 2026

انتهى الاجتماع الثاني من الجولة الرابعة للمفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية، بعدما كان الوسيط الأميركي قد عمل، وبشكل مكثف على مدى يومين، على منع انهيار هذه الجولة أو خروجها بنتيجة سلبية، عبر الدفع نحو تقريب وجهات النظر، والإبقاء على قنوات التفاوض مفتوحة، استعداداً لجولة خامسة متوقعة في النصف الثاني من حزيران الحالي.
 
وبحسب ما كشفت مصادر مطلعة لـِ "المدن"، تركزت المفاوضات في اليوم الثاني أيضاً على مسارين متوازيين: الخطة الأمنية المقترحة للجنوب، والبحث في آليات استكمال المفاوضات خلال المرحلة المقبلة. وقد أجرى الوفد اللبناني اتصالات مباشرة مع قصر بعبدا، لوضع رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون في أجواء نتائج الاجتماعات وتفاصيل النقاشات، كما قام الوفد الإسرائيلي، بدوره، بإطلاع قيادته السياسية على مجريات المفاوضات أولاً بأول.
 
وبالرغم من كثافة الاجتماعات وطرح الوثائق والأفكار والخرائط، بقيت العقدة الأساسية على حالها: لبنان يريد وقفاً شاملاً وثابتاً لإطلاق النار كمدخل إلزامي لأي نقاش آخر، فيما ترفض إسرائيل هذا الطرح، وتصر على ربط أي وقف للنار بترتيبات أمنية تسبق الانسحاب وتعالج ملف سلاح حزب الله.
 
 
وقف إطلاق النار أولاً... أم الترتيبات الأمنية؟
 
شكّل وقف إطلاق النار محور النقاش الرئيسي خلال الاجتماعات، وقد تم تبادل عدد كبير من الأفكار والمقترحات.
 
تمسك الوفد اللبناني بموقف واضح مفاده أنه لن يدخل في أي بنود أو ترتيبات أو تفاهمات أخرى قبل تثبيت وقف إطلاق النار بشكل كامل، يليه الانسحاب الإسرائيلي وعودة النازحين إلى قراهم.
 
في المقابل، دخل الوفد الإسرائيلي إلى المفاوضات محملاً بمجموعة واسعة من الطروحات والوثائق والخرائط المتعلقة بالترتيبات الأمنية المحتملة في الجنوب خلال المرحلة المقبلة، مع الإصرار على أولوية المعالجات الأمنية ونزع السلاح.
 
ولم يكن الوفد اللبناني خالي الوفاض بدوره، إذ حضر إلى الاجتماعات بمجموعة من الأفكار والمقترحات والخرائط، لكنه أبقى تركيزه الأساسي على أولوية تثبيت وقف إطلاق النار قبل الانتقال إلى أي بند آخر.
 
 
من وقف شامل إلى وقف تدريجي
 
ومع رفض إسرائيل فكرة الوقف الشامل والفوري لإطلاق النار، والتشديد على التمسك بحرية الحركة، انتقل النقاش إلى صيغ بديلة تقوم على التدرج الزمني والجغرافي، في محاولة أميركية لإيجاد قواسم مشتركة أو أرضية يمكن البناء عليها.
 
وبحسب معطيات "المدن"، جرى التداول بأفكار تستند إلى نماذج مشابهة لما حصل في التفاهم القائم على عدم استهداف الضاحية الجنوبية مقابل عدم استهداف المستوطنات في شمال إسرائيل.
 
ومن هنا بدأ البحث في إمكان اعتماد وقف إطلاق نار تدريجي، سواء من حيث الزمن أو من حيث المناطق الجغرافية، بحيث يتم تحديد مناطق معينة يطبق فيها وقف إطلاق النار أولاً، ثم ينتشر الجيش اللبناني فيها وتكون خالية من السلاح، قبل الانتقال إلى مناطق أخرى ضمن مراحل متتالية. وهو طرح أميركي أعاد إلى الطاولة فكرة "المنطقة التجريبية" Pilot Zone، بعد أن كان لبنان يرفضها في المراحل السابقة.
 
وتقوم هذه الفكرة على انسحاب إسرائيلي تدريجي من منطقة محددة تحت إشراف دولي وبرعاية أميركية، يعقبه انتشار الجيش اللبناني وتطبيق ترتيبات أمنية خاصة داخل تلك المنطقة تجعلها خالية من السلاح، لتتحول إلى نموذج يمكن البناء عليه لاحقاً في مناطق أخرى.
 
وتؤكد المعلومات أن الوسيط الأميركي أصر بقوة على هذا الطرح، بل ضغط لإدراجه ضمن البيان أو أي إعلان يصدر عن الخارجية الأميركية.
 
وقد أرسلت خلال الساعات الماضية أكثر من صيغة مقترحة للبيان إلى بعبدا، في إطار المشاورات الجارية حول الصياغة النهائية وما يمكن أن تتضمنه من نقاط، خصوصاً لتأكيد الموقف الرسمي وموافقته على أيَّة صيغة يمكن الخروج بها.
 
واشنطن تبحث عن نقاط تقاطع
 
أوضحت مصادر أميركية لـِ "المدن" أن الهدف الأساسي من الجولة الحالية لا يتمثل في الوصول إلى اتفاق نهائي، بل في إيجاد نقاط مشتركة وتقاطع بين الطرفين يمكن البناء عليها خلال الجولات المقبلة، للوصول إلى اتفاق نهائي بين لبنان وإسرائيل.
 
وتعتبر واشنطن أن تقدماً تحقق بالفعل، ولو بصورة محدودة، على المستويين السياسي والعسكري، وأن هذا التقدم قد يتبلور تدريجياً إذا استمرت المفاوضات بالوتيرة الحالية.
 
كما حرص الوسيط الأميركي، خلال الاجتماعات، على التشديد على أن المسار اللبناني منفصل عن المسار الإيراني، وأن المفاوضات الجارية لا ترتبط بالشروط التي تتحدث عنها طهران، ولا بمحاولات الربط بين الملف اللبناني وأي تفاوض إقليمي آخر.
 
المنطقة العازلة... والبدائل المطروحة
 
في موازاة ذلك، وخلال النقاشات، أصرت إسرائيل على التمسك بالمنطقة العازلة، فيما كان رفض لبنان حاسماً لهذا الأمر. وقيل في الاجتماعات صراحة: "إن المناطق المقصودة تضم قرى وبلدات مأهولة، وسكانها هم أصحاب الأرض، وسيعودون إليها كما يعود مستوطنو الشمال".
 
مع ذلك، أبدى الوفد اللبناني استعداداً لبحث ترتيبات أمنية يتولاها الجيش اللبناني حصراً، في وقت أبدى الأميركيون استعداداً لتوفير ضمانات وآليات رقابة دولية تساعد على تنفيذ هذه الترتيبات من دون المساس بالسيادة اللبنانية.
 
وفي لعبة الخرائط وطرح كل الأوراق على الطاولة، علمت "المدن" أنه عندما وصل البحث إلى طبيعة أي ترتيبات بين البلدين، أصر لبنان على أن يكون خط الهدنة، أي الحدود الدولية المعترف بها، أساس أي انسحاب إسرائيلي مستقبلي، مع معالجة النقاط الثلاث عشرة العالقة على الخط الأزرق.
 
وعند وصول البحث إلى قضية مزارع شبعا، كان هناك إقرار بأن ذلك يحتاج إلى معالجة لبنانية - سورية أولاً، عبر تقديم دمشق ما يثبت، بصورة رسمية ونهائية، هويتها القانونية، سواء كانت فعلاً لبنانية أو سورية، للبناء على استكمال مسار ملف الحدود.
 
كذلك تناولت النقاشات إمكان توسيع إطار "الميكانيزم" القائم ليشمل مراقبين دوليين إضافيين، على غرار القوة متعددة الجنسيات والمراقبين الدوليين.
 
جولة خامسة في حزيران
 
عليه، يمكن القول إن الجولة الرابعة انتهت من دون اختراق حاسم، لكنها لم تنتهِ بالفشل. فالوسيط الأميركي نجح في إبقاء التفاوض قائماً، وأعاد إحياء فكرة المنطقة التجريبية باعتبارها المدخل الأكثر واقعية لكسر الجمود القائم، وعمل على خطة يفترض أن تتولى ترجمة أي ترتيبات في المرحلة المقبلة.
 
أما لبنان، فسجل له قدرته على التمسك بمطلب وقف إطلاق النار أولاً، ثم الانسحاب الإسرائيلي، فالبحث في بقية الترتيبات، بغض النظر عن كيفية ترجمة ذلك ومدى التجاوب الإسرائيلي على أرض الواقع. في المقابل، تواصل إسرائيل التمسك بأولوية الملف الأمني ونزع سلاح حزب الله.
 
وبين هذين الموقفين، تستعد الأطراف لجولة ثانية في الشهر الحالي، على أمل أن تسمح نقاط التقاطع التي ظهرت خلال اليومين الماضيين بتحويل التقدم المحدود إلى تفاهمات أكثر وضوحاً، ولو على مراحل.
 
المصدر: المدن