الحربان الأوكرانية والإيرانية أكثر تشابهاً ممّا قد يظنّ أحد
لارا جايكس- نيويورك تايمز
الإثنين 1 حزيران 2026
تكشف جوانب مثل تكنولوجيا المسيّرات والديبلوماسية، كيف تتقاطع الحربان في ساحات القتال وفي الاصطفافات العالمية، بما يوفّر نموذجاً للحروب المستقبلية. فحرب الخنادق والمدفعية الثقيلة في ساحات المعارك الأوكرانية عام 2022، لا تبدو شبيهة كثيراً بالحرب الجوية والبحرية التي بدأت عندما هاجمت الولايات المتحدة وإسرائيل إيران. لكنّ أوجه التشابه بين النزاعين سرعان ما أصبحت واضحة، ولا تزال كذلك بعد ما يقارب ثلاثة أشهر.
في كلتا الحربَين، لم تتمكّن الدولة ذات الجيش الأقوى من القضاء على خصمها. فقد توقّع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نصراً سريعاً عندما أطلق «عمليّته العسكرية الخاصة» قبل أكثر من 4 سنوات. كما تعهّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب في البداية بأنّ «الرحلة الصغيرة» ضدّ إيران، التي بدأت في 28 شباط، ستستمر ما بين 4 و5 أسابيع.
وأوضحت نيكول غراييفسكي، الخبيرة في شؤون إيران وروسيا والأستاذة في معهد العلوم السياسية «سيانس بو» في باريس، أنّه «بالنسبة إلى كلّ من روسيا والولايات المتحدة، هناك الكثير من التوقّعات غير المحقّقة بشأن عملياتهما العسكرية»، معزيةً ذلك إلى «الغطرسة لدى الطرفَين».
وخلال الأيام القليلة الماضية، أحرزت المفاوضات تقدّماً نحو خطة أولية للسلام بين إيران والولايات المتحدة، وإن بقي كثير من الغموض قائماً، لا سيّما بعد الضربات الأميركية المتجدِّدة ضدّ إيران يوم الإثنين. وسواء تمّ التوصُّل إلى اتفاق أم لا، فإنّ هذه الحرب، إلى جانب النزاع في أوكرانيا، ستوفّر دروساً حول تطوُّر الحروب الحديثة.
إعادة تشكيل الحرب عبر التكنولوجيا
ساعدت التكتيكات غير المتكافئة كلاً من أوكرانيا وإيران على صدّ قوى أقوى منهما، لا تستطيعان منافستها في مواجهة عسكرية تقليدية. فعلى سبيل المثال، ضربت إيران الولايات المتحدة عبر مهاجمة حلفائها. وأثارت الخوف في دول الخليج الفارسي من خلال إرسال مسيّرات هجومية انتحارية، لاستهداف قواعد عسكرية ومنشآت طاقة في دول مثل الكويت والسعودية. كما استخدمت التهديد بالألغام والزوارق السريعة الصغيرة المسلّحة، للإبقاء على قبضتها الخانقة على مضيق هرمز الضيق.
أمّا أوكرانيا، فقد اغتالت مسؤولين عسكريّين روساً في موسكو، واستهدفت بانتظام منشآت نفطية تُعد شريان الاقتصاد الروسي. كما استخدمت مسيّرات بحرية لتحييد الأسطول الروسي الأكبر بكثير في البحر الأسود. وربما الأهم، بحسب خبراء، أنّ النزاعين يُظهران كيف تُعيد الابتكارات والتكنولوجيا تشكيل الحروب.
ولجأت الولايات المتحدة إلى أنظمة لكشف المسيّرات مزوّدة بالذكاء الاصطناعي، لحماية قاعدة الأمير سلطان الجوية في السعودية، وفقاً لشخص مطّلع على الاتفاق. وقد طوّرت أوكرانيا هذه الأنظمة للدفاع عن نفسها ضدّ روسيا.
وفي لبنان، يهاجم «حزب الله» القوات الإسرائيلية بمسيّرات متفجِّرة يتمّ التحكّم بها عبر كابلات الألياف البصرية، على غرار تلك المستخدمة بشكل واسع في الحرب في أوكرانيا.
ويشرح مايكل كوفمان، الخبير العسكري والزميل البارز في برنامج روسيا وأوراسيا في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، أنّ الأنظمة المتعدِّدة الطبقات من المجسّات والصواريخ الموجّهة والمسيّرات - وفي كثير من الحالات التكنولوجيا المدعومة بالذكاء الاصطناعي - التي جرى تطويرها في أوكرانيا ونشرها في الخليج، «من المرجّح أن تنتشر بسرعة حول العالم».
وأضاف كوفمان، أنّه «في كلتا الحربَين، نشهد بروز القدرة على الضربات الدقيقة واسعة النطاق في ساحة المعركة». واعتبر أنّ «حزب الله» ومقاتلين في مالي لجأوا بالفعل إلى تكنولوجيا رخيصة وسهلة التصنيع مشابهة، ما يُظهر أنّ هذه الأنظمة «ستُعمِّم القدرة على الضربات الدقيقة واسعة النطاق في ساحات القتال بالنسبة إلى القوى المتوسطة والصغيرة».
استراتيجيات هجومية متشابهة
شهد القتال في الشرق الأوسط قبل دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ مطلع نيسان، استخدام أسراب من المسيّرات إلى جانب هجمات بالصواريخ الباليستية، وهي تكتيكات أكّد مسؤولون وخبراء إنّها ظهرت للمرّة الأولى خلال الغزو الروسي لأوكرانيا.
وكانت إيران قد سلّمت روسيا عام 2022 مسيّرات «شاهد» الانتحارية، التي استخدمتها موسكو لضرب أوكرانيا. وقد استُخدم الطراز نفسه هذا العام ضدّ دول الخليج من قبل إيران، فيما تردّ روسيا الجميل بتقديم بعض الدعم العسكري لطهران. ولا يزال حجم هذا الدعم غير واضح، لكنّ مسؤولين أميركيّين كشفوا أنّه يشمل شحن قطع غيار للمسيّرات عبر بحر قزوين.
وأشارت غراييفسكي إلى وجود «بعض التعاون» بين روسيا وإيران في التلاعب بأنظمة تحديد المواقع العالمية، لإرباك أنظمة التوجيه والاستهداف لدى الخصم. ويبدو أنّ بعض السفن المرتبطة بإيران عمدت أخيراً إلى تزوير إشارات أجهزة التتبُّع في مضيق هرمز - في محاكاة لتكتيك اتقنته روسيا منذ وقت طويل ضمن «أسطول الظل» غير الشرعي لناقلات الطاقة - بهدف تفادي رصد البحرية الأميركية.
كما عُثر على معدات روسية مضادة للتشويش داخل مسيّرة إيرانية، كانت تستهدف قاعدة بريطانية في قبرص في آذار. ويخشى مسؤولون وخبراء أوروبيّون
أن تزوِّد موسكو إيران بأسلحة، إذا انهارت محادثات السلام المتعثرة واستأنفت طهران ضرباتها في أنحاء المنطقة.
وكشف وزير الدفاع البريطاني جون هيلي في نيسان، خلال اجتماع لحلفاء يرسلون دعماً عسكرياً إلى أوكرانيا: «لقد رأينا أدلّة على مساعدة روسيا لإيران في هجماتها». ولم يوضّح طبيعة تلك الأدلة، لكنّه أضاف: «كان بوتين يريدنا منشغلين بالنزاع في الشرق الأوسط».
العلاقات الديبلوماسية
أدّت الحرب الإيرانية إلى توتير بعض التحالفات، ولا سيّما بين إدارة ترامب وأوروبا، حيث يعتبر كثير من القادة أنّ هذا النزاع غير ضروري وغير قانوني.
كما أشعلت سباقاً عالمياً على إمدادات الطاقة، مع لجوء بعض الدول إلى روسيا للحصول على النفط والغاز المتاحَين وإن بطرق غير شرعية. وأدّت أيضاً إلى تأخير مسار السلام بين روسيا وأوكرانيا، بعدما حوَّلت اهتمام الولايات المتحدة نحو الشرق الأوسط.
ويعتقد دانيلو لوبكيفسكي، مدير منتدى كييف الأمني ونائب وزير الخارجية الأوكراني السابق: «أنّهم كانوا يشربون الشمبانيا في الكرملين عندما بدأ الرئيس ترامب الحرب على إيران». لكنّ الحرب في إيران أفرزت أيضاً تحالفات مفاجئة، تتجلّى بشكل أوضح في الشراكات الجديدة التي نسجتها أوكرانيا مع دول الخليج.
ففي نيسان، أعلنت أوكرانيا اتفاقات أمنية جديدة مع قطر والسعودية والإمارات. وكانت مثل هذه العلاقات مستبعدة قبل سنوات، حين كانت بعض دول الخليج تسعى إلى الحفاظ على علاقات حيادية مع روسيا.
ولفتت يانا كوبزوفا، المديرة المشاركة لبرنامج الأمن الأوروبي في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، إلى أنّ كييف تريد مقايضة تكنولوجيا المسيّرات والمساعدة التدريبية مقابل دعم ديبلوماسي من الشرق الأوسط، وصفقات طاقة، وأنظمة دفاع جوي متطوِّرة. وأضافت أنّ الرئيس فولوديمير زيلينسكي يأمل «في تحويل هذه الأزمة إلى فرصة».
وعلى أقل تقدير، اعتبرت كوبزوفا، أنّ الاتفاقات مع الدول الغنية بالنفط، والتي تشمل بيع تكنولوجيا المسيّرات إليها، قد تكون مربحة لقطاع الصناعات الدفاعية الأوكراني الآخذ في التوسع.
وقد شكّلت أوروبا شريان حياة لأوكرانيا منذ أن أوقفت الولايات المتحدة إلى حدّ كبير تزويد كييف بالأسلحة والمعدات العام الماضي. واشترت دول أوروبية أسلحة من الولايات المتحدة لإرسالها إلى أوكرانيا، كما أتاح الاتحاد الأوروبي الشهر الماضي قرضاً بقيمة 90 مليار يورو، أي نحو 106 مليارات دولار، لمساعدة كييف على تحمّل أعباء الحرب المستمرة.
لكنّ قدرة أوروبا على مواصلة تقديم دعم قوي قد تعتمد على ما إذا كان النقص في الوقود والسلع الناجم عن الحرب الإيرانية سيؤدّي إلى إضعاف اقتصاداتها، وهو وضع سيتفاقم إذا لم يتحقق السلام.
وأوضح ريكاردو ألكارو، الخبير في معهد الشؤون الدولية في روما، أنّ المواجهة المستمرة بشأن مضيق هرمز، الذي يُعدّ ممراً حيوياً لنحو 20% من إمدادات الطاقة العالمية، تُظهر كيف يمكن لإيران أن تشكّل تهديداً كبيراً لأوروبا، لا يقلّ عن التهديد القائم على حدودها في أوكرانيا.
وأضاف ألكارو، الذي تتركّز أبحاثه على أوروبا وإيران: «لا تزال الحرب في أوكرانيا الجبهة الرئيسية بالنسبة إلى أوروبا. لكنّ الحرب الإيرانية ليست جبهة ثانوية، بمعنى أنّها تؤثّر فعلاً، وبشكل كبير جداً، على قدرة أوروبا على الإسهام في أولويتها الأولى - وهي أوكرانيا».
المصدر: الجمهورية