عيد المقاومة والتحرير 2026: من دحر الاحتلال إلى منع الهيمنة
ليلى نقولا
الإثنين 25 أيار 2026
إذا كان عام 2000 قد شكّل لحظة مفصلية في تاريخ الصراع العربي- الإسرائيلي، فإن عام 2026 يعكس مرحلة جديدة، متشابهة في الشكل، ولكن مختلفة في المضمون.
يطل عيد "المقاومة والتحرير" في لبنان هذا العام في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتراوح بين مسارين متوازيين: مسار تفاوضي يشي بتقدمٍ حذر، ومسار ميداني يُبقي احتمالات التصعيد مفتوحة، في ظل تخوّف إيراني من أن تكون المفاوضات الجارية حالياً بين واشنطن وطهران مجرد تعمية على تحضيرات عسكرية لعودة الحرب.
في هذا السياق، تؤدي عمليات المقاومة في الجنوب، وظيفتين استراتيجيتين: الأولى، في الإطار اللبناني، وتهدف إلى كسر فرضية الحسم الإسرائيلي، ودفعه تدريجيًا نحو "نقطة الذروة" التي ستمنعه من فرض وقائع دائمة في لبنان. والثانية، مرتبطة بالحرب الدائرة في المنطقة والمفاوضات المرتبطة بها.
الوظيفة الأولى: في الإطار اللبناني
قبل تصاعد الحرب الأخيرة في 2 آذار 2026، سادت في الأوساط الإسرائيلية والغربية قراءة مفادها أن حزب الله دخل مرحلة تراجع بنيوي، نتيجة الضربات العسكرية التي تلقاها، وعمليات نزع السلاح في جنوب الليطاني، إلى جانب التغيرات الإقليمية، وأهمها سقوط النظام السوري، والتي أثرت على خطوط الإمداد التقليدية.
شكّلت هذه القراءة أساساً لتقدير استراتيجي إسرائيلي مفاده أن الظروف باتت مهيأة لإعادة احتلال جنوب لبنان، وتهجير المواطنين اللبنانيين من الجنوب بشكل دائم، ونزع سلاح حزب الله، أي إعادة إنتاج نموذج "الشريط الحدودي" (1985- 2000) بصيغة جديدة وبأرض محروقة. غير أن الحزب امتلك مفاجآت قلبت هذه التوازنات، إذ جاءت ضربات المقاومين ضد الأهداف العسكرية، وامتلاكه مسيّرات من أنواع جديدة لتؤكد أن الحديث عن انتهاء دوره العسكري كانت تقديرات خاطئة ومبالغاً فيها.
إحدى أبرز نتائج هذه المفاجآت، هو إعادة إدراج "عامل الكلفة" في الحسابات الإسرائيلية. فالتقدم البري أو محاولة تثبيت السيطرة على نقاط داخل الأراضي اللبنانية لم يعد خياراً منخفض المخاطر كما كان الإسرائيلي يعتقد في بداية هذه الحرب، بل بات مرتبطاً بكلفة بشرية وعسكرية يصعب تحملها سياسياً وعسكرياً في "إسرائيل" في نهاية المطاف.
وتلعب الطائرات المسيّرة هنا دوراً مفصلياً، ما يجعلها أداة فعالة في إعادة إنتاج معادلة الاستنزاف بصيغة أكثر تطورًا وحداثة. فإذا كانت العبوات الناسفة في التسعينيات قد أسهمت في إنهاء الاحتلال الإسرائيلي تدريجيًا من جنوب لبنان و في تحرير عام 2000، فإن المسيّرات اليوم تؤدي وظيفة مشابهة تقريباً، ولكن بقدرة أعلى على التأثير، خاصة في ظل قيام المقاومة بتصوير عمليات الاستهداف وهو ما يمنع الإسرائيلي من التستر على خسائره.
وعليه، في الحروب اللامتماثلة، لا يُقاس النجاح بمنع التوغل الميداني، بل بمدى القدرة على رفع كلفة هذا التقدم، ومنع تحويله إلى إنجاز استراتيجي دائم. وهذا ما يفسر المشهد الحالي، إذ إن استمرار قدرة حزب الله على إيقاع خسائر، ولو محدودة، يفرض على "إسرائيل" خفض سقف أهدافها تدريجيًا، ويمنعها من تحقيق ما يمكن وصفه بـ"نقطة الحسم".
الوظيفة الثانية: الجنوب كجزء من معادلة أوسع
لا يمكن فصل ما يجري في جنوب لبنان عن السياق الإقليمي الأوسع، خصوصاً في ظل الحديث عن تفاهمات أميركية–إيرانية محتملة. فلبنان ليس مجرد ساحة مواجهة ثانوية يمكن تركها لنزاع مجمد، بل إن تحوّل الحرب فيه إلى حرب استنزاف، يجعلها عنصرًا ضمن شبكة توازنات إقليمية، وبنداً من بنود التفاوض الأميركي- الإيراني الأوسع.
في هذا الإطار، تؤثر عمليات المقاومة في الجنوب والخسائر التي يتكبدها الإسرائيلي في الميدان، بشكل مباشر على مسار التفاوض عبر ضبط الطموحات الإسرائيلية. فمن دون خسائر كبرى لن يتراجع الإسرائيلي عن هدف الهيمنة على منطقة الشرق الأوسط وتأسيس "إسرائيل الكبرى" (كما أعلن نتنياهو والمسؤولون الإسرائيليون صراحة).
في النتيجة، إذا كان عام 2000 قد شكّل لحظة مفصلية في تاريخ الصراع العربي- الإسرائيلي عبر إجبار "إسرائيل" على الانسحاب من جنوب لبنان من دون اتفاقية سلام وتحت ضغط المقاومة، فإن عام 2026 يعكس مرحلة جديدة، متشابهة في الشكل، ولكن مختلفة في المضمون.
باتت مهمة المقاومة، ليس فقط تحرير الأرض، بل منع التفكير في إعادة احتلالها أو فرض واقع جديد عليها، كما انتقلت المقاومة من مشروع “التحرير” بمعناه الكلاسيكي إلى مشروع الحفاظ على التوازن ومنع الهيمنة الإسرائيلية على المنطقة.
وبالتالي، إن احتلال الجنوب قد يؤدي إلى تحوّل جوهري في موازين القوة الإقليمية ما يؤسس لمشروع "إسرائيل الكبرى". أما صموده وتحوّله إلى مستنقع للاحتلال، فهذا يعني أن ما حققه الإسرائيلي من إنجازات عسكرية تكتيكية خلال أعوام 2023- 2026، سيكون قد تلاشى بالمعنى الاستراتيجي.
المصدر: الميادين