لبنان "الجمهورية المؤجلة": شوارع كثيرة ووصايات أكثر
منير الربيع
الأربعاء 20 أيار 2026
تحت الأنقاض، في خيمة مشلّعة تمايلها الرياح، في السيارات، على ناصيات الطرق، في المدارس والزنازين. في تلك الأمكنة يقيم لبنان اليوم. هو بلد الجثث، الأرواح المخنوقة، والأطفال المدفونة، وبلد الصراعات على "الأمكنة" ومخيمات اللجوء ومراكز الإيواء، وسلطة التصارع على التفاوض أو القتال، حرباً أم سلماً، وصدام دائم ومستمر، كان آخرها صدام العفو العام وما فجره من احتجاجات وتحركات يمكنها أن تؤسس لانفجارات جديدة. إنه لبنان بلد الانفجارات الدائمة، وإذا لم تفجره تطورات الخارج، يعرف أبناؤه دوماً كيف يفجرون وينفجرون فيه.
لم تعد الانفجارات الإسرائيلية تقتصر على تفخيخ وتدمير قرى الخط الأصفر في الجنوب، والغارات الآخذة بالتمدد والاتساع، تمهد للمزيد من عمليات القضم والتقدم لتوسيع الاحتلال. وضع الإسرائيليون نصب أعينهم مدينة النبطية ومحيطها هدفاً لهم. يريدون الوصول إليها، وفرض أمر واقع، وهي تعتبر خط الدفاع الثاني بالنسبة إلى حزب الله. نيتهم في الذهاب أبعد نحو خط الدفاع الثالث المتمثل بجبل الريحان، إقليم التفاح نزولاً على هذا الخط نحو الساحل. ما يعجزون عنه يريدون له أن ينفجر بين اللبنانيين، وهو ما يؤسسون له في خطتهم التي يعدونها لاجتماع 29 أيار بين جيشي لبنان وإسرائيل، لوضع آلية تنسيقية حول سحب سلاح حزب الله وتفكيك بنيته العسكرية. تريد إسرائيل أن تبقى هي مسيطرة على منطقة الخط الأصفر، وتنسق مع الجيش حول آليات العمل في شمال نهر الليطاني، كما تريد للجيش أن يؤدي المهمة التي ترسمها في شمال نهر الزهراني.
انفجار شظاياه الداخلية كثيرة، بدأت من مقاربة تشكيل الوفد، ولن تنتهي بما سينتج عن الاجتماع. إذ يمكن لذلك أن يحول البلاد إلى ساحة تصارع تأخذ كل أشكال الانقسام المذهبي والطائفي والسياسي، وهذا ما يمكنه أن يعيد إنتاج مشاهد الحرب الأهلية. حرب تأخذ أشكالها المتعددة من مقاربة الاحتلال الإسرائيلي، إلى معالجة ملف السلاح وصولاً إلى موضوع العفو العام، الذي انفجرت الخلافات بشأنه، وانفجر الشارع أيضاً. وعليه، فإن الشارع سيكون لغة الجميع على الأغلب. حزب الله بدأ يلوح باللجوء إليه لإسقاط أي اتفاق أو تفاهم تتوصل إليه الدولة اللبنانية مع إسرائيل. أهالي الموقوفين الإسلاميين يهددون بالشارع وبتكثيف تحركاتهم وتوسيعها لتغيير القانون المتفق عليه حول العفو العام، لأنهم يعتبرون أن أبناءهم غير مشمولين به. أما بعض القوى المسيحية، فتعترض على عدم شمول العفو "للمبعدين إلى إسرائيل"، وهو في إطار التحضير لتحركات ذات عناوين تتصل برفض الحرب ولمطالبة الجيش بالتحرك لسحب السلاح.
وإذا كان المؤرخ الراحل كمال الصليبي قد كتب عن لبنان بوصفه "بيت بمنازل كثيرة" فإن لبنان اليوم هو ميدان بشوارع متقابلة، يبدو بوضوح أن أهله جاهزون لمقاتلة بعضهم بعضاً، وتصفية الحسابات فيما بينهم، وفق ما تميل رياح الإقليم وموازين قواه. وإذا عجز الأهل عن التصارع بالسلاح فهم يحتربون بالسياسة وبالناس التي يحولونها إلى متاريس، لتذهب كل مجموعة إلى جهة خارجية تسعى وراء دعمها. فهؤلاء لا يسقطون مقولة "لبنان بلد القناصل" وكل فئة تلجأ إلى قنصل يرعاها. وليس من المصادفة أن يخرج من يعيد طرح فكرة "لبنان أيام المتصرفية" أو القائمقاميتين، بما يتيح للطوائف أن تتكور على نفسها وتبحث عن ملاذها وإدارتها لذاتها، مع إيجاد الراعي الإقليمي الملائم.
والأخطر، أن كل ذلك يحصل في ظل صراع إرادات ومشاريع تشهده المنطقة، وقد بلغ أوجه على وقع إعادة تركيب خريطة المنطقة وتوازناتها، ورسم ملامح وأدوار دولها. هنا تبقى إسرائيل في صدارة المشهد التي تسعى إلى قضم المزيد من لبنان ودفعه إلى تحت وصايتها، بالعمل العسكري والاحتلال البري وبالشروط التي تفرضها على ما تبقى من دولة ومؤسسات. أما غياب هذه الدولة عن القيام بأي عمل جدي تجاه السلاح، أو وقف الحرب أو حتى معالجة ملف النازحين وإيوائهم، فذلك سيدفع الأخيرين إلى البحث عن ملاذ آمن يجدونه في إيران التي يعتبرونها لن تتخلى عنهم، وينظرون إلى مفاوضاتها كحبل خلاص لهم ولوقف الحرب عليهم. أما استنسابية قانون العفو والتي فجرّت الشارع بالنسبة إلى أهالي الموقوفين الإسلاميين، فسيحولونها إلى تهمة "استهداف السنّة" من قبل دولتهم، وذلك سيدفعهم إلى البحث عن نصير أو داعم، وبعضهم قد يجده بسوريا ويناشدها، والبعض الآخر قد يراه في تركيا أو في السعودية، وهكذا ستتحول كل فئة إلى باحثة عن جهة ترعاها من الخارج، في ظل التحلل والانهيار الذي تعيشه البلاد، لا سيما أن الموقوفين الإسلاميين وأهاليهم هم من كانوا قد أطلقوا الدعوة إلى العفو العام لإنصافهم، فإذ يجدون القانون أصبح قريب الإقرار لإنصاف الآخرين بدلاً منهم.
ذلك كله تتربص به إسرائيل، تراقبه وتنتظر نتائجه. يعيش لبنان أخطر مراحله، فإسرائيل تسعى إلى فرض نفسها وصية عليه، وهو ما يبدو واضحاً من كل شروطها وطروحاتها، وصولاً إلى حد تصريحات مسؤوليها بأنها تريد دعم الدولة لتطبيق الدستور والسيطرة على أراضيها وحصر السلاح بيدها، وهذا ما يريدونه من أي تفاهم أمني يسعون إليه. أي محاولة إسرائيلية من هذا النوع، ستجد من يواجهها على مستوى الإقليم والمنطقة، لذا فإن حالة الاستضعاف لدى أي فئة قد تدفع دولاً أخرى لإيجاد الطريق لتأمين النصرة، وهو ما يراه أهل الشمال مثلاً بسوريا أحمد الشرع، الذي ناشده كثر من اللبنانيين بأن يتبنى المطالبة بإقرار العفو عن أبنائهم.
وإذا ما كانت إسرائيل تسعى إلى فرض أمر واقع عسكري وسياسي للوصول إلى شراكة اقتصادية واستثمار في لبنان وبمجال الغاز في المتوسط بالتحديد، فإن هذا المشروع له ما يقابله، على مستوى سوريا وتركيا ومشاريع مشتركة مع دول عربية وخليجية، وهذا ما قد يعيد لبنان إلى معادلة السبعينيات والثمانينيات؛ أي لإسرائيل نفوذ في الجنوب مع احتلال وسيطرة، أما البقاع والشمال فمنطقة نفوذ أو مصالح لتركيا وسوريا، وهو ما يكرس بحث الفئات الأخرى عن ملاذات مختلفة باتجاه الغرب أو الشرق.
وعلى هذا المنوال، تمحي الفوارق بين الداخل والخارج، وتستمر المعارك والصراعات، وتتناسل الحروب في الجمهورية "المؤجلة".
المصدر: المدن