كُتّاب الموقع
التطبيع ليس سلامًا... بل إعادةُ توزيعٍ للخسارة

سمر نادر

الخميس 16 نيسان 2026

في زمن تُروَّج فيه اتفاقيات ​التطبيع مع إسرائيل​ كـ"سلام أبدي" يُوقف الحروب ويفتح أبواب الازدهار، تكمن الحقيقة المُرَّة في ميزان الربح والخسارة. في الواقع، أوقف التطبيع صراعات مسلحة موقتا، لكن خسائره الاقتصادية والسياسية والاجتماعية تفوق بمراحل أي مكاسب زائفة. وفي قلب هذه الصفقة غير المتكافئة، ما خسرته إسرائيل في الميادين العسكرية، بدماء وأرواح، استعادته بفائض هائل من خلال البنود الاقتصادية والتجارية، حيث تحوّلت الدول المُطَبِّعَة إلى أسواق مفتوحة ومورد رخيص لها، في صفقة تُعِيد رسم التوازن لصالح تل أبيب بلا رحمة.
 
يُشير الفرق الشاسع بين التطبيع واتفاق السلام إلى واقع مرّ: الأوّل يوقف الحرب سياسيًا، بينما الثاني ينسج علاقة شاملة اقتصاديًا وثقافيًا وشعبيًا. فلنتعظْ من خسائر الدول المطبّعة مع إسرائيل، حيث غلبت الخسارة على الربح.
 
بعد 32 عاماً من وادي عربة 1994، ورث ​الأردن​ سلاماً مائياً بماء مرّ. ​نهر الأردن​ المقدس تدهور بالتحويلات والتلوث. ماء مالح يحوله مجرًى مُرتدّاً، في اختلال قوة تستأثر فيه إسرائيل بالمصادر والبنية التحتية. لم تقدِر المكاسب الصغيرة، من إعفاء ديون بـ3 مليارات دولار ومساعدات أميركية 1.6 مليار سنوياً، على أن تمنع غرق الأردن في بحر من الخسائر. اصبح الغاز باهظاً يباع بالمليارات، دين عام 89% من الناتج، بطالة مدقعة، وفقر يعصف بالشعب، مع أزمات حدودية وغضب شعبي هائل بعد غزّة. الخسائر الفادحة تفوقت بمراحل، فأصبح التطبيع عبئًا لهيمنة إسرائيلية مستمرة .
 
​مصر​، رائدة التطبيع في ​كامب ديفيد​ 1979، دفعت ثمناً باهظاً لعقود من "السلام البارد". تحوّلت استعادة سيناء وإعفاء دين أميركي الى وهم أمام بحر خسائر بمليارات الدولارات. الأمر الواقع فرض صفقات غاز اسرائيلية باهظة التكلفة لعقود طويلة، وتبعية استراتيجية للطاقة مع تجارة ضئيلة، الى جانب ابتزاز حدودي في سيناء وتراجع قيادة عربية يعزلها عن الشرعية الشعبية. "لعنة التطبيع" اشعلت رفضا جماهيريا عميقا، الخسائر الفادحة تفوقت بمراحل، فأضحت اسرائيل الفائز الحقيقي.
 
في ​الإمارات​ و​البحرين​، لمع التطبيع باتفاقية أبراهام بمكاسب اقتصادية براقة. تبادل تجاري بمليارات الدولارات سنويا، اتفاقية تجارة حرة تزيل التعريفات، وبوابة لتكنولوجيا إسرائيلية في الطاقة والزراعة، مع تعاون دفاعي يقوي الدرع أمام طهران. لكن الخسارة واحدٌ شكلُها في كليهما: غضب شعبي مكبوت أشعلته غزة، احتجاجات "الوفاق" وطائفية متفاقمة في البحرين، ونشطاءُ "رابطة مقاومة التطبيع" في الإمارات محصورون بقوانين. تجارة زهيدة في مملكة الجزر، استثمارات وهمية تتباطأ أمام الرفض الجماهيري، وضغوط أمنية تهدد الاستقرار، الخليجيتان تشاركتا الخسارة الشعبية، فالعبء السياسي يفوق النفع الموقت.
 
بعد خمس سنوات على التطبيع في 2020، تبدو وعود "مغربية الصحراء" الأميركية أقرب إلى السراب، في مواجهة كلفةٍ سياسية واقتصادية متصاعدة. فقد مال الميزان التجاري بوضوح لصالح تل أبيب، وتراجعت فرص تمويل أميركي كان يمكن أن يدعم الزراعة والصحة، بينما بقيت الاستثمارات معلّقة تحت وطأة تداعيات غزة.
 
سياسيًا، زاد المشهد تعقيدًا مع تراجع الزخم الدولي الداعم لموقف الصحراء، واحتجاجاتٍ شعبيةٍ واسعة، وتوترٍ داخلي عميق. وفي المحصّلة، تبدو المكاسب الرمزية المحدودة أقل بكثير من الخسائر المتراكمة، فيما بقي الرهان عالي الكلفة أقرب إلى العزلة منه إلى الربح.
 
في أفريقيا، فشلت إسرائيل بسبب الضغط الشعبي. الحروب الداخلية، والإرادة القومية، تاركة قارتها الغنية قِبلةَ أطماع العالم، بريئة من شبكتها. في ​السودان​، غرق وعد التطبيع في مستنقع الحرب الأهلية 2023، حيث انهار الاستثمار الإسرائيلي في الزراعة والتكنولوجيا، وأشعل ترحيل اللاجئين انقساماً شعبياً حاداً. مغلقةٌ أبواب التطبيع الإفريقي ومجمدة العلاقات أمام الخوف من "محور المقاومة". وفي موريتانيا، قطعت نواكشوط العلاقة بعد 11 عاماً من التطبيع، في انتصار شعبي في الساحات، حيث هوجمت السفارة الإسرائيلية، واندلعت مظاهرات حاشدة، وأتت حرب غزة لتطرد الدبلوماسيين في 48 ساعة. انقلاب 2008 أعطى ​محمد ولد عبد العزيز​، الرئيس السابق لموريتانيا، شرعية بقطع "العهد الخائن" كما وصفوه، الذي لم يجلب غير عزلة عربية وفرنسية. حتى اليوم، تصدي إفريقيا بحيادها ودعم فلسطين يثبتان ان القارة السوداء بريئة من طمع تل أبيب.
 
السلام ليس لحظةً عابرة تُفرض بقرار، بل هو مرتبة أولى تمهّد لأي خطوة لاحقة، فيما يبقى التطبيع درجةً أعلى لا تُصنع بالقوة ولا تُستورد بالقانون. وفي الحالة اللبنانية، لا يمكن الحديث عن تطبيع حقيقي قبل عبور مراحل ضرورية: هدنةٌ راسخة، وعلاقةُ حسن جوار، وعدالة انتقاليّة، واعتذارٌ ومصالحة تُنهي أثر الدم وترمّم الثقة. فالعلاقات بين الشعوب لا تُبنى بالشعارات، بل بالتدرّج، وبالإنصاف، وبقناعة تنبع من الأرض والناس قبل أن تعلنها السياسة.
 
في نهاية المطاف، لا تُقاس الاتفاقيات بما تعد به من سلام، بل بما تتركه من أثَرٍ في الوعي والاقتصاد والسيادة. والتاريخ لا يرحم... فما يبدو اليوم مكسبًا سياسيًا قد ينكشف غدًا كصفقةٍ غير متكافئة، يربح فيها طرفٌ واحد، وتدفع شعوبٌ بأكملها الثمن.
 
 
المصدر: النشرة