كُتّاب الموقع
خناق "هرمز": مقامرة الأميركي الكبرى وصراع الإرادات فوق أمواج النفط

النشرة

الأربعاء 15 نيسان 2026

بينما كان العالم يترقب دخاناً أبيض يخرج من قاعات التفاوض في إسلام آباد، جاء الرد من ​البيت الأبيض​ ليقلب الطاولة بالكامل؛ فلم يكتفِ الرئيس الأميركي ​دونالد ترامب​ بإعلان فشل المسار الدبلوماسي، بل انتقل إلى خيار "الحصار البحري الشامل" للموانئ الإيرانية، محولاً ​مضيق هرمز​ من ممر ملاحي عالمي إلى ساحة مواجهة عسكريّة هي الأخطر منذ عقود. هذا التحول الدراماتيكي لم يعد صراعاً إقليمياً فحسب، بل صار "حرب استنزاف" تطال أمن الطاقة في كل بيت من طوكيو إلى ​باريس​.

"فك العقدة" بالقوة

لسنوات، كانت ​طهران​ تلوح بـ"ورقة هرمز" كأداة ردع استراتيجية، وبالفعل شهدت الأشهر الماضية إغلاقاً شبه كامل للمضيق بفعل الألغام والمناورات الإيرانيّة، مما تسبب في شلل الملاحة. غير أن "جنون" ترامب المتقلب –كما تصفه بعض الدوائر الأوروبية– دفع واشنطن لتبني استراتيجية "الحصار المضاد".

من الناحية النظرية، يستفيد العالم من كسر السطوة الإيرانية على المضيق عبر الوجود المكثف للأسطول الخامس الأميركي، الذي أمّن عبور ناقلات النفط الخليجيّة. لكن هذه "الاستفادة" تأتي بثمن باهظ؛ فالسيطرة الأميركية حولت المنطقة إلى ثكنة عسكريّة عائمة، مما رفع تكاليف التأمين البحري إلى مستويات جنونيّة، وجعل كل شحنة نفط تمرّ من هناك "هدفا محتملا" في صراع واشنطن-طهران، وهو ما أدى إلى اضطراب سلاسل التوريد العالمية بشكل غير مسبوق.

أوروبا تغرق اقتصاديًّا

في هذا الاطار تقف القارة العجوز اليوم في موقف المتفرّج العاجز، وهي المتضرّر الأكبر من هذا التصعيد المتبادل. ففي شوارع باريس و​برلين​، لم يعد الحديث عن "الانتظار" بل عن "البقاء"، بعد أن أصبحت إمدادات الطاقة شحيحة جداً إثر انقطاع تدفقات الغاز والنفط القادمة عبر المضيق.

ويرى مراقبون أن صمت أوروبا هو تعبير عن "شلل سياسي"؛ فهي لا تستطيع التخلي عن مظلة الحماية الأميركية، وفي الوقت نفسه، تجد اقتصادها ينهار تحت وطأة الأسعار التي تضاعفت ثلاث مرات في القارة العجوز. كما إن تقلبات الإدارة الأميركية الحالية وضعت الحلفاء الأوروبيين في مأزق وجودي؛ فهم يدفعون ثمن حرب لا يملكون قرار وقفها كما أنهم لم يتمّ الأخذ بآرائهم لدى اعلان اعلان ترامب الحرب على الجمهورية الاسلامية، بينما مخزوناتهم النفطيّة الاستراتيجية تتآكل مع كل يوم يستمر فيه الحصار.

اللعب في المساحات الضيقة

وفي قلب هذا الصراع المعقد، تبرز ​روسيا​ و​الصين​ كلاعبين لا يمكن تجاوزهما في صياغة أيّ مخرج للأزمة، ولكل منهما حساباته الخاصة. فروسيا تجد في هذا الحصار "هدية جيوسياسية"؛ لأنّ ارتفاع أسعار النفط يغذي ميزانية الكرملين التي تعتمد على صادرات الطاقة. كما أن انخراط واشنطن في ​حصار بحري​ طويل الأمد في الشرق الأوسط يشتّت انتباهها عن ملفات دوليّة أخرى، مما يمنح موسكو نفوذاً أوسع في الملعب الإيراني كـ"رئة" بديلة لطهران للتنفس بعيداً عن الممرات الأميركيّة.

أم بالنسبة للصين فهي تعيش حالة من "القلق الاستراتيجي"؛ لأنهاالمستورد الأكبر لنفط المنطقة، وأي حصار لمضيق هرمز يهدّد أمنها القومي واقتصادها العملاق. ومع ذلك، تناور الصين عبر دعم إيران اقتصادياً من خلال "أسطول الظلّ"، مستغلّة الحصار الأميركي لإضعاف الهيمنة الغربية على طرق التجارة العالمية.

أمّا السؤال المطروح اليوم هو ماذا بعد "انتكاسة إسلام آباد" وعمّا اذا بقي من مكان لطاولة المفاوضات؟

وفي هذا السياق ترى مصادر متابعة لما جرى خلال المفاوضات الاميركية الايرانية في باكستان إن فشل مبدأ الحل الذي طُرح في الاجتماع بين الفريقين في الثاني عشر من نيسان الجاري، كشف عن هوّة سحيقة بين مطالب طهران برفع فوري للحصار، وإصرار ترامب على "تفكيك كامل" للقدرات النووية والصاروخية الإيرانية قبل أي تنازل.

ورغم هذا الفشل، يجمع الخبراء على أن الطرفين الأميركي والإيراني محكومان بالعودة إلى طاولة المفاوضات عاجلاً أم آجلاً. فالحصار البحري سلاح "ذو حدين"؛ إذ بدأ يرتدّ سلباً على الأسواق الماليّة الأميركية مع اقتراب موسم الانتخابات، كما أنّإيران تعيش ضغوطاً داخلية هائلة. والسؤال الذي يتبادر الى الأذهان السؤال اليوم ليس عمّا اذا كان الفريقان سيعودان! بل "ما هو الثمن؟". إن التوقعات تشير إلى أن جولة المفاوضات المقبلة ستكون تحت وطأة "الأمر الواقع"، حيث قد تضطر واشنطن لتخفيف الحصار مقابل فتح مضيق هرمز بشكل دائم وتحت رقابة دوليّة، كخطوة أولى لبناء ثقة مهزوزة.

في النهاية لقد أخطأ الرئيس الاميركي دونالد ترامب في الحسابات السياسية إذا كان يعتقد أن الحصار سيؤدي إلى استسلام سريع؛ فالتاريخ والجغرافيا يثبتان أن "حرب الممرّات" لا تنتهي بانتصار فريق واحد، بل بإنهاك الجميع. وبينما تغرق المنطقة في لجج الصراع البحري، يظل الاقتصاد العالمي هو الضحيّة الصامتة لمقامرة كبرى فوق أمواج مضيق هرمز المتلاطمة، والّتي ستصيب الشعب الأميركي قبل غيره في جيوبه، والّذي بدأ يرفع الصوت نتيجة القرارت العشوائية للادارة الاميركية.