من الميدان إلى المفاوضات: خارطة سلام ممكنة في لبنان
العرب اللندنية
الثلاثاء 7 نيسان 2026
يمكن لواشنطن أن تلعب دور الوسيط في تسهيل حوار مباشر أو غير مباشر بين لبنان وإسرائيل، يركز على القضايا الأساسية مثل الأمن الحدودي، وترتيبات وقف إطلاق النار، وترسيم الحدود، ما يفتح الباب أمام تفاهمات أوسع تسهم في تخفيف التوترات الإقليمية.
تتجه الحرب الدائرة في لبنان نحو نقطة تحول حاسمة، حيث لم تعد التطورات الميدانية وحدها كفيلة بحسم الصراع، في ظل تعقيدات سياسية وأمنية متداخلة، وكلفة إنسانية متصاعدة.
وبينما تسعى العمليات العسكرية إلى تحقيق مكاسب تكتيكية على الأرض، تتزايد المؤشرات على محدودية هذا النهج، بل واحتمال تحوله إلى عامل يعمّق الأزمة بدلاً من حلها.
ويرى المحلل غابريال إدوارد في تقرير نشرته مجلة ناشيونال أنتريست إنه في هذا السياق، يبرز المسار الدبلوماسي كخيار واقعي لا مفر منه، يهدف إلى تحويل التوازنات الميدانية الهشة إلى تسوية سياسية مستدامة.
ومنذ تصاعد العمليات العسكرية في جنوب لبنان، ركزت الضربات على استهداف البنية العسكرية لحزب الله، بما في ذلك مواقع إطلاق الصواريخ ومستودعات الأسلحة ومراكز القيادة.
وقد أسفرت هذه العمليات عن إضعاف نسبي لبعض قدرات الحزب، من خلال تدمير بنى تحتية عسكرية وقتل عدد من عناصره. إلا أن هذه المكاسب، رغم أهميتها، تظل محدودة التأثير في غياب إطار سياسي شامل، نظراً لطبيعة الحزب الذي يعتمد على بنية تنظيمية مرنة وشبكات لامركزية تتيح له التكيف مع الضغوط وإعادة الانتشار بسرعة.
اختيار المسار الثاني يعتمد على توافر إرادة سياسية لدى الأطراف المعنية، إضافة إلى دعم دولي فعال يضمن تنفيذ أي اتفاق يتم التوصل إليه
ويكشف هذا الواقع عن معضلة أساسية تواجه أي استراتيجية عسكرية: فالتنظيمات غير التقليدية، التي تمتلك امتدادات اجتماعية وسياسية، لا يمكن القضاء عليها بسهولة عبر القوة العسكرية وحدها. إذ لا يقتصر دور حزب الله على العمل العسكري، بل يشكل أيضاً فاعلاً سياسياً واجتماعياً مؤثراً داخل لبنان، مع حضور في المؤسسات الرسمية وقاعدة شعبية في بعض المناطق. وبالتالي، فإن إضعافه عسكرياً لا يعني بالضرورة إنهاء دوره أو نفوذه.
وفي المقابل، تتفاقم الكلفة الإنسانية بشكل غير مسبوق. فقد أدى القصف المستمر إلى نزوح أكثر من مليون شخص، إضافة إلى سقوط آلاف الضحايا، وتدمير واسع للقرى والبنية التحتية، خاصة في الجنوب وضواحي بيروت.
ولم تعد الأزمة محصورة في الخسائر المباشرة، بل امتدت إلى تعطيل سبل العيش وتفكيك النسيج الاجتماعي، ما ينذر بآثار طويلة الأمد قد تستمر حتى بعد توقف العمليات العسكرية.
ويزيد من تعقيد المشهد أن هذه التداعيات الإنسانية تغذي ديناميات سياسية جديدة داخل لبنان. فمع تضرر مناطق مدنية بشكل واسع، تتصاعد مشاعر الغضب والاستياء، حتى بين شرائح لا تؤيد حزب الله، ما يخلق بيئة خصبة لإعادة إنتاج خطاب "المقاومة".
و قد يمنح هذا التطور الحزب فرصة لتعزيز شرعيته واستقطاب دعم إضافي، في مفارقة تعكس كيف يمكن للحرب أن تقوّي الطرف الذي تستهدفه.
ومن هنا، تتضح حدود المقاربة العسكرية، إذ إن استمرار العمليات دون أفق سياسي واضح قد يؤدي إلى نتائج عكسية، تتمثل في تعميق الانقسام الداخلي، وإضعاف الدولة، وتعزيز نفوذ الفاعلين غير الحكوميين. كما أن التصعيد المستمر يهدد بتوسيع رقعة الصراع إقليمياً، في ظل تداخل المصالح وتعدد الأطراف المنخرطة بشكل مباشر أو غير مباشر.
وفي ضوء هذه المعطيات، يبرز خيار الانتقال إلى مسار تفاوضي كضرورة استراتيجية، وليس مجرد بديل تكتيكي.
ويبدأ هذا المسار بوقف إطلاق النار، الذي يشكل خطوة أساسية لاحتواء التصعيد ووقف النزيف الإنساني. فبدون تهدئة ميدانية، يصعب إطلاق أي عملية سياسية جدية أو بناء الثقة بين الأطراف.
غير أن وقف إطلاق النار، رغم أهميته، لا يكفي وحده لتحقيق الاستقرار، بل يجب أن يكون جزءاً من إطار أوسع يشمل ترتيبات أمنية واضحة.
ومن بين هذه الترتيبات، تعزيز دور الجيش اللبناني في المناطق الحدودية، وتطوير آليات رقابة فعالة لمنع تجدد المواجهات.
ويتطلب ذلك دعماً دولياً كبيراً، سواء من حيث التمويل أو التدريب أو التجهيز، لضمان قدرة الجيش على أداء مهامه في بيئة معقدة.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية الدور الدولي، لا سيما الولايات المتحدة، التي تمتلك نفوذاً يمكن أن يسهم في دفع الأطراف نحو طاولة المفاوضات.
ويمكن لواشنطن أن تلعب دور الوسيط في تسهيل حوار مباشر أو غير مباشر بين لبنان وإسرائيل، يركز على القضايا الأساسية مثل الأمن الحدودي، وترتيبات وقف إطلاق النار، وترسيم الحدود. كما يمكن لهذا المسار أن يفتح الباب أمام تفاهمات أوسع تسهم في تخفيف التوترات الإقليمية.
وفي موازاة الجهود الدولية، يواجه لبنان تحدياً داخلياً لا يقل أهمية، يتمثل في تعزيز سلطة الدولة واستعادة دورها. فنجاح أي تسوية سياسية يعتمد إلى حد كبير على قدرة المؤسسات الرسمية على فرض سيطرتها، وضبط الأنشطة العسكرية خارج إطارها.
ويشكل الجيش اللبناني حجر الزاوية في هذا الجهد، غير أن دوره يظل محدوداً في ظل التحديات التي يواجهها، مثل نقص الموارد والضغوط السياسية والانقسامات الداخلية.
بينما تسعى العمليات العسكرية إلى تحقيق مكاسب تكتيكية على الأرض، تتزايد المؤشرات على محدودية هذا النهج، بل واحتمال تحوله إلى عامل يعمّق الأزمة بدلاً من حلها
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى مقاربة تدريجية، تأخذ في الاعتبار الواقع اللبناني المعقد. فبدلاً من السعي إلى حلول جذرية سريعة، قد يكون من الأكثر واقعية العمل على تحقيق مكاسب تدريجية، مثل الحد من إطلاق الصواريخ، وتعزيز التنسيق الأمني، وتقليص الأنشطة العسكرية غير الرسمية.
ورغم أن هذه الخطوات قد تبدو محدودة، إلا أنها يمكن أن تشكل أساساً لبناء الثقة وتهيئة الظروف لتسويات أوسع.
كما يتطلب المسار السياسي معالجة مسألة النفوذ الخارجي، الذي يلعب دوراً مهماً في تعقيد الأزمة. فوجود شبكات دعم إقليمية لحزب الله، سواء على المستوى العسكري أو المالي، يجعل من الصعب فصل الصراع اللبناني عن سياقه الإقليمي. وبالتالي، فإن أي حل مستدام يجب أن يأخذ في الاعتبار هذه الأبعاد، من خلال العمل على تقليص التدخلات الخارجية وتعزيز استقلالية القرار اللبناني.
ولا يمكن إغفال البعد الإنساني في أي خارطة طريق للسلام. فإعادة الإعمار، وعودة النازحين، وتوفير الخدمات الأساسية، تمثل عناصر حاسمة لاستعادة الاستقرار.
كما أن تحسين الظروف المعيشية يمكن أن يسهم في تقليل التوترات الاجتماعية، والحد من قابلية المجتمعات للتأثر بالخطابات المتشددة. وفي هذا الإطار، يمكن للجهود الدولية أن تلعب دوراً محورياً، من خلال دعم الحكومة اللبنانية وتمكينها من تلبية احتياجات المواطنين.
و يقف لبنان أمام مفترق طرق حقيقي: إما الاستمرار في مسار التصعيد، الذي يؤدي إلى مزيد من الدمار وعدم الاستقرار، أو الانتقال إلى مسار تفاوضي يفتح الباب أمام تهدئة مستدامة.
ويعتمد اختيار المسار الثاني على توافر إرادة سياسية لدى الأطراف المعنية، إضافة إلى دعم دولي فعال يضمن تنفيذ أي اتفاق يتم التوصل إليه.
إن الانتقال من الميدان إلى المفاوضات لا يعني التخلي عن الاعتبارات الأمنية، بل إعادة توجيهها ضمن إطار سياسي أوسع يهدف إلى تحقيق الاستقرار. فالتجارب السابقة تظهر أن الحلول العسكرية وحدها لا تكفي لإنهاء الصراعات المعقدة، بل قد تؤدي في بعض الأحيان إلى إطالتها. وفي حالة لبنان، تبدو هذه الحقيقة أكثر وضوحاً، في ظل تشابك العوامل الداخلية والخارجية.
وفي ظل استمرار التصعيد، يضيق هامش الخيارات المتاحة، ويصبح التحرك نحو التسوية أكثر إلحاحاً. ومع ذلك، لا يزال هناك مجال لتغيير المسار، إذا ما تم استثمار الفرص المتاحة، وتعزيز الجهود الدبلوماسية، واتخاذ خطوات عملية لبناء الثقة بين الأطراف.
وفي النهاية، تبقى الدبلوماسية الأداة الأكثر قدرة على تحويل الواقع الميداني المتقلب إلى تسوية قابلة للحياة. وإذا ما توافرت الإرادة السياسية، والدعم الدولي، والاستعداد لتقديم تنازلات متبادلة، فإن إمكانية الوصول إلى سلام ممكن في لبنان تظل قائمة، رغم كل التحديات.