يجد الاقتصاد العالمي نفسه اليوم رهينةً لتداعيات الحرب على إيران. ولم يعد السؤال المطروح: هل سينجو العالم من كارثة اقتصادية؟ بل أصبح: ما حجم هذه الكارثة، وكم من الوقت سيستغرق التعافي منها؟
ويتصاعد القلق مع استمرار الضربات العسكرية وتوسّع الهجمات، في ظلّ غموض يكتنف آفاق الحلول الدبلوماسية، ما يزيد من حالة عدم اليقين التي تخيّم على الأسواق.
إنّ ما يجري اليوم ليس مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل اختبار قاسٍ لهشاشة النظام الاقتصادي العالمي. فالحرب على إيران لا تُقاس فقط بعدد الصواريخ أو حجم الخسائر الميدانية، بل بقدرتها على إعادة تشكيل موازين الاقتصاد الدولي، ودفعه نحو صدمة قد تكون الأعمق منذ عقود.
اشتعال أسعار الطاقة
يقف مضيق هرمز في قلب هذه المعادلة، لا كممرّ مائي فحسب، بل كأداة ضغط استراتيجية. فالتعطيل شبه الكامل لحركة الملاحة التي هبطت بنسبة 97 في المئة منذ بداية الحرب، والتراجع الحاد في تدفق الطاقة، يكشفان حقيقة طالما جرى تجاهلها: الاقتصاد العالمي لا يزال رهينة نقاط اختناق جغرافية يمكن شلّها في لحظة تصعيد.
ولم يعُد ارتفاع أسعار النفط مجرد نتيجة طبيعية للحرب، بل أصبح سلاحًا بحد ذاته. ومع اقتراب الأسعار من مستويات غير مسبوقة، يدخل العالم منطقة خطرة حيث يتحول التضخم من أزمة يمكن احتواؤها إلى قوة مدمّرة للنمو.
في هذا السياق، تجاوز سعر عقود تسليم خام عُمان المعياري في الشرق الأوسط حاجز 150 دولارًا للبرميل، في سابقة تنذر بتسارع الارتفاع نحو مستوى 200 دولار، وهو السيناريو الذي يثير مخاوف عالمية لما له من تداعيات خطيرة على معدلات التضخم والنمو الاقتصادي.
وفي هذه المرحلة، لا تعود المشكلة في ارتفاع الأسعار فقط، بل في تآكل القدرة الشرائية، وانكماش الطلب، وبدء حلقة مفرغة يصعب كسرها.
أضرار الحرب تطال الجميع
لا يكمن التأثير الأعمق في قطاع الطاقة وحده، فاستهداف منشآت حيوية في الخليج يفتح الباب أمام اضطرابات طويلة الأمد في سلاسل الإمداد العالمية، لا سيما بعد استهداف منشأة رأس لفّان في قطر، التي تعدّ أكبر محطة لتصدير الغاز الطبيعي المسال والمكثّفات في العالم، إضافة إلى استهداف مصافٍ في الكويت والمملكة العربية السعودية.
ويرى خبراء أنّ عودة هذه المنشآت إلى العمل بكامل طاقتها قد تستغرق شهورًا، وربما سنوات، حتى بعد انتهاء الحرب، ما يعني أنّ العالم قد يواجه نقصًا ممتدًا في موارد أساسية تدخل في كل شيء: من الغذاء إلى التكنولوجيا.
وهنا تحديدًا يظهر الوجه الحقيقي للأزمة الشاملة التي تمسّ الأمن الغذائي والصحي والصناعي في آن واحد.
في موازاة ذلك، تعود النزعة الحمائية إلى الواجهة؛ إذ تميل الدول، بدافع القلق، إلى إغلاق أسواقها وفرض قيود على صادراتها، في مشهد يعيد إلى الأذهان فصولاً من أزمات تاريخية ساهمت فيها السياسات الانعزالية في تعميق الانهيار بدل الحدّ منه.
مناطق نفوذ استراتيجية
ولا يقتصر المشهد على مضيق هرمز، إذ يمتدّ التهديد إلى البحر الأحمر، وتحديدًا إلى مضيق باب المندب الذي يُعدّ شريانًا حيويًا يربط آسيا بأوروبا وتمرّ عبره نسبة كبيرة من التجارة العالمية. وهذا الامتداد يعني أن خريطة التجارة الدولية برمّتها باتت مهددة بالاهتزاز، بحيث يصبح وصف ما يجري بأنّه "أزمة" أقلّ دقة من اعتباره إعادة تشكيل للنظام الاقتصادي العالمي.
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، قادت الولايات المتحدة نظامًا اقتصاديًا عالميًا ارتكز إلى نفوذها العسكري وهيمنة الدولار، غير أنّ هذا النظام يواجه اليوم تحديات متصاعدة. ومع تفاقم هذه التحديات، غدا التحكّم في الممرات التجارية أحد أبرز مفاتيح القوة في النظام الدولي.
فإغلاق شرايين التجارة العالمية أو تأمينها قادر على إعادة توجيه مسارات الاقتصاد العالمي، والتأثير مباشرة في أسعار النفط، وإحداث اضطرابات ملموسة في الأسواق المالية.
اللون الأحمر يهيمن على الأصول
يعكس المشهد في الأسواق المالية حالةً من فقدان الثقة العامة. فتراجع الأسهم، واضطراب السندات، وخسائر العملات المشفّرة، وحتى اهتزاز الملاذات التقليدية، كلها مؤشرات على أنّ المستثمرين لا يعيدون تسعير الأصول وحسب، بل يعيدون تقييم النظام بأكمله.
التوجه نحو السيولة ليس علامة قوة، بل تعبير عن قلق عميق. فقد تراجعت أسواق الأسهم لخمس أسابيع متتالية، مسجلة أطول سلسلة خسائر منذ نحو أربع سنوات. وفي المقابل، فقد الذهب جزءًا كبيرًا من مكاسبه المحققة منذ بداية العام.
أمّا سوق العملات المشفرة، فقد تكبدت خسائر ضخمة، حيث فقدت البيتكوين نحو نصف قيمتها مقارنة بذروتها السابقة هذا العام.
وفي ظلّ هذه الأوضاع، يتجه المستثمرون نحو السيولة النقدية، بينما تبرز تساؤلات جوهرية: هل لا تزال الأدوات التقليدية، وعلى رأسها الدولار، قادرة على لعب دور الملاذ الآمن في عالم يزداد اضطرابًا؟
وهل يمكن للاقتصادات العالمية الصمود في ظلّ تضخم مرتفع وديون حكومية متزايدة وتراجع في الطلب العالمي؟
شبح التصعيد النووي
في خضمّ هذا المشهد المضطرب، يلوح خطر أكثر رعبًا: التصعيد النووي. فمع الحشود العسكرية الضخمة وانتشار عشرات الآلاف من الجنود الأميركيين في الشرق الأوسط، تتزايد المخاوف من انزلاق الصراع إلى مستويات أكثر خطورة.
إنّ أي تصعيد عسكري واسع أو تدخل بري قد يؤدي إلى توسيع رقعة الحرب بشكل كبير، فيما يبقى الخطر الأكبر متمثلًا في احتمال حدوث تسرب إشعاعي نتيجة استهداف منشآت نووية، وهو سيناريو قد يفضي إلى كارثة تتجاوز قدرة الدول على الاحتواء.
في المحصلة، ما نشهده اليوم لا يقتصر على كونه تداعيات حرب، بل يمثّل لحظة مفصلية تختبر قدرة العالم على الصمود والتكيّف. وإذا كانت الأزمات الكبرى عبر التاريخ قد أعادت رسم ملامح النظام الدولي، فإنّ هذه الحرب قد تمضي في الاتجاه عينه، ولكن بثمن يبدو أنّ أحدًا لم يدرك حدوده بالكامل بعد.
المصدر: المدن