هل يمكن أن تنضم سوريا ولبنان إلى اتفاقيات أبراهام؟
العرب اللندنية
الأربعاء 18 شباط 2026
هل يمكن أن تنضم سوريا ولبنان إلى اتفاقيات أبراهام؟ سؤال كان حتى وقت قريب يبدو أقرب إلى الخيال السياسي منه إلى الاحتمال الواقعي، لكنه بات يُطرح اليوم بجدية في ضوء التحولات المتسارعة التي يشهدها المشرق.
ورغم أن الظروف في كل من دمشق وبيروت لا تزال بعيدة عن الاستقرار، فإن البيئة الإقليمية المحيطة بهما تغيّرت بصورة عميقة، ما يفتح الباب أمام سيناريوهات كانت مستبعدة، ويضع البلدين أمام مفترق طرق بين استمرار منطق الصراع أو الانخراط في ترتيبات إقليمية جديدة قد تعيد رسم خريطة التحالفات.
ويجسد المشهد على الحدود بين إسرائيل وسوريا ولبنان هذه اللحظة الانتقالية بكل تناقضاتها. فالعلاقة لم تعد محكومة بثنائية الحرب الشاملة أو الجمود الطويل كما كان الحال لعقود، بل باتت تتأرجح في نطاق أضيق بين عمليات عسكرية موضعية، ورسائل ردع محسوبة، وتحركات دبلوماسية غير معلنة أحياناً ومعلنة أحياناً أخرى.
ويعكس هذا التذبذب السريع هشاشة الواقع الأمني، لكنه في الوقت ذاته يكشف عن قابلية غير مسبوقة لإعادة هندسة العلاقات إذا توفرت الإرادة السياسية والضمانات الأمنية.
ويرى محللون أن أحد العوامل الحاسمة في هذا التحول هو تراجع النفوذ الإيراني مقارنة بالسنوات السابقة، سواء بفعل الضربات التي طالت أذرعه في المنطقة أو نتيجة الضغوط الاقتصادية والسياسية الداخلية.
ولا يعني هذا التراجع اختفاء التأثير الإيراني، لكنه يخلق فراغاً نسبياً تسعى قوى إقليمية ودولية إلى ملئه.
وفي هذا السياق، تبرز الولايات المتحدة باعتبارها الطرف القادر على رعاية ترتيبات أمنية أوسع، مستندة إلى البنية التي أرستها اتفاقيات أبراهام منذ عام 2020، والتي صمدت رغم الحروب والتوترات الإقليمية.
وفي الحالة السورية، تبدو المعادلة أكثر تعقيداً. فالدولة لم تستعد بعد تماسكها الكامل، والمشهد الداخلي لا يزال موزعاً بين قوى متعددة ذات ولاءات متباينة.
وترافق صعود القيادة الانتقالية في دمشق مع تراجع الحضور الروسي وانكفاء نسبي لإيران، في مقابل تنامي الدور التركي في الشمال، وانكفاء الوجود الأميركي في الشرق.
ويجعل هذا التعدد في مراكز النفوذ يجعل أي قرار استراتيجي، كالتوجه نحو تطبيع مع إسرائيل أو الانضمام إلى إطار إقليمي جديد، مرتبطاً بتوازنات دقيقة داخلية وخارجية.
ومع ذلك، شهدت الأشهر الماضية مؤشرات إلى وجود قنوات تواصل غير مباشرة، بل ولقاءات بوساطة أميركية هدفت إلى تثبيت تفاهمات لخفض التصعيد.
وقبل عامين فقط، كان الحديث عن اتفاق سوري–إسرائيلي ولو محدوداً يبدو مستحيلاً سياسياً، أما اليوم فهو يُناقش في دوائر بحثية وسياسية بقدر أقل من الاستغراب.
قبل عامين فقط، كان الحديث عن اتفاق سوري–إسرائيلي ولو محدوداً يبدو مستحيلاً سياسياً، أما اليوم فهو يُناقش في دوائر بحثية وسياسية بقدر أقل من الاستغراب.
والدافع الأساسي لهذا التحول ليس تقارباً أيديولوجياً، بل إرهاقاً استراتيجياً عاماً ورغبة في التركيز على إعادة الإعمار وجذب الاستثمارات. فدمشق، التي تحتاج إلى موارد ضخمة لإعادة بناء ما دمرته الحرب، قد تجد في الانخراط في منظومة إقليمية مدعومة غربياً مدخلاً لتخفيف العزلة واستقطاب التمويل.
لكن هذا المسار محفوف بمخاطر داخلية. فسوريا تضم طيفاً واسعاً من الفاعلين المسلحين، وبعضهم يعارض بشدة أي تقارب مع إسرائيل.
كما أن الذاكرة الجمعية للصراع لا تزال حاضرة بقوة، سواء على مستوى النظام أو الشارع. وبالتالي، فإن أي خطوة في اتجاه اتفاقيات أبراهام ستتطلب إعادة صياغة للسردية الرسمية، وضمانات أمنية واضحة، وربما خطوات تدريجية تبدأ بترتيبات تقنية وأمنية قبل الانتقال إلى تطبيع كامل.
وأما في لبنان، فالمعادلة أكثر حساسية. فالدولة اللبنانية تحاول منذ سنوات استعادة قرارها السيادي في ظل نفوذ قوي لـ حزب الله، الذي لا يزال يعتبر الصراع مع إسرائيل جزءاً من هويته السياسية والعسكرية.
وتعتمد إسرائيل من جهتها مقاربة مزدوجة: ضربات عسكرية تستهدف قدرات الحزب لمنع إعادة تموضعه، مقابل انفتاح محدود على قنوات اتصال مع الدولة اللبنانية عبر وساطات دولية.
ويعكس هذا التناقض بين التصعيد والتواصل واقعاً جديداً، حيث لا يُنظر إلى الحرب والتفاوض كخيارين متنافيين، بل كأداتين ضمن استراتيجية واحدة لإدارة الصراع.
وبعد حرب 2024، تضررت بنية حزب الله العسكرية والمالية، لكن الحزب لم يُهزم سياسياً بالكامل، ولا يزال يمتلك قاعدة شعبية وسلاحاً مؤثراً.
وفي المقابل، يزداد داخل لبنان صوت يدعو إلى إعادة تعريف الأولويات الوطنية، والتركيز على الإنقاذ الاقتصادي، واستعادة العلاقات الطبيعية مع المجتمع الدولي.
ويشمل انضمام لبنان إلى إطار إقليمي إسرائيل قد يبدو حالياً خطوة بعيدة، لكنه لم يعد مستحيلاً من الناحية النظرية إذا ما تبدلت موازين القوى الداخلية، أو جرى التوصل إلى صيغة تُبقي مسألة السلاح خارج المعادلة المرحلية.
وتبقى الركيزة الأساسية لأي توسع محتمل لاتفاقيات أبراهام أمنية بالدرجة الأولى. وأظهرت التجربة السابقة أن الدول التي انضمت فعلت ذلك انطلاقاً من حسابات استراتيجية تتعلق بالردع والتكنولوجيا والتعاون الاستخباراتي، أكثر من اعتبارات رمزية.
انضمام لبنان إلى إطار إقليمي قد يبدو حالياً خطوة بعيدة، لكنه لم يعد مستحيلاً من الناحية النظرية إذا ما تبدلت موازين القوى الداخلية، أو جرى التوصل إلى صيغة تُبقي مسألة السلاح خارج المعادلة المرحلية.
وفي حال سوريا ولبنان، فإن أي انضمام محتمل سيتطلب إعادة هيكلة عميقة للقطاع الأمني، وضمانات تمنع تحول الاتفاق إلى عامل تفجير داخلي.
وهنا يبرز الدور الأميركي كوسيط وضامن، إذ من دون مظلة أميركية فعالة، يصعب تخيل انتقال مستقر من حالة العداء المزمن إلى إطار تعاون إقليمي.
وتتميز اللحظة الحالية بتلاقي عاملين متناقضين: فرص غير مسبوقة للتسوية، ومخاطر دائمة للانفجار.
وقد تعيد عملية اغتيال أو صاروخ طائش الجميع إلى مربع المواجهة، في حين أن لقاءً دبلوماسياً ناجحاً قد يفتح مساراً تدريجياً لخفض التوتر.
ويعني هذا التداخل بين المسارين أن المنطقة تعيش مرحلة سيولة استراتيجية، حيث لم تتبلور بعد قواعد اشتباك جديدة ثابتة.
وقد يعيد انضمام سوريا ولبنان إلى اتفاقيات أبراهام—ولو بصيغ متفاوتة أو تدريجية—رسم المشهد الإقليمي، ويحوّل الاتفاقيات من تحالف محدود إلى إطار أوسع يشمل المشرق بأكمله. لكن هذا السيناريو مشروط بتحولات داخلية عميقة، وبقدرة القيادات المعنية على إقناع جمهورها بأن المكاسب الاقتصادية والأمنية تفوق كلفة التحول السياسي.
كما أنه مرتبط بمدى استعداد إسرائيل لتقديم تنازلات أو ضمانات تُسهل هذا الانتقال، سواء في ملفات الحدود أو الأمن أو إعادة الإعمار.
ولا يمكن الجزم بأن سوريا ولبنان ستنضمان قريباً إلى اتفاقيات أبراهام، لكن المؤكد أن المنطقة لم تعد أسيرة المعادلات القديمة ذاتها. التوازنات تتغير، والتحالفات يعاد تشكيلها، والنوافذ السياسية تُفتح وتُغلق بسرعة.
وبين احتمالي التوسع والانهيار، يقف المشرق أمام اختبار دقيق: إما استثمار اللحظة لإعادة صياغة نظام إقليمي أكثر استقراراً، أو الانزلاق مجدداً إلى دوامة تصعيد تُبدد ما تبقى من فرص. النافذة متاحة، لكنها ضيقة، وأي قرار سيتخذ في الأشهر المقبلة قد يحدد اتجاه البندول لسنوات قادمة.