تركيا تشق طريقها وسط التوترات في الشرق الأوسط
العرب اللندنية
الثلاثاء 17 شباط 2026
بعد أكثر من قرن على تقديم أحد الاستراتيجيين البحريين الأميركيين مصطلح "الشرق الأوسط"، لا تزال المنطقة ساحة حاسمة للتنافس الاستراتيجي بين القوى الكبرى.
وفي هذا السياق، عززت تركيا خلال عهد رجب طيب أردوغان مكانتها باعتبارها فاعلا إقليميا رئيسيا، حيث عملت على توطيد علاقاتها مع السعودية وباكستان وقطر ومصر، بالتوازي مع توسيع نفوذها تدريجيا في نطاق يمتد من سوريا إلى الصومال.
ومع استمرار انتشار القوات البحرية الأميركية قرب إيران، تحرص أنقرة على توجيه رسائل واضحة إلى واشنطن مفادها أن التدخل العسكري المباشر من غير المرجح أن يؤدي إلى تغيير النظام في طهران، بل قد يُضعف فرص التوصل إلى اتفاق يقيّد المساعي الإيرانية لتطوير اليورانيوم المستخدم في الأسلحة.
وفي المقابل، يبدو الرئيس الأميركي دونالد ترامب ملتزما بمواصلة المسار التفاوضي رغم المخاوف التي عبّر عنها مرارا رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يؤكد أن الدبلوماسية وحدها لا تكفي لإزالة التهديد.
ومع ذلك، لم يسفر الاجتماع الأخير بين الجانبين في البيت الأبيض، وفق التقارير، عن تقدم ملموس.
ورغم أن الخيار العسكري لا يزال يُطرح باعتباره الملاذ الأخير، فإن الشكوك مستمرة حول مدى قدرة اتفاق محدود، يركّز أساسا على البرنامج النووي الإيراني، على تهدئة المخاوف الإقليمية الأوسع التي تشمل أيضا قدرات طهران الصاروخية الباليستية وشبكة حلفائها المسلحين في المنطقة، وهما عاملان أساسيان في حسابات الأمن الإقليمي.
وفي هذا الإطار، تبنّت أنقرة دور الوسيط حيث يقود وزير الخارجية هاكان فيدان مشاورات مكثفة مع أطراف إقليمية وغربية في مسعى يهدف إلى منع اتساع رقعة الصراع.
وقد انعكس تصاعد التوترات سريعا على الأسواق العالمية، حيث ارتفعت أسعار النفط مع تقييم المستثمرين لمخاطر انقطاع الإمدادات، خاصة عقب تقارير تحدثت عن توجيه البنتاغون مجموعة حاملات طائرات ضاربة ثانية لنشرها في المنطقة.
أنقرة تسعى إلى ترسيخ صورة الدولة القادرة على لعب دور الوسيط والضامن في آن واحد، مدفوعة بحسابات تتجاوز اللحظة الراهنة إلى رؤية أوسع لمكانتها في معادلة الشرق الأوسط المتغيرة.
ولا تقتصر تداعيات الأزمة المحتملة على إيران وحدها. فتركيا، التي تستضيف بالفعل نحو ثلاثة ملايين لاجئ سوري، بدأت مراجعة خطط الطوارئ تحسبا لموجة نزوح جديدة في حال اندلاع صراع واسع النطاق.
ويرى المحلل سلجان هاجا أوغلو في تقرير لوكالة بلومبيرغ أن من شأن أي تدفق جديد للاجئين أن يزيد الضغوط السياسية الداخلية، خصوصا مع اقتراب الانتخابات البرلمانية والرئاسية المتوقعة خلال العامين المقبلين.
وحتى بالنسبة لأطول زعيم حكما في تركيا الحديثة، الذي يُعتقد على نطاق واسع أنه يهيئ ابنه لخلافته المحتملة، فإن مثل هذا السيناريو يُعد تطورا غير مرغوب فيه سياسيا واستراتيجيا.
وإلى جانب البعد الأمني المباشر، يبرز العامل الاقتصادي بوصفه أحد المحددات الرئيسية لحسابات جميع الأطراف. فتركيا، التي تسعى إلى تثبيت موقعها كممر للطاقة ومركز لوجستي يربط آسيا بأوروبا، تدرك أن أي اضطراب واسع في الخليج أو شرق المتوسط سينعكس على سلاسل الإمداد وأسعار الطاقة وحركة التجارة.
كما أن أنقرة تراهن على مشاريع البنية التحتية الإقليمية، من خطوط نقل الغاز إلى ممرات النقل البري والبحري، باعتبارها أدوات لتعزيز نفوذها السياسي، ما يجعل الاستقرار شرطا لازما لاستمرار هذه الرهانات الاستراتيجية.
وفي الوقت ذاته، يعكس التحرك التركي محاولة دقيقة للموازنة بين علاقاتها المتشعبة مع واشنطن وموسكو وطهران والعواصم العربية. فأنقرة لا ترغب في الانخراط في محور صدامي مباشر، بل تفضّل إدارة شبكة علاقات مرنة تتيح لها هامشا واسعا للمناورة.
وتُترجم هذه البراغماتية في خطاب مزدوج: دعم الحلول الدبلوماسية من جهة، والحفاظ على جاهزية عسكرية وأمنية تحسبا لأي تطورات غير متوقعة من جهة أخرى.
كما أن تصاعد التوتر مع إيران يضع حلف شمال الأطلسي أمام اختبار جديد، في ظل موقع تركيا كعضو محوري في الحلف، وحدودها الجغرافية القريبة من بؤر التوتر. فأنقرة تسعى إلى تجنب انزلاق المنطقة إلى مواجهة مفتوحة قد تفرض عليها التزامات عسكرية مباشرة أو تضعها في مواجهة مع شركاء إقليميين مهمين. ومن هنا يمكن فهم نشاطها الدبلوماسي المكثف بوصفه استثمارا في منع التصعيد قبل أن يتحول إلى أمر واقع.
وإقليميا، تراقب دول الخليج ومصر وباكستان التحركات الجارية بقلق محسوب، إذ إن أي صدام واسع سيعيد رسم أولويات الأمن الجماعي ويؤثر على توازنات الردع القائمة.
وفي هذا السياق، تحاول تركيا تقديم نفسها كقوة توازن قادرة على التواصل مع جميع الأطراف، مستفيدة من قنواتها المفتوحة مع طهران ومن تحسن علاقاتها مؤخرا مع عدد من العواصم العربية.
وفي المحصلة، تبدو المنطقة أمام مفترق طرق بين مسار تفاوضي هش قد يفضي إلى تفاهمات محدودة، ومسار تصعيدي يحمل مخاطر إعادة تشكيل الخريطة الأمنية بأكملها.
وبين هذين الاحتمالين، تسعى أنقرة إلى ترسيخ صورة الدولة القادرة على لعب دور الوسيط والضامن في آن واحد، مدفوعة بحسابات تتجاوز اللحظة الراهنة إلى رؤية أوسع لمكانتها في معادلة الشرق الأوسط المتغيرة.