كيف ستبدو الحرب مع إيران؟
العرب اللندنية
الجمعة 13 شباط 2026
قد تبدو واشنطن وطهران اليوم أقرب إلى مواجهة عسكرية مما كانتا عليه في أي زمن مضى في تاريخهما الحديث، إلا أنهما لا تقفان على حافة حرب بالمعنى التقليدي. فالسيناريو الأكثر ترجيحا لا يتمثل في غزو أميركي لإيران ولا في اندلاع صراع إقليمي شامل، بل في توجيه ضربة محدودة ومحسوبة بعناية، بهدف إعادة تشكيل ديناميكيات التفاوض لا إنهائها.
وأصبحت هذه المفارقة أكثر وضوحا خلال الأسابيع الأخيرة، حيث عززت الولايات المتحدة حضورها العسكري في الشرق الأوسط بشكل ملحوظ، في حين يواصل المسؤولون الإيرانيون التأكيد أنهم لن يخضعوا للضغوط.
ويستمر الطرفان، في الآن نفسه وبالتوازي، غالبا، في الانخراط في محادثات مرتبطة بالمفاوضات.
ولا يعكس هذا التناقض الظاهري ارتباكا، بل يجسد مبدأ راسخا في السياسة الدولية وهو توظيف الحرب أو التهديد بها كأداة للمساومة.
ووفق نموذج المساومة في الحرب، لا تقتصر القوة العسكرية على إلحاق هزيمة بالخصم، بل تهدف أيضا إلى تغيير تصورات التكاليف والتصميم والنوايا المستقبلية عندما تعجز الدبلوماسية وحدها عن ضمان التزامات موثوقة.
ويرى الباحثان آراش ريسينجاد وأرشهام ريسينجاد في تقرير نشرته مجلة أن فورين بوليسي ما يجري حاليا لا يمثل انهيارا للدبلوماسية بقدر ما يعكس عسكرة لها.
ويتزامن ذلك مع مفاوضات في عُمان، حيث يختبر المفاوضون الأميركيون والإيرانيون حدود خطوطهم الحمراء واستعدادهم للتسوية.
ولا تتعارض هذه المحادثات مع التصعيد، بل تُعد جزءا منه، حيث يفترض منطق المساومة أن تسير الدبلوماسية والضغط العسكري غالبا في وقت واحد لا على نحو متتابع.
وتبدو إيران اليوم، من منظور واشنطن، أضعف ممّا كانت عليه في أي وقت خلال العقد الماضي. فقد تآكلت خلال العامين الأخيرين بنية الردع الإقليمية المرتبطة بما يُعرف بمحور المقاومة: تعرّضُ حزب الله لضغوط متواصلة، وتراجُع حماس إلى حد كبير كقوة عسكرية، وانهار نظام الأسد في سوريا. إضافة إلى ذلك، أثبت انكشاف المجال الجوي الإيراني خلال حرب الأيام الاثني عشر مع إسرائيل العام الماضي هشاشة افتراضات راسخة حول مناعتها الدفاعية.
ومع ذلك، لا تزال طهران تتمتع بقدرات كبيرة في مجال الصواريخ والطائرات المسيّرة، وربما وسّعت بعض أجزاء ترسانتها.
كما تمكنت صواريخ إيرانية من اختراق منظومة القبة الحديدية الإسرائيلية جزئيا خلال النزاع الأخير. غير أن الردع لا يقوم على المعدات وحدها، بل يعتمد أيضا على المصداقية، وهي عنصر تراجع لدى إيران، خصوصا فيما يتعلق بقدرتها على فرض تكاليف مرتفعة على جبهات متعددة.
صناع القرار الأميركيين يرجحون خيار الضربة المحدودة بدلا من الغزو. فالضربة المحسوبة تتماشى مع هذا المنطق أكثر من ضبط النفس الكامل أو الغزو الشامل، حيث تشير إلى العزم، وتُرضي التيارات المتشددة داخليا، وتحافظ على موقف ترامب الرافض للحروب الطويلة، وتعيد تشكيل بيئة التفاوض تمهيدا لمحادثات أكثر جدية
وأشعل هذا التصور نقاشا حادا داخل واشنطن حول كيفية استثمار الوضع.
ويرى فريق أن اللحظة الحالية مثالية لتكثيف الضغط، معتبرا أن إيران أصبحت محاصرة استراتيجيا بما يخلق هامش مرونة غير مسبوق.
ومن هذا المنطلق، ينبغي، وفق هذا الرأي، استغلال المفاوضات لا للحفاظ على الوضع القائم، بل لانتزاع أقصى التنازلات الممكنة بشأن البرنامج النووي والصواريخ والحلفاء الإقليميين. بل يذهب بعض أنصار هذا الاتجاه إلى الدفاع صراحة عن تغيير النظام كهدف يمكن تحقيقه إذا استُخدمت قوة كافية، مستندين إلى تراجع قدرة الردع الإيرانية وضعف حلفائها وازدياد هشاشة قيادتها.
ويتساءل هؤلاء: لماذا تُقدم الولايات المتحدة يد العون بينما تغرق الجمهورية الإسلامية؟ لماذا يُطرح خيار الاكتفاء بمكاسب محدودة في حين يبدو ميزان القوى في صالح واشنطن؟.
وفي المقابل، يقدم فريق ثان قراءة مختلفة، فهو يقر بوجود ضغوط كبيرة على إيران، لكنه يرى أن هذه الضغوط ذاتها تزيد فرص نجاح المفاوضات.
ويستند هذا الطرح إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب عارض تاريخيا التدخلات العسكرية الواسعة والصراعات الطويلة.
ومن ثم، فإن اللحظة الراهنة تتيح له تحقيق مكسب سياسي دون جر الولايات المتحدة إلى حرب جديدة في الشرق الأوسط، حيث يمكن أن يحد التوصل إلى اتفاق تحت الضغط من نفوذ إيران ويعزز سرديته القائمة على أن القوة لا الحرب هي التي تحقق النتائج.
غير أن ترامب يواجه معضلة أسهم هو نفسه في صنعها. فإعلانه المتكرر دعمه للمتظاهرين الإيرانيين ووصفه القيادة الإيرانية بأنها غير شرعية رفع سقف التوقعات داخليا ودوليا، متجاوزا نطاق الدبلوماسية النووية.
وهذه الالتزامات هي التي تقلص هامش المناورة، حيث قد يُظهره التراجع بمظهر الضعيف، بينما تتناقض الحرب الشاملة مع جوهر خطابه السياسي.
وتبرز في هذا السياق استراتيجيته القائمة على تحقيق السلام عبر القوة. فالقوة العسكرية هنا ليست هدفا بحد ذاتها، بل وسيلة لإجبار إيران على التفاوض بشروط مواتية، من خلال إجراءات محدودة وحاسمة تهدف إلى ردع الخصوم وطمأنة الحلفاء وإظهار الحزم دون الانزلاق إلى صراع طويل.
وتفسر هذه المعادلة سبب ترجيح صناع القرار الأميركيين خيار الضربة المحدودة بدلا من الغزو. فالضربة المحسوبة تتماشى مع هذا المنطق أكثر من ضبط النفس الكامل أو الغزو الشامل، حيث تشير إلى العزم، وتُرضي التيارات المتشددة داخليا، وتحافظ على موقف ترامب الرافض للحروب الطويلة، وتعيد تشكيل بيئة التفاوض تمهيدا لمحادثات أكثر جدية.
وتزداد احتمالات هذا الخيار إذا لم تقدم إيران التنازلات التي تطالب بها واشنطن ويعتبرها ترامب دلالة على انتصاره.
كما عززت التجربة الأميركية في فنزويلا من جاذبية هذا النهج، حيث أسهمت، رغم محدوديتها، في تطبيع فكرة استهداف زعيم دولة ذات سيادة وإضعاف محظور دولي راسخ.
ومع ذلك، يختلف المسار المحتمل في إيران، حيث قد تبدأ العملية بمفاوضات علنية تليها ضربة تستهدف القيادة ثم استئناف الحوار مع شخصيات لاحقة. وقد تركت هذه السابقة أثرا واضحا في التصورات الإيرانية بشأن مستوى التهديد.
وفي المقابل، يُعد غزو إيران خيارا غير منطقي استراتيجيا نظرا لتكاليفه الهائلة وعواقبه الإقليمية غير المتوقعة وضعف الدعم السياسي له. فالمشكلة لا تتعلق بقدرة الولايات المتحدة على الغزو، بل بغياب المبرر السياسي والاستراتيجي، خصوصا في ظل إرث حرب العراق والتعقيدات الداخلية الإيرانية.
وإلى جانب ذلك، فإن أي حرب برية طويلة ستشكل ضربة استراتيجية ذاتية للولايات المتحدة في إطار تنافسها مع الصين، حيث ستستنزف الموارد وتدفع أسعار الطاقة عالميا وترفع التضخم وتوتّر التحالفات وتضعف قدرة واشنطن على التركيز في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
ولن يضمن نجاح الغزو مبدئيا انهيار النظام الإيراني، بل قد يورط واشنطن في جهود استقرار طويلة ومكلفة ذات عوائد محدودة.
ولهذا السبب، تحوّل النقاش داخل واشنطن من فكرة الغزو إلى استخدامات أكثر دقة للقوة، مع تركيز الخيار الأكثر ترجيحا على استهداف القيادة والبنية التحتية العسكرية والنووية ومراكز القيادة والسيطرة، ضمن استراتيجية تصعيد محسوب شبيهة بما أعقب اغتيال قاسم سليماني عام 2020.
غزو إيران يُعد خيارا غير منطقي استراتيجيا نظرا لتكاليفه الهائلة وعواقبه الإقليمية غير المتوقعة وضعف الدعم السياسي له
وليس الهدف في هذا السيناريو القضاء على قدرات إيران بالكامل، بل إظهار تفوق تصعيدي ساحق، وإرسال رسالة مفادها أن الولايات المتحدة قادرة على ضرب قلب النظام مع احتواء ردود الفعل.
وستُصمم الضربة لتكون سريعة ومحدودة، بما يوضح أن واشنطن تسعى إلى تعزيز نفوذها التفاوضي لا إلى خوض حرب شاملة.
ويتمثل الهدف الأساسي، من منظور تفاوضي، في توجيه ضربة حاسمة تُعيد تشكيل تصورات العزم، وترفع كلفة المقاومة، وتفتح الباب أمام استئناف المفاوضات بشروط مختلفة.
ومع ذلك، يبقى ردّ إيران هو العنصر الأكثر غموضا في هذه المعادلة. وقد تختار طهران ردا محدودا ورمزيا يهدف إلى الحفاظ على الردع والمصداقية الداخلية دون الانزلاق إلى تصعيد خارج السيطرة.
ويمكن أن يتمثل ذلك في خطوات غير مباشرة عبر شركاء إقليميين، أو من خلال ضربات صاروخية أو بطائرات مسيّرة عالية الدقة، تُظهر العزم مع تجنب المواجهة المباشرة مع القوات الأميركية. ويتسق هذا المسار مع نمط إيراني طويل قائم على الغموض والتدرّج في الرد.
وفي المقابل، قد ترفض إيران بالكامل فرضية الهيمنة الأميركية على مسار التصعيد، معتبرة أن ضبط النفس يشجع على مزيد من الضغوط. وفي هذه الحالة، قد تتجه إلى توسيع نطاق الصراع عمدا للتشكيك في قدرة واشنطن على التحكم فيه. وقد تشمل هذه الخيارات استهداف مصالح وأصول أميركية في ساحات إقليمية متعددة، أو تهديد الممرات البحرية الحيوية، أو تسريع الأنشطة النووية بهدف تغيير ميزان القوى الاستراتيجي.
وهنا يكمن الخطر الجوهري، حيث يبقى التفاوض بالقوة بطبيعته غير مستقر. فحتى عندما يسعى الطرفان إلى تجنب حرب شاملة، يمكن لسوء التقدير أو سوء فهم نوايا العزم أو الضغوط الداخلية أن يدفعهما إلى تجاوز الخطوط المقصودة. وعندما يتحول العنف إلى وسيلة للتواصل، تصبح الإشارات عرضة للتشويه، وقد تؤدي إجراءات الردع ذاتها إلى استفزاز الخصم، ما يجعل الفاصل بين التصعيد المسيطر عليه والانزلاق إلى صراع واسع خطا بالغ الدقة لا يُدرك غالبا إلا بعد فوات الأوان.
ويفسّر هذا الواقع حالة التقلب الراهنة، فالتسلسل الأكثر ترجيحا لا يقوم على مفاوضات تسبق استخدام القوة، بل على قوة تسبق التفاوض: ضربة تؤكد الهيمنة الأميركية في التصعيد، يعقبها رد إيراني، ثم تبدأ بعدها فقط محادثات جادة عندما يقتنع الطرفان بأن بيئة التفاوض قد أُعيد ضبطها.
ولا تُعد الضربة في هذا الإطار مؤشرا على فشل الدبلوماسية، بل شرطا من شروطها الضاغطة. فالسؤال المركزي لم يعد ما إذا كانت القوة ستُستخدم، بل ما إذا كان بالإمكان توظيفها دون إشعال صراع لا يرغب فيه أي من الطرفين، ومع ذلك قد يجد كلاهما صعوبة في احتوائه.
وتتجسد هنا مفارقة التفاوض بالقوة: فهي استراتيجية تُستخدم بهدف منع الحرب، لكنها في الوقت نفسه تقرّبها. وتتحرك الولايات المتحدة وإيران اليوم ضمن هامش ضيق للغاية، حيث تحمل كل إشارة وزنا كبيرا، وكل خطأ قد تكون كلفته مرتفعة، بينما يتقلص مجال الخطأ بسرعة. ولم يعد السؤال المطروح هو إمكانية استخدام القوة، بل ما إذا كان يمكن استخدامها دون إشعال فتيل مواجهة لا يسعى إليها أي من الطرفين، ومع ذلك قد يعجزان عن السيطرة عليها.