ترامب والنظام العالمي: هل على أوروبا إعادة حساباتها الأمنية؟
مجلة "نيوزويك" الأميركية
الخميس 12 شباط 2026
مؤتمر ميونيخ للأمن يُعقد هذا الأسبوع وسط تساؤلات عن مستقبل العلاقات عبر الأطلسي في ظل ولاية ترامب الثانية. ويصف تقرير ميونيخ الأمني 2026 ترامب بأنه "أبرز رجال الهدم" للنظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية.
مجلة "نيوزويك" الأميركية تتحدّث عن انطلاق مؤتمر ميونيخ للأمن يوم الجمعة المقبل في ظلّ سياسة ترامب الخارجية، وتقول إنّ السؤال المطروح اليوم لم يعد حول ضغط العلاقات عبر الأطلسي، بل حول مدى انحنائها قبل احتمال انهيارها.
فيما يلي نص المقال منقولاً إلى العربية بتصرّف:
يفتتح مؤتمر ميونيخ للأمن يوم الجمعة وسط ضغوط غير مسبوقة على العلاقات عبر الأطلسي، التي كانت تعتبر سابقًا صلبة للغاية.
يحضر القادة الأوروبيون إلى بافاريا هذا الأسبوع حاملين سؤالاً محورياً: هل يستعدّ دونالد ترامب لمزيد من تفكيك النظام العالمي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، والذي دعم الأمن الغربي لعقود تقارب الثمانية؟
القلق ليس مبالغاً فيه. ففي ميونيخ قبل عام، أثار خطاب نائب الرئيس جيه دي فانس صدمة في العواصم الأوروبية. هذا العام، يقود وزير الخارجية ماركو روبيو الوفد الأميركي، المتوقّع أن يضمّ أكثر من 50 عضواً في "الكونغرس"، بينهم النائبة الديمقراطية ألكساندريا أوكاسيو-كورتيز.
تتوقّف الأنظار على خطاب روبيو: هل سيكرّر النبرة التصادميّة لاستراتيجية الأمن القومي الأميركي الأخيرة، التي حذّرت من أنّ أوروبا تواجه "محواً حضارياً"؟ أم سيعتمد نهجاً أكثر تصالحية، مع دخول محادثات السلام الرامية لإنهاء الحرب في أوكرانيا مرحلة حاسمة؟
للحلفاء الأوروبيين، لم يعد المؤتمر مجرّد منصة للتضامن عبر الأطلسي، بل اختباراً لما إذا كانت واشنطن لا تزال ترى نفسها راعية لنظام عالمي قائم على القواعد.
تقرير ميونيخ الأمني لعام 2026 حذّر من دخول العالم حقبة "سياسة كرة الهدم"، واعتبر ترامب "أبرز رجال الهدم". وذكر التقرير: "ومن المفارقات أنّ رئيس الولايات المتحدة - الدولة التي ساهمت أكثر من أيّ دولة في تأسيس النظام الدولي بعد عام 1945 - هو الآن أبرز رجال الهدم. ونتيجة لذلك، وبعد أكثر من 80 عاماً من البناء، أصبح النظام الدولي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية في حالة تدمير".
أعطت عقيدة "أميركا أولاً" الأولوية للعمل الأحادي والدبلوماسية القائمة على المصالح المشتركة على حساب المؤسسات الدولية. ويشير الدبلوماسيون والخبراء إلى أنّ ذلك أضعف الثقة في القيادة الأميركية وشجّع القوى المنافسة، خصوصاً روسيا والصين.
حذّر فولفغانغ إيشينغر، الدبلوماسي السابق ورئيس مؤتمر ميونيخ، من "أزمة ثقة" في العلاقات عبر الأطلسي، لكنه رأى في الوفد الأميركي الكبير علامة إيجابية، مؤكداً أنّ الجانب الأميركي يظهر اهتماماً قوياً بالملتقى.
من جهته، حاول السفير الأميركي لدى حلف "الناتو"، ماثيو ويتاكر، طمأنة الحلفاء بأنّ ترامب "لا يسعى لتفكيك حلف الناتو".
اتفق قادة "الناتو" في 2025 على رفع الإنفاق الدفاعي المشترك إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2035، في خطوة تُفهم على أنها استجابة لضغوط ترامب. وأكد أليكس يونغر، الرئيس السابق لجهاز MI6 البريطاني، أنّ التحالف "لم ينهر"، وأنّ الضغط الأميركي على أوروبا لتعزيز جهودها الدفاعية كان مبرّراً.
لكنّ هجمات ترامب المتكرّرة على "الناتو" أثارت قلق القادة الغربيين. فقد أثار ادعاؤه الأخير بأنّ قوات "الناتو" كانت "بعيدة عن الخطوط الأمامية" في أفغانستان غضب الحلفاء، وأعاد التذكير بأنّ واشنطن قد تقلّل التزامها بأمن أوروبا.
يرى المؤيّدون أنّ ترامب يسعى لمبدأ "تقاسم الأعباء"، بينما يرى المنتقدون أنّ خطاباته تُضعف الردع في ظلّ تصاعد التوتر مع روسيا.
الرسالة الأوروبية واضحة: لم يعد بالإمكان افتراض دعم أميركي تلقائي. شكوك ترامب في حلف "الناتو" تعجّل بتخطيط أوروبا لعالم تكون فيه الضمانات الأميركية مشروطة أو غير مؤكّدة.
حذّر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من أنّ القارة تواجه "جرس إنذار جيوسياسي"، داعياً إلى التفكير في أوروبا كقوة عالمية ومطالباً بتقاسم ديون الاتحاد الأوروبي لتعزيز الدفاع والطاقة النظيفة والذكاء الاصطناعي. وأشار إلى أنّ أزمة غرينلاند لم تُحلّ بعد.
أما موقف ترامب من الحرب الروسية الأوكرانية فقد تحوّل من الشكّ إلى مقامرة دبلوماسية، إذ يدعو الآن إلى اتفاق سلام مع روسيا، معتبراً أنّ الطرفين "قريبان إلى حدّ معقول". جولات مفاوضات السلام مستمرة، لكنّ النتائج لم تتحقّق بعد، ما يزيد حالة عدم اليقين لدى كييف وحلفاء "الناتو".
مع انطلاق مؤتمر ميونيخ، لم يعد السؤال حول ضغط العلاقات عبر الأطلسي، بل حول مدى انحنائها قبل احتمال انهيارها.
أدخلت ولاية ترامب الثانية حالة من عدم الاستقرار للمؤسسات التي كانت تعتمد على القدرة على التنبّؤ، وأجبرت الحلفاء على الاستعداد لعالم تُقاس فيه القيادة الأميركية بالمصالح المتبادلة. نجاح واشنطن في استقرار النظام أو تسريع تفكّكه يعتمد على الخيارات المقبلة، وعلى استعداد "الناتو" وأوكرانيا وأوروبا للتحرّك. واليوم، لا يقدّم المؤتمر إجابات سهلة، بل حقيقة صارخة: لم يعد النظام العالمي بعد الحرب مضموناً.
المصدر: الميادين