السلام الروسي - الأوكراني: محادثات أبوظبي والجهود الأميركية في عبور مأزق زابوروجيا
البراق شادي عبدالسلام
الخميس 5 شباط 2026
محطة زابوروجيا النووية تقف في منتصف الطريق بين طموحات السلام الروسي – الأوكراني وتعقيدات الواقع الميداني، إذ تفرض هذه المنشأة شروطها التقنية على طاولة المفاوضات، محوِّلة ملف الطاقة إلى ورقة سياسية بامتياز.
“محطة زابوروجيا هي الرهينة التي ترفض أن تموت، والكنز الذي يخشى الجميع امتلاكه”. هذا كان جوابي لأحد الأصدقاء الصحفيين المهتمين بالشأن الروسي حول المأزق الحالي الذي تشكله المحطة النووية الأكبر في أوروبا؛ فروسيا لا تستطيع تشغيلها بالكامل دون الفنيين الأوكرانيين، وأوكرانيا لا تستطيع استعادتها عسكرياً دون توافقات سياسية خوفاً من تحملها وزر كارثة نووية تعيد إلى الأذهان خطر أزمة تشيرنوبل، وقادة أوروبا والأميركان لا يستطيعون تجاهلها لأن غبارها الإشعاعي لا يعترف بالحدود، بل هو عابر لتوازنات حلف الناتو.
الحقيقة أن محطة زابوروجيا النووية تقف في منتصف الطريق بين طموحات السلام الروسي – الأوكراني وتعقيدات الواقع الميداني. إذ تفرض هذه المنشأة شروطها التقنية على طاولة المفاوضات، محوِّلة ملف الطاقة إلى ورقة سياسية بامتياز، حيث ترتبط احتمالات التسوية بوضعية المفاعلات الستة، ويرى الطرفان في السيطرة عليها رمزاً لبسط السيادة أو استعادة الحقوق الاقتصادية. وتتداخل مخاوف التلوث الإشعاعي مع حسابات الربح والخسارة العسكرية، مما يضع المجتمع الدولي أمام اختبار لإيجاد صيغة فنية تُبعد المنشأة عن خطر دبلوماسية المدافع، ليظل ملف زابوروجيا حجر الزاوية في أي بناء مستقبلي للاستقرار، ومؤشراً على قدرة الأطراف المتصارعة على تقديم التنازلات الضرورية لتفادي سيناريوهات كارثية.
أما الدور الأميركي في هذا المشهد فيبدو كمن يمارس سيراً حذراً على حبل مشدود، حيث تبرز تحركات المبعوث الرئاسي الخاص ستيف ويتكوف كمهندس لهذا المسار؛ إذ انتقلت واشنطن تحت إشرافه المباشر في محادثات أبوظبي الثلاثية نحو الواقعية التقنية.
ويسعى ويتكوف، من خلال تفويضه المباشر من البيت الأبيض، لتوفير غطاء دولي يحول دون انزلاق المنشأة إلى خيار الأرض المحروقة، ويتمثل ثقله الدبلوماسي في صياغة مقايضة كبرى تشمل تقديم ضمانات أمنية لروسيا مقابل تحييد المنشأة، مع الضغط لتوفير ممرات آمنة للفنيين الأوكرانيين لضمان استمرارية التبريد. وبذلك يقود ويتكوف تحوّلا استراتيجيا من إدارة النزاع الميداني إلى هندسة الأمن النووي الوقائي عبر قنوات اتصال مباشرة مع الكرملين وكييف.
ومع دخول عام 2026، تبلورت الضغوط الأميركية عبر خطة ترامب للسلام المكونة من 28 بنداً، والتي جعلت من استقرار محطة زابوروجيا الاختبار الميداني الحقيقي لنجاح الصفقة. حيث تسعى واشنطن لفرض صيغة “الكونسورتيوم الثلاثي” لإدارة المحطة، بحيث تتوزع الملكية بين أوكرانيا وروسيا والولايات المتحدة بنسب متساوية، مع انفراد واشنطن بدور المشغّل الرئيسي لضمان الحياد التقني ومنع عسكرة الموقع.
وتعتمد الخطة معادلة لتقاسم الطاقة بنسبة 50 في المئة لكل طرف، مما يحوّل المنشأة إلى محرك للنمو الاقتصادي المشترك بدلاً من ساحة اشتباك.
ويرتبط هذا المسار بتقديم واشنطن ضمانات أمنية “بلاتينية” لأوكرانيا (تحاكي المادة الخامسة للناتو) لمدة تصل إلى 15 عاماً، بشرط التزام كييف بالحياد العسكري وتحديد سقف قواتها بـ600 ألف جندي. كما ترهن الخطة رفع العقوبات تدريجياً وبدء تدفق استثمارات صندوق الإعمار (الممول من الأصول الروسية المجمدة ومساهمات أوروبية بـ100 مليار دولار) بمدى استدامة هذه الهدنة النووية، مما يجعل من سلامة المفاعلات المفتاح الأساسي لتأمين مستقبل السلام الدائم في القارة.
وفي المسار ذاته يتجلى الموقف الروسي كاستراتيجية تسعى لترسيخ السيطرة الميدانية مع تجنب التكلفة السياسية للكارثة، بالنظر إلى أن موسكو تعتبر زابوروجيا رهانا جيوسياسيا وجزءا من البنية التحتية التي تطمح لدمجها في منظومتها. لكنها تصطدم بعائق تقني يتمثل في الحاجة إلى الخبرة الأوكرانية لإدارة المفاعلات، وهذا ما يجعل من منصة أبوظبي مخرجا يحفظ الهيبة العسكرية عبر إبداء مرونة في تحييد المحطة أمنياً مقابل وجود ميداني يحقق تثبيت خطوط التماس الحالية بعيداً عن احتمالات المعركة النووية.
وعلى الضفة الأخرى يتأرجح الموقف الأوكراني بين التمسك بالسيادة والضرورة الوجودية لتفادي كارثة بيئية، انطلاقاً من إدراك كييف أن استعادة المحطة بالقوة قد تؤدي إلى تدميرها. ومن هنا تتبنى أوكرانيا في محادثات أبوظبي نهج “التحرير التقني” عبر تدويل الإدارة والرقابة، حيث تهدف في العاصمة الإماراتية إلى انتزاع بروتوكول يضمن عودة كوادرها الفنية تحت حماية دولية، لتجد نفسها منخرطة في هذا المسار لتأمين شبكة الطاقة الوطنية التي تشكل المحطة عصبها الحيوي.
وبالتوازي مع هذه المواقف المتصادمة، يبرز الدور الإماراتي كمحور ارتكاز دبلوماسي نجح في صياغة مفهوم الوساطة الموثوقة عبر تحويل العاصمة أبوظبي إلى منصة للتوافقات الصعبة. فقد استثمرت الإمارات علاقاتها الاستراتيجية المتوازنة وقدرتها على الوقوف على مسافة واحدة من جميع الأطراف لصياغة اتفاق أمني – طاقي يتجاوز الحلول العسكرية التقليدية. إذ تتركز جهودها على بناء بروتوكولات حماية تقنية تُخرج المحطة من دائرة الردع المباشر مع توفير ضمانات سياسية للأطراف المتنازعة، مما يعكس الثقة الدولية المتنامية في دبلوماسية الوساطة التي تنتهجها أبوظبي كشريك استراتيجي قادر على صهر التناقضات.
الدور الإماراتي يبرز كمحور ارتكاز دبلوماسي نجح في صياغة مفهوم الوساطة الموثوقة عبر تحويل العاصمة أبوظبي إلى منصة للتوافقات الصعبة
وهي الثقة التي تعززت عبر الحراك الدبلوماسي المستمر والاتصالات الهاتفية الدائمة بين القيادة الإماراتية ورئيسي البلدين، فضلاً عن الزيارات التاريخية التي شملت استقبال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والزيارات السابقة للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، مما مكّن أبوظبي من بناء جسور تواصل مباشرة وفعالة تفتقر إليها المنصات الدولية الأخرى.
وتستند هذه الجهود إلى رصيد تراكمي من النجاحات التي أثمرت رعاية سبعة عشر اتفاقاً ناجحاً لتبادل الأسرى بين موسكو وكييف، مما أثبت قدرة الإمارات على فتح قنوات اتصال مستدامة وتفكيك العقد التفاوضية الأكثر تعقيداً، محوِّلة هذه النجاحات الإنسانية والزخم الدبلوماسي الرفيع إلى قاعدة صلبة للانطلاق نحو ملفات استراتيجية ترتبط بالأمن النووي واستقرار الطاقة العالمي.
وفي سياق متصل، يلقي الواقع الميداني في محيط المحطة بظلاله على مسارات التفاوض، إذ شهدت الأسابيع الماضية تحركات تقنية حرجة في محيط المنشأة تعكس هشاشة الوضع وقوته في آن واحد. فبينما استعادت المحطة اتصالها بخطوط الكهرباء الاحتياطية المتضررة بفضل هدنة فنية مؤقتة رعتها الوكالة الدولية للطاقة الذرية، تظل المنطقة المحيطة بمدينة إنيرودار مسرحاً لعمليات استطلاع دقيقة وتمركزات دفاعية مكثفة.
ومن هنا، يبرز التحدي الميداني في كيفية فصل تأمين خطوط إمداد الطاقة للمفاعلات عن الأهداف العسكرية المباشرة في جبهات الجنوب، خاصة وأن أي تفاهم في مفاوضات أبوظبي حول وقف ضربات البنية التحتية يتطلب ترجمة فورية على الأرض تضمن سلامة الفرق الفنية العاملة في المواقع المكشوفة.
وعلى صعيد آخر، ترتبط وضعية المحطة بتطورات الجبهات الأوسع، حيث يشكل استقرار المثلث النووي المتمثل في محطة زابوروجيا كمصدر للطاقة والخطر، ونهر دنيبرو كشريان للتبريد، وسد خاكوفكا كحاجز مائي، ومدينة إنيرودار كحاضنة بشرية ولوجستية للمنشأة، ضمانة لمنع توسع رقعة الصدام المباشر في هذا القطاع.
ونتيجة لذلك، تهدف محادثات أبوظبي الثلاثية إلى تحويل هذه الهدنة التقنية إلى بروتوكول أمني دائم، مما يسمح للمحطة بالخروج من معادلة الردع الميداني لتصبح أول منشأة استراتيجية تُحيّد رسمياً عن خارطة النزاع، وبالتالي تمهد الطريق لعمليات أوسع من تبادل الثقة التي قد تشمل ملفات الأسرى والحد من استهداف منشآت الطاقة الوطنية في كلا البلدين.
بالتزامن مع هذه التعقيدات النووية، تشهد جبهات القتال في أوكرانيا حالة من التصعيد المستمر والتحولات الميدانية العميقة، إذ تتركز المواجهات العنيفة في محور دونباس والقطاعات الشرقية والشمالية الشرقية. فبينما تحاول القوات الروسية تحقيق اختراقات في العمق الدفاعي للسيطرة على مراكز لوجستية حيوية، تعتمد القوات الأوكرانية على تكتيكات الدفاع النشط والضربات بعيدة المدى لاستهداف خطوط الإمداد والمطارات.
ومن هنا، يبرز الارتباط الوثيق بين اشتعال المعارك في الشرق والجمود الحذر في الجنوب، حيث تؤدي الكثافة القتالية في جبهات أخرى إلى تحويل محيط زابوروجيا إلى منطقة ترقب استراتيجي، في حين تظل التحركات العسكرية الأوسع محكومة بمدى تدفق المساعدات التقنية واللوجستية وقدرة الأطراف على تعويض الاستنزاف البشري والمادي على طول خطوط التماس الممتدة.
وبناءً على هذه المعطيات، تتبلور الحلول المقترحة في مفاوضات أبوظبي الثلاثية ضمن خارطة طريق تتلخص في الآتي:
أولاً: صياغة نظام إدارة فنية مشتركة يهدف إلى تحويل المنشأة إلى منطقة خضراء تقنياً عبر تعيين إدارة دولية محايدة تشرف على تشغيل المفاعلات، مع ضمان عودة المهندسين الأوكرانيين للعمل تحت مظلة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مما يضمن استمرارية التبريد والأمان النووي بعيداً عن التجاذبات السياسية المباشرة.
محطة زابوروجيا تبرهن أن القوة العسكرية قد تسيطر على الأرض لكنها لا تضمن الاستقرار، وهنا تتجلى عبقرية دبلوماسية الوساطة التي تنتهجها أبوظبي
ثانياً: إنشاء منطقة حماية منزوعة السلاح تشمل المحطة والمرافق الحيوية المرتبطة بها مثل سد خاكوفكا ومدينة إنيرودار، بحيث يتم إخلاء المنشأة من المظاهر العسكرية الثقيلة مقابل التزامات دولية صارمة تضمن عدم استخدام الموقع لأغراض هجومية، وهو ما يحول دون تحول المفاعلات إلى دروع بشرية أو أهداف عسكرية في خارطة النزاع.
ثالثاً: تفعيل بروتوكول الأمن الطاقي المتبادل الذي يقضي بوقف استهداف البنية التحتية الكهربائية المرتبطة بالمحطة في كلا البلدين، مع توزيع حصص إنتاج الطاقة لضمان تلبية الاحتياجات الإنسانية الأوكرانية، وتوفير آلية تحكيم دائمة مقرها أبوظبي لفض النزاعات التقنية الفورية ومنع أي تصعيد ميداني قد ينتج عن سوء فهم إجرائي داخل المنشأة.
ختاما، تبرهن محطة زابوروجيا على أن القوة العسكرية قد تسيطر على الأرض لكنها لا تضمن الاستقرار، وهنا تتجلى عبقرية دبلوماسية الوساطة التي تنتهجها أبوظبي؛ فهي لم تكتف بفتح قنوات الاتصال، بل صاغت لغة مشتركة حولت النووي من فزاعة عالمية إلى مدخل للحلول التقنية الجريئة، مؤكدة أن عاصمة التوازن باتت صمام الأمان الوحيد في معادلة السلام الصعبة بين الشرق والغرب.
لم تكن نجاحات أبوظبي في رعاية سبعة عشر اتفاقاً لتبادل الأسرى بين الروس والأوكرانيين سوى مقدمة لهذا الدور الاستراتيجي المحوري الذي تضطلع به في ملف زابوروجيا المعقد، حيث تثبت الدبلوماسية الإماراتية يوماً بعد يوم أن استدامة السلام لا ترتهن فقط للنوايا، بل تتطلب وسيطاً يمتلك الحكمة الاستباقية والقدرة الفائقة على بناء جسور الثقة فوق أنقاض النزاعات العسكرية. ورغم أن الاتفاق النهائي لم يُعقد بعد، ولا تزال المفاعلات تخضع لرهانات القوة والتجاذبات الميدانية، إلا أن إصرار أبوظبي على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة يمثل في حد ذاته انتصاراً للعقل الدبلوماسي على منطق الصدام الصفري. إن الإمارات اليوم لا تدير مجرد تفاوض، بل تهندس إطاراً للأمن النووي العالمي، محاولة تحويل المقترح التقني من مسودة طموحة إلى مظلة حماية دولية، مما يؤكد أن عاصمة التوازن باتت هي المختبر الحقيقي لصناعة التوافقات المستحيلة وصمام الأمان الذي يحول دون انطفاء آخر شموع الحوار في ليل الأزمة الأوكرانية.
المصدر: العرب اللندنية