كُتّاب الموقع
الشرق الأوسط: حرب جديدة فوق خرائط قديمة

بثينة عوض

الأربعاء 11 آذار 2026

لم يكُن الثامن والعشرون من شباط/ فبراير 2026، يوماً عادياً في حياة سكان الشرق الأوسط، ففي ذلك اليوم أطلقت طائرات أميركية وإسرائيلية أولى صواريخها باتجاه طهران، لتتحول أزمة كانت تتصاعد تدريجياً خلال الأشهر السابقة إلى مواجهة مفتوحة.
 
وكما يحدث في كل حرب كبيرة، لم يتأخر ظهور الروايات التي تحاول تفسير ما يجري، فبعض الخطابات قدّم المواجهة باعتبارها صراعاً بين مشاريع دينية أو حضارية متناقضة، بينما رآها آخرون مواجهة جيوسياسية باردة على النفوذ والموارد والنظام الإقليمي، غير أن الحروب، كما يذكّرنا المؤرخون، لا تُفهم من لحظتها المباشرة فقط؛ فكل قذيفة تحمل تاريخها معها.
 
المشرق الذي يشتعل اليوم هو ذاته الذي رُسمت حدوده الحديثة بأقلام الدبلوماسيين الأوروبيين في العام 1916، وسالت على أرضه دماء حرب 1948، وتصدعت فيه مشاريع القومية العربية بعد هزيمة 1967، ومن هذا المنظور لا يبدو ما نشهده اليوم استثناءً في تاريخ المنطقة، بل حلقة جديدة في نمط تاريخي طويل يتجدد بأشكال مختلفة.
 
تحاول هذه السلسلة قراءة اللحظة الراهنة بعين التاريخ، من سقوط الإمبراطورية العثمانية، مروراً باتفاقية سايكس-بيكو ووعد بلفور، ثم حروب 1948 و1967 و1973، وصولاً إلى حرب غزة في العام 2023، وانهيار ما عُرف بمحور المقاومة، والضربات الأمريكية-الإسرائيلية على إيران في العام 2026.
 
إنها محاولة للعودة إلى الجذور السياسية والتاريخية للصراع في الشرق الأوسط، لفهم لماذا تبدو حروب المنطقة، بالرغم من تغيّر أطرافها وشعاراتها، كأنها تعود في كل مرة بصيغة جديدة.
 
الإمبراطورية التي كانت
 
لفهم هذا المشهد لا بد من العودة إلى البنية السياسية التي حكمت المنطقة أربعة قرون الإمبراطورية العثمانية. لم تكن مجرد دولة واسعة، بل منظومة حكم أعادت تنظيم المجتمعات والهويات في فضاء يمتد من البلقان إلى الجزيرة العربية ومن شمال أفريقيا إلى بلاد فارس.
 
اعتمدت الدولة العثمانية نظام الملل لإدارة التنوع الديني، مانحة الجماعات المختلفة قدراً من الحكم الذاتي في شؤونها الداخلية مقابل الولاء للسلطة المركزية، وقد سمح هذا النظام بإدارة فسيفساء دينية وإثنية معقدة لقرون طويلة، لكن القرن التاسع عشر حمل معه رياحاً جديدة من أوروبا صعود القومية بعد الثورة الفرنسية، ومع انتقال هذه الفكرة إلى أطراف الإمبراطورية بدأت الهويات القومية تتبلور تدريجياً.
 
أما العرب، فعلى الرغم من أنهم شكّلوا جزءاً كبيراً من سكان الدولة العثمانية، فإن نخبهم بقيت مندمجة في المنظومة العثمانية زمناً طويلاً، لكن مع تصاعد سياسة التتريك وتراجع حضور اللغة العربية في الإدارة، بدأت بوادر الوعي القومي العربي تظهر في الجمعيات والصحف السرية، وهو تطور سيساهم لاحقاً في انهيار النظام الإمبراطوري نفسه.
 
الرجل المريض وطلاب الميراث
 
منذ منتصف القرن التاسع عشر بدأ الأوروبيون يصفون الإمبراطورية العثمانية بـِ  "الرجل المريض"، لم يكن التعبير مجرد استعارة، بل إشارة إلى دولة تضعف تدريجياً بينما تستعد القوى الكبرى لتقاسم إرثها. في هذا السباق برزت بريطانيا وفرنسا وروسيا.
 
بالنسبة لبريطانيا كان الهدف حماية الطريق إلى الهند، ومع افتتاح قناة السويس في العام 1869 أصبحت مصر والخليج جزءاً أساسياً من حساباتها الاستراتيجية، أما فرنسا فكانت تنظر إلى بلاد الشام باعتبارها مجالاً طبيعياً لنفوذها، مستندة إلى دورها في حماية الكاثوليك المشرقيين، وهو مثال مبكر على تداخل السياسة مع خطاب حماية الجماعات الدينية. في المقابل سعت روسيا إلى الوصول إلى المياه الدافئة عبر المضائق، بينما حاولت ألمانيا تعزيز نفوذها عبر التحالف مع الدولة العثمانية ومشروع سكة حديد برلين ــ بغداد. لكن هذا التقارب سيقود الإمبراطورية إلى الانضمام إلى المحور الألماني في الحرب العالمية الأولى، وهو قرار سرّع انهيارها.
 
خطّ بقلم رصاص
 
في أيار 1916 وقّع الدبلوماسي البريطاني مارك سايكس والفرنسي فرانسوا جورج-بيكو اتفاقاً سرياً حول تقاسم المشرق العربي بعد سقوط الدولة العثمانية، لم يكن اتفاقاً نهائياً بقدر ما كان تفاهماً أولياً على توزيع مناطق النفوذ.
 
قسّم الاتفاق المنطقة بين نفوذ بريطاني وفرنسي مع تصور لإدارة دولية في فلسطين، لم تُراعَ في تلك الخطوط الروابط الاجتماعية أو الجغرافية المعقدة للمجتمعات المحلية، وبالرغم من أن الاتفاق لم يُصغ بلغة دينية، فإن الحدود التي نشأت عنه جمعت داخل دول جديدة جماعات متعددة الطوائف والهويات، ومع مرور الزمن أصبحت الهويات الدينية والمذهبية إحدى اللغات التي تُفسَّر بها الصراعات داخل هذه الدول، حتى عندما كانت أسبابها سياسية في الأساس.
 
وعد في وعد
 
في الثاني من تشرين الثاني/ نوفمبر 1917، أرسل وزير الخارجية البريطاني آرثر بلفور رسالة قصيرة إلى اللورد روتشيلد. لم تتجاوز الرسالة سبعة وستين كلمة، لكنها أصبحت إحدى أكثر الوثائق تأثيراً في تاريخ المنطقة.
 
تعهدت بريطانيا بدعم إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين مع ضمان الحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهودية، غير أن الصياغة نفسها كشفت تناقضاً عميقاً: فالعرب الذين كانوا يشكلون نحو تسعين في المئة من سكان فلسطين لم يُذكروا باسمهم، بل وُصفوا ببساطة بـِ "الطوائف غير اليهودية"، من دون أي إشارة إلى حقوقهم السياسية.
 
جاء الوعد نتيجة تداخل عوامل عدة: نشاط الحركة الصهيونية، الحسابات البريطانية خلال الحرب العالمية الأولى، والرغبة في تثبيت النفوذ البريطاني في فلسطين، لكنه فتح في الوقت ذاته باباً لصراع طويل أصبحت فيه الهوية الدينية والقومية جزءاً من لغة الصراع.
 
توزيع التركة
 
عندما اجتمع المنتصرون في الحرب العالمية الأولى في مؤتمر باريس في العام 1919 بدا أن خريطة الشرق الأوسط على وشك أن تُعاد صياغتها. حضر الأمير فيصل بن الحسين مطالباً باستقلال العرب، بينما دافع حاييم وايزمان عن تنفيذ وعد بلفور.
 
لكن ميزان القوة كان في مكان آخر، ففي العام 1920 دخلت القوات الفرنسية دمشق وأسقطت المملكة العربية السورية. ثم جاء مؤتمر سان ريمو ليكرّس نظام الانتداب بريطانيا في العراق وفلسطين، وفرنسا في سوريا ولبنان، وفي العراق أنشأت بريطانيا مملكة هاشمية في العام 1921 بحدود جمعت جماعات دينية وإثنية متعددة، في كيان سياسي هش سيظل عرضة للأزمات.
 
ثلاثون عاماً من الغليان
 
شكّل الانتداب البريطاني على فلسطين محاولة لإدارة تناقض عميق: تنفيذ وعد بلفور مع حماية حقوق السكان العرب، لكن المشروعين القوميَّين كانا يتنازعان الأرض نفسها.
 
ظهرت التوترات مبكراً في اضطرابات 1920 وأحداث حائط البراق في العام 1929، ثم الثورة الفلسطينية الكبرى بين 1936 و1939. وبعد الحرب العالمية الثانية غيّر الهولوكوست المعادلة السياسية والأخلاقية في الغرب، وهو ما زاد الضغط لإيجاد حل للمسألة اليهودية في أوروبا.
 
في العام 1947 أحالت بريطانيا القضية إلى الأمم المتحدة، التي أقرت خطة تقسيم فلسطين. رفض العرب الخطة، وفي أيار 1948 أعلن دافيد بن غوريون قيام دولة إسرائيل، لتندلع الحرب العربية ــ الإسرائيلية الأولى.
 
تأسيس المأساة الدائمة
 
حرب 1948، التي يسميها الإسرائيليون "حرب الاستقلال" ويعرفها الفلسطينيون باسم "النكبة"، لم تكن مجرد مواجهة عسكرية قصيرة بل لحظة تأسيسية أعادت تشكيل المنطقة. خلال أشهر قليلة فرّ أو طُرد نحو 750 ألف فلسطيني وتحولوا إلى لاجئين، بينما دُمّرت مئات القرى.
 
إقليمياً تركت الحرب صدمة عميقة في العالم العربي وأسهمت في صعود الحركات العسكرية والقومية التي قادت انقلابات في مصر وسوريا والعراق خلال الخمسينيات. وهكذا لم تكن النكبة نهاية القضية الفلسطينية، بل بداية صراع طويل سيعيد تشكيل سياسات المنطقة لعقود.
 
ومنذ تلك اللحظة أصبح من الصعب فهم حروب الشرق الأوسط اللاحقة دون العودة إلى تلك المرحلة التأسيسية.
 
إلى المواجهة المباشرة
 
في الحلقة القادمة ننتقل من الجذور إلى المواجهة العسكرية المباشرة من حرب السويس 1956 إلى حرب 1967 ثم حرب 1973 وصولاً إلى أحداث 7 أكتوبر 2023. 
 
سنرى كيف تداخلت في تلك الحروب حسابات القوة والحدود والموارد مع خطاب تعبوي استدعى أحياناً الرموز الدينية والمذهبية؛ من خطاب "الأرض المقدسة" في بعض السرديات الإسرائيلية، إلى صعود الحركات الإسلامية، وصولاً إلى الخطاب الإيراني الذي تحدث لسنوات عن نفوذ يمتد في بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء. في كثير من الأحيان لم يكن الدين سبب الصراع، لكنه أصبح لغته الأكثر تأثيراً.
 
ويبقى السؤال الذي يتكرر منذ قرن: هل يمكن لأرض واحدة أن تتسع لروايتين متعارضتين؟ وهل يستطيع نظام دولي قائم على ميزان القوة أن ينتج سلاماً دائماً، أم أن صراعات الشرق الأوسط ستستمر في إعادة إنتاج نفسها بأشكال جديدة؟
 
 
المصدر: المدن