كُتّاب الموقع
بين الحرب وحصرية السلاح:دلالات قرار حظر النشاط العسكري للحزب

المركز العربي للابحاث ودراسة السياسات

الإثنين 9 آذار 2026

أدّى إطلاق حزب الله رشقة صاروخية ودفعة من المسيّرات فجر الثاني من آذار/مارس 2026 من جنوب لبنان باتجاه موقع "مشمار الكرمل" في جنوب حيفا، تحت عنوان "الثأر لدماء الإمام الخامنئي والدفاع عن لبنان"، إلى إقحام لبنان عمليًا في الحرب الإقليمية المفتوحة التي نشبت في 28 شباط/فبراير مع استهلال الحملة العسكرية الإسرائيلية-الأميركية على إيران. وكانت الموجة الأولى من العمليات على إيران قد أسفرت عن اغتيال "المرشد الأعلى" في إيران، علي خامنئي، إضافة إلى عدد من كبار القادة والمسؤولين الإيرانيين، إلى جانب استهداف واسع لمنشآت ومقار عسكرية وأمنية وقيادية داخل إيران. وأدت هذه العملية العسكرية إلى رد إيراني على إسرائيل واعتداءات واسعة النطاق على دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، فضلًا عن تركيا وقبرص. 
 
بعد أقل من يوم من تأكيد الجمهورية الإسلامية في إيران اغتيال المرشد الأعلى، أطلق حزب الله عمليته العسكرية التي وصفها بـ "التحذيرية" من دون أن يكون لها أي أثر عسكري يذكر على الجانب الإسرائيلي. فكان أن كثّفت إسرائيل من الغارات الجوية على مواقع زعمت أنها لحزب الله في جنوب لبنان، ثم وسّعت نطاق عملياتها العسكرية، فطاولت الضاحية الجنوبية لبيروت، وعددًا كبيرًا من المناطق اللبنانية مع إنذارات بالإخلاء للضاحية الجنوبية، ولعشرات القرى والبلدات الجنوبية، ناهيك بتوغل إسرائيل البري، ما وضع لبنان مباشرة في مسار حربي متصاعد. وبالتوازي، ارتفعت وتيرة التكهنات في لبنان بشأن خلفيات تحرّك حزب الله ومسبباته، ولا سيّما أنّ العملية تبدو محدودة الأثر في مقابل كلفتها المرتفعة. وقد حصل ما حصل، بينما سُرِّب قبل أيام من مصادر رئيس مجلس النواب، نبيه برّي، حليف حزب الله، تطمينات نُقلت إلى جهات محلية ودولية، مفادها أنّ حزب الله لن يبادر إلى ما يدفع لبنان إلى الانخراط في الحرب الإقليمية دفاعًا عن إيران.
 
أسفر التصعيد عن أزمة نزوح واسعة، شبيهة بما حدث في أيلول/سبتمبر 2024، حين نزح أكثر من مليون شخص نتيجة عدوان إسرائيلي واسع استهدف جنوب لبنان، والضاحية الجنوبية لبيروت، والبقاع، ومناطق أخرى من البلاد، واستمرّ 66 يومًا، وذلك عقب انخراط حزب الله آنذاك فيما اعتبره "إسنادًا لغزة" عقب عملية السابع من أكتوبر. ولم تنتهِ تلك الحرب إلا بتفاهم بين إسرائيل ولبنان برعاية الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا، وهو الاتفاق الذي لفّ الغموض تفسير بنوده؛ ففي حين التزم حزب الله تفكيك منشآته وبناه العسكرية في منطقة جنوب نهر الليطاني الحدودية، ورفض سحب سلاحه من مناطق شمال الليطاني أو تسليمه، رفضت إسرائيل الانسحاب من الأراضي اللبنانية الحدودية التي احتلتها، أو وقف عملياتها العسكرية وغاراتها قبل نزع سلاح الحزب بالكامل. ولم تتوقف الاعتداءات الإسرائيلية منذ بداية العام 2025 بعد أسابيع من وقف إطلاق النار في حرب الـ66 يومًا. وقد سجّلت قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة العاملة في جنوب لبنان، أكثر من 7500 انتهاك إسرائيلي جوي و2500 انتهاك بري خلال العام 2025، وتدمير حوالي 55 بلدة وقرية حدودية تدميرًا كبيرًا منع جيش الاحتلال عودة أهلها إليها. وأدّت الاعتداءات خلال العام نفسه إلى سقوط 330 شخصًا وجرح 945 حسب بيانات وزارة الصحة العامة اللبنانية. بالتالي، فخلال الأشهر الخمسة عشر التالية لاتفاق تشرين الثاني/أكتوبر 2024، امتنع حزب الله عن تسليم سلاحه، لكنه في المقابل لم يردّ على الهجمات الإسرائيلية، مكتفيًا بإعادة بناء قدراته، وبالانسحاب من جنوب الليطاني وفق تفسيره للاتفاق المذكور. هذا ولم تستطع الحكومة اللبنانية وقف هذه الاعتداءات بالسبل الدبلوماسية أو عبر آلية لجنة مراقبة وقف إطلاق النار (لجنة الميكانيزم). 
 
إذًا، كسر حزب الله صمته العسكري بعملية فجر الثاني من آذار/مارس، فسارع رئيس الجمهورية اللبناني، جوزاف عون، إلى اعتبار ذلك عملًا "غير مسؤول"، لأنه يعرّض لبنان لخطر الانجرار إلى الصراع الإقليمي، على حد تعبيره، وهو ما ذهب إليه أيضًا رئيس الحكومة اللبنانية، نواف سلام، الذي تعهّد "بوقف المرتكبين وحماية الشعب اللبناني"، داعيًا إلى عقد اجتماع طارئ للحكومة اللبنانية. 
 
في صبيحة 2 آذار/مارس، أي بعد ساعات قليلة من ارتفاع وتيرة الهجمات، عقد مجلس الوزراء اللبناني اجتماعًا برئاسة رئيس الجمهورية، جوزاف عون، وبحضور رئيس مجلس الوزراء نواف سلام والوزراء، ومن بينهم ممثلو حزب الله في الحكومة التي تشكّلت منذ أكثر من عام بقليل. وأصدر قرارًا شدّد على رفض الحكومة اللبنانية أي عمل عسكري ينطلق من الأراضي اللبنانية، مع تأكيد أن قرار الحرب والسلم هو حصرًا بيد مؤسسات الدولة اللبنانية، كما نصّ القرار الحكومي على الحظر الفوري لنشاطات حزب الله الأمنية والعسكرية.
 
مضمون القرار
 
كان أبرز ما جاء في القرار:
 
أولًا: أكّد قرار الحكومة رفض الدولة اللبنانية أي نشاط عسكري أو أمني ينطلق من الأراضي اللبنانية خارج إطار مؤسساتها الشرعية، مع التشديد على أنّ قرارَي الحرب والسلم هما حصرًا بيد الدولة. وبناءً على ذلك، نصّ على الحظر الفوري للنشاطين الأمني والعسكري لحزب الله، وإلزامه تسليم سلاحه إلى الدولة، وحصر دوره في العمل السياسي ضمن الأطر الدستورية والقانونية، بما يكرّس حصرية السلاح بيد الدولة ويعزّز سيادتها على كامل أراضيها. كما كلّف الأجهزة العسكرية والأمنية اتخاذ إجراءات فورية لمنع أي عمليات عسكرية، أو إطلاق صواريخ، أو مسيّرات من الأراضي اللبنانية، وتوقيف المخالفين وفق القوانين المرعية.
 
ثانيًا: طلب القرار من قيادة الجيش المباشرة فورًا وبحزم في تنفيذ الخطة التي كانت قد عُرضت سابقًا على مجلس الوزراء، ولا سيّما في شقّها المتعلّق بحصر السلاح شمال نهر الليطاني، مع استخدام الوسائل التي تضمن تنفيذ هذه الخطة عمليًا.
 
أما من ناحية تنفيذ القرار، فقد أعلن وزير العدل اللبناني، عادل نصّار، أنّه سيتم توقيف أي شخص يُضبط في حوزته سلاح غير مرخّص من الجهات الرسمية اللبنانية، وإحالته موقوفًا إلى المحكمة العسكرية، مع مصادرة السلاح نهائيًا، وذلك بالتنسيق مع النيابة العامة التمييزية. وبالتوازي، أصبحت حواجز الجيش اللبناني أكثر تشدّدًا في تفتيش السيارات، ولا سيما على الحواجز المؤدية إلى جنوب لبنان (ومنها حاجز نهر الأولي)، ما أسفر عن توقيف 26 لبنانيًا عند حواجز في عدة مناطق مختلفة، بتهمة حيازة أسلحة وذخائر غير مرخّصة.
 
موقف حزب الله
 
بدأ رفض حزب الله القرار الحكومي من داخل مجلس الوزراء، حيث رفض وزيراه الموافقة عليه، من دون أن يتمكّنا من تعطيله أو حتى الانسحاب من الحكومة. وقد تُرجم هذا الرفض سياسيًا أولًا في موقف علني لرئيس كتلة الوفاء للمقاومة (الكتلة النيابية لحزب الله)، النائب محمد رعد، الذي هاجم القرار الحكومي، معتبرًا أنّه يأتي في سياق "قرارات عنترية ضد اللبنانيين الرافضين للاحتلال"، وقال إنّ اللبنانيين كانوا ينتظرون قرارًا "بحظر العدوان"، فإذا بهم أمام قرار "بحظر رفض العدوان"، مضيفًا أنّ موقف حزب الله ليس إلا تعبيرًا عن رفض "مسار الإذعان"، وعن الاعتراض على محاولة إقناع اللبنانيين أنّ "مصالحة العدو والخضوع لشروطه" هي الطريق الوحيد إلى الأمن والسلام. 
 
بعد هذا الموقف الأوّل، أطل الأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، في 4 آذار/مارس 2026، على شاشات التلفاز في أول إطلالة علنية له منذ بدء التصعيد، ليكرّس الموقف نفسه، ولكن بسقف أعلى وأوضح. فقد اتّهم الحكومة اللبنانية بأنها بدلًا من أن تواجه "العدوان الإسرائيلي-الأميركي" فإنّها اتجهت إلى مهاجمة المقاومة وتماهت مع المطالب الإسرائيلية، متسائلًا عن موقف الحكومة اللبنانية من "العدوان الواسع". كما شدّد على أنّه "طالما أنّ الاحتلال موجود، فالمقاومة وسلاحها حقّ مشروع"، وأنّ "موضوع المقاومة وسلاحها ليس مورد سجال من أحد ولا مع أحد"، معتبرًا أنّ ما يقوم به الحزب هو "ردّ على العدوان" و"دفاع وجودي" سيستمر "حتى تحقيق الأهداف"، مع تأكيده أيضًا أنّ القتال في لبنان، وفق خطابه، ليس مرتبطًا بأيّ معركة أخرى، بل يهدف إلى وقف العدوان الإسرائيلي وانسحاب إسرائيل من الأراضي التي تحتلها في جنوب لبنان. 
 
لم يقتصر هذا الرفض على المستوى السياسي، بل تُرجم عمليًا بسلسلة عمليات عسكرية تبنى حزب الله المسؤولية عنها في بيانات رسمية باسم "المقاومة الإسلامية"، وبوتيرةٍ تصاعدت من يومٍ إلى آخر. وقد صاغ الحزب أهداف هذه العمليات بوصفها ردًّا على "العدوان الإسرائيلي المجرم الذي طال عشرات المدن والبلدات اللبنانية"، في إشارةٍ مقصودة إلى نفي أي ارتباطٍ إقليمي مباشر لهذه العمليات. غير أنّ هذا النفي بدا متعارضًا مع البيان الأول الذي وضع الهجوم في خانة "الثأر" لاغتيال المرجع الأعلى علي خامنئي. ومع التصاعد، وصلت الأمور إلى مرحلة تداولت فيها قنوات تلفزيونية إسرائيلية مزاعم عن عمليات إطلاق صواريخ "مشتركة" من لبنان وطهران، بما يفتح باب الالتباس بشأن طبيعة المشهد وحدود الفصل بين الساحتين، بغضّ النظر عن صياغات الحزب الرسمية. ومن اللافت أيضًا إعلان الحزب عن استهداف دبابات إسرائيلية "متوغّلة"، ما يوحي بأن للحزب حضورًا عملياتيًا عسكريًّا في منطقة جنوب نهر الليطاني، خلافًا لتأكيدات الجيش اللبناني مرارًا عن خلو المنطقة من أي وجودٍ حزبي مسلّح.
 
موقف حركة أمل
 
لم يتطابق هذه المرّة موقف رئيس مجلس النواب ورئيس حركة أمل، نبيه برّي، الحليف الاستراتيجي والسياسي لحزب الله منذ أوائل التسعينيات، مع موقف الحزب في رفض القرار الحكومي. فقد ظهر هذا التمايز من خلال امتناع الوزيرين المحسوبين على حركة أمل عن الاعتراض على قرار الحكومة، خلافًا لوزيري حزب الله. إلا أنّ برّي امتنع، حتى الساعة، عن إعلان موقف علني واضح من التطوّرات، مكتفيًا بالردّ على سؤال لقناة تلفزيونية محلية بشأن الأوضاع الراهنة بعبارة: "لا تعليق". ويكتسب موقف وزرائه أهمية إضافية في ضوء ما نقلته وسائل إعلام عدّة، قبل اندلاع الحرب، عن تأكيده لجهات دولية أنّ حزب الله لن يبادر إلى فتح حرب إسناد لإيران في أي حرب قادمة، ليأتي فعل حزب الله مخالفًا لما نقله بري.
 
في المقابل، تردّدت تسريبات عدّة بشأن مواقف منسوبة إليه، بل جرى الحديث أيضًا عن بيان مرتقب سيؤيّد فيه القرار الحكومي بصورة علنية، لكن ذلك لم يحصل. بل أصدر مكتبه الإعلامي بيانًا مقتضبًا شدّد فيه على حصرية المواقف الصادرة عنه. بناء عليه، يمكن الحديث عن تمايز واضح في موقف بري وموقف حزب الله بخصوص القرار الحكومي من دون التصريح العلني بذلك، ما يعني عدم انفكاك عقد التحالف بين الطرفين من دون معرفة مستقبل موقف بري في مسار تنفيذ القرار الحكومي.
 
مواقف معارضة لحزب الله
 
هلّل معارضو حزب الله في الداخل اللبناني لقرار الحكومة، بل دفع وزراء حزب "القوات اللبنانية" في الحكومة اللبنانية باتجاه التعامل مع حزب الله بوصفه "منظمة خارجة على القانون". وفي السياق نفسه، رأى رئيس حزب "القوات اللبنانية"، سمير جعجع، أنّ قرار الحكومة يشكّل خطوة إضافية على طريق "قيام الدولة الفعلية"، معتبرًا أنّ المسؤولية انتقلت الآن إلى عاتق الأجهزة العسكرية والأمنية والقضائية لترجمته بحزم. كما دعا اللبنانيين إلى مساندة الحكومة اللبنانية من أجل بلوغ الدولة المنشودة في أسرع وقت.
 
وقد كان لحزب الكتائب اللبنانية موقف مماثل، فاعتبر الخطوة الحكومية "تاريخية"، وشدّد على أنّ المرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة التنفيذ العملي له. وفي هذا الإطار، دعا الحزب إلى إعادة النظر في العلاقات الدبلوماسية مع إيران، وصولًا إلى قطع هذه العلاقات وطرد بعثتها الدبلوماسية، الأمر الذي ترجم بقرار حكومي لاحق بفرض تأشيرات لدخول الإيرانيين إلى لبنان. كما طالب حزب الكتائب بإقفال المؤسسات الاقتصادية والمالية غير القانونية التي تشكّل، بحسب وصفه، امتدادًا تنظيميًا أو تمويليًا لجهات خارجة على الشرعية، وإخضاعها لأحكام القانون.
 
ولم يخرج عن هذا المسار سائر معارضي حزب الله، أفرادًا وكتلًا، بل إنّ التأييد شمل أيضًا قوى لم تكن في موقع الخصومة الكاملة معه، مثل الحزب التقدمي الاشتراكي، الذي وصف زعيمه التاريخي، وليد جنبلاط، قرار الحكومة بأنّه "ممتاز". كذلك أيّد التيار الوطني الحر قرار الحكومة، معلنًا دعمه للجيش اللبناني ولقائده في تنفيذ القرار، على أن يتم تحقيق ذلك من دون المساس بالسلم الأهلي. بناء عليه، حظي قرار الحكومة بإجماع واسع من معظم القوى السياسية اللبنانية، إضافة إلى عدد كبير من النواب المستقلين غير المتطابقين في توجهاتهم مع حزب الله. غير أنّ الاهتمام سرعان ما انتقل إلى مسار التنفيذ، بين من يخشى التراخي في تطبيقه، ومن يحذّر من الكيفية التي يتم بها تنفيذه، وتأثير ذلك في السلم الأهلي.
 
الموقفان الإسرائيلي والأميركي
 
لم تُبدِ إسرائيل اهتمامًا فعليًا بقرار الحكومة اللبنانية، بقدر ما اعتبرته خطوة متأخرة وغير كافية، إذ واصلت تصعيدها ميدانيًا وسياسيًا. فقد أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، أنّ إسرائيل ستزيد ضرباتها في لبنان، بينما قال رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، إيال زامير، إن الهجمات ستستمر "حتى نزع سلاح حزب الله"، معتبرًا أن إسرائيل كانت قد حذّرت الحكومة اللبنانية والجيش اللبناني مرارًا لتفكيك سلاح الحزب، وأنهما "لم يتحركا"، على حد تعبيره، في حين فوّض وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، الجيش الإسرائيلي بالتقدّم والسيطرة على مواقع إضافية داخل الأراضي اللبنانية.
 
على الأرض، لم يقتصر التصعيد على الجنوب، بل اتّسع جغرافيًا، ليشمل موجات غارات شديدة على الضاحية الجنوبية لبيروت، التي طالب المتحدث باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي بإخلائها بشكل كلي، مساء الخامس من آذار/مارس. وقد شملت الاعتداءات مدنًا وبلدات عدّة في جنوب لبنان والبقاع، بالتوازي مع أوامر إخلاء لسكان عشرات القرى اللبناني، كان أوسعها في 4 آذار/مارس، حين أصدر جيش الاحتلال إنذارًا بإخلاء كامل المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني، ودعا السكان إلى النزوح فورًا إلى شمال النهر، وحذرهم من محاولات العودة إلى منازلهم. وترافق ذلك مع إعلانات عن توغلات برّية وتقدّم داخل نقاط حدودية متعددة، من دون اتّضاح سقف هذا التوغّل أو هدفه النهائي. وبحسب وزارة الصحة اللبنانية، أسفرت الضربات الإسرائيلية منذ بدء هذا التصعيد عن مقتل ما لا يقلّ عن 294 شخصًا وإصابة 1023 آخرين، حتى يوم السبت 7 آذار/مارس 2026.
 
أما الولايات المتحدة الأميركية، فقد نُقل في وقت سابق أنها أبلغت، عبر سفيرها في بيروت ميشال عيسى، رسالة إلى الرئيس اللبناني جوزاف عون تؤكد أنّ إسرائيل لا تنوي التصعيد ضد لبنان ما لم تصدر "أعمال عدائية من الجانب اللبناني". ولكن، بعد انخراط حزب الله بالحرب في الثاني من آذار/مارس، غاب أي تعليق سياسي أميركي رسمي مباشر ومفصّل على الأحداث المتسارعة في لبنان، في وقتٍ بدا تركيز واشنطن منصبًّا أساسًا على مركز المواجهة في إيران وتداعياتها الإقليمية الأوسع، ما أوحى بترك هامش واسع للحركة الإسرائيلية في الشأن اللبناني. في المقابل، اتخذت الولايات المتحدة سلسلة من الإجراءات الاحترازية المرتبطة بلبنان، بدأت قبل اندلاع الجولة الأخيرة من التصعيد، إذ كانت السفارة الأميركية في بيروت قد أمرت، في 23 شباط/فبراير، بمغادرة موظفيها غير الطارئين وأفراد عائلاتهم بسبب "الوضع الأمني في بيروت"، قبل أن تُشدّد لاحقًا إجراءاتها مع استمرار التوترات، وصولًا إلى إعلان إغلاق السفارة في بيروت "حتى إشعار آخر".
 
التحديات والصعوبات في تطبيق القرار
 
يواجه تنفيذ قرار الحكومة اللبنانية تحديات كبيرة ومعقّدة، تبدأ برفض حزب الله العلني له واستمرار الحزب في العمل الميداني، ما يعني أنّ الجهة المستهدفة بالقرار لا تتعامل معه بوصفه ملزمًا سياسيًا أو عسكريًا، الأمر الذي يجعل تنفيذ القرار بالتراضي، كما جرت العادة في لبنان، بعيدًا عن الواقع. ولا يبدو الجيش اللبناني متحمّسًا لتنفيذ قرار الحكومة، وهو ما ظهر مما تسرّب عن اعتراض قائد الجيش العماد رودولف هيكل في اجتماع مجلس الوزراء في الثاني من آذار/مارس، انطلاقًا من أنّ تنفيذ هذا القرار بالقوة قد يفتح الباب أمام صدام القوى الأمنية الرسمية بحزب الله، وقد يتحوّل إلى اقتتال لبناني-لبناني داخلي، بل ربما إلى حدوث انقسام داخل القوى الأمنية نفسها، المؤلّفة من مختلف الطوائف اللبنانية.
 
إضافة إلى ذلك، فإنّ التصعيد الإسرائيلي المتواصل، من غارات وتوغلات وتوسيع للنطاق الجغرافي للقصف والاحتلال، يجعل تنفيذ القرار أكثر صعوبة، لأنّ الدولة مطالَبة بفرضه في لحظة حرب مفتوحة، لا في لحظة استقرار، ما يفتح الباب أمام سؤال جوهري بشأن كيفية تطبيقه، وآليات هذا التطبيق، في ظلّ الوضع الراهن. في المقلب الآخر، لم تتلقّف إسرائيل قرار الحكومة اللبنانية حظر سلاح حزب الله ونشاطه بما يفتح بابًا لإنهاء العدوان القائم، أو الانسحاب من لبنان، أو الاستجابة للمطالب اللبنانية الأخرى. بل على العكس من ذلك، طلبت إسرائيل إخلاء كامل الجنوب اللبناني (جنوب نهر الليطاني) والضاحية الجنوبية لبيروت، أي نزوح ما يقارب مليون إنسان. ويزداد الأمر تعقيدًا في ظلّ إعادة تموضع الجيش اللبناني في مواقعه الحدودية تجنّبًا للصدام مع القوات الإسرائيلية المتقدّمة، بما يطرح إشكالية الانكشاف شبه الكامل لسكان الجنوب أمام الضربات والأطماع الإسرائيلية، من دون وجود أفق واضح لنتائج قرار الحكومة اللبنانية على مستوى كبح التهديد الإسرائيلي، ما قد يُفقد القرار شرعيته لدى شريحة من اللبنانيين، وأبرزها أهالي الجنوب.
 
بناء عليه، صحيح أنّ قرار الحكومة اللبنانية حظي بترحيب واسع من معظم الأحزاب والقوى اللبنانية، إلا أنّه يواجه صعوبات جدّية ومخاوف متزايدة من تداعيات تطبيقه، ولا سيّما لدى الأطراف المعنية مباشرة، من قوى أمنية وحزب الله وبيئته.
 
تُظهر التطورات الأخيرة أنّ لبنان دخل مرحلة شديدة الحساسية والتعقيد، يتقاطع فيها التصعيد العسكري مع محاولة داخلية لإعادة تثبيت مرجعية الدولة في قرارَي الحرب والسلم وحصرية السلاح؛ فقرار الحكومة شكّل من حيث المبدأ تحوّلًا سياسيًا كبيرًا، سواء لجهة وضوحه في مقاربة سلاح حزب الله أو لجهة حجم التأييد الداخلي الذي حظي به، إلا أنّ هذا التحوّل لا يزال يصطدم بواقع ميداني وأمني معقّد، عنوانه استمرار الحرب، ورفض حزب الله الامتثال له، واحتمالية تردد القوى الأمنية والعسكرية في الذهاب إلى مواجهة داخلية مفتوحة، في ظلّ بيئة لبنانية هشّة ومنقسمة وأوضاع جنوبية مكشوفة أمام الضغط الإسرائيلي المتصاعد، من شأنها أن تقلب الموقف اللبناني العام من قرار الحكومة.
 
من هنا، فإنّ قيمة القرار لا تُقاس فقط بجرأته السياسية، بل بقدرة الدولة اللبنانية على إدارته ضمن توازن بالغ الدقة: توازن بين فرض هيبتها وسيادتها من جهة، ومنع الانزلاق إلى صدام داخلي أو إلى مزيد من الانقسامات الحادة، من جهة أخرى. وفي المقابل، فإنّ استمرار إسرائيل في تجاهل قرار الحكومة اللبنانية والتعامل معه بوصفه غير كافٍ، مع توسيع رقعة عملياتها العسكرية وتهجير ما يقارب مليون إنسان، يضعف فرص تحويله إلى مدخل سريع لخفض التصعيد، ويجعل تنفيذه أكثر تعقيدًا من الناحية السياسية والميدانية.
 
في ضوء ذلك، ستبقى الأيام المقبلة كفيلة بحسم ما إذا كان هذا القرار يمثّل بداية مسار تأسيسي جديد لاستعادة الدولة اللبنانية سيادتها واحتكارها القوة، أم إنّه لن يتجاوز كونه موقفًا سياسيًا مرتفع السقف تصطدم ترجمته العملية بحدود القوة والواقع. كما ستكشف هذه المرحلة ما إذا كان الشروع في تنفيذه سيفتح الباب أمام توترات وصراعات داخلية، أو أنّ التصعيد الإسرائيلي المتنامي سيقوّض أصلًا المسعى السيادي للدولة، ويُسقط القرار الحكومي، أو يُفرغ أهدافه في إنتاج الاستقرار من مضمونها بحكم الوقائع الميدانية.