كُتّاب الموقع
ترامب يسعى إلى فرض تصوره الخاص للنظام العالمي

العرب اللندنية

الجمعة 9 كانون الثاني 2026

دونالد ترامب لا يعتمد فقط في سياساته الخارجية على القوة العسكرية، بل يظهر استعدادا لاستخدام أدوات الضغط الاقتصادي، من عقوبات وتعريفات جمركية، لتحقيق أهداف سياسية.
 
كاراكاس- أظهرت عملية اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا يكتفي بإدارة السياسة الخارجية، بل يسعى إلى فرض تصور خاص للنظام العالمي.
 
الغارة الليلية التي نُقل على إثرها مادورو وزوجته من قاعدة عسكرية محصنة قرب كاراكاس إلى سجن في نيويورك حملت رسالة مباشرة إلى الحلفاء والخصوم على حد سواء بشأن استعداد الولايات المتحدة للتحرك أحاديا ضد القادة الذين تراهم تهديدا لمصالحها وأمنها.
 
وربط ترامب في المؤتمر الصحفي الذي أعلن فيه عن العملية مستقبل النظام الدولي بحماية التجارة والأراضي والموارد، وقدمها بوصفها ركائز دائمة لموازين القوى العالمية، مؤكدا عزمه على الحفاظ على هذا الواقع.
 
وأثار هذا الموقف صدمة واسعة، وقوبل بانتقادات من عواصم تمتد من برازيليا إلى بكين. وجاء اعتقال مادورو بعد سلسلة من الضربات التي نفذتها الولايات المتحدة في الصومال ونيجيريا وسوريا والعراق وإيران، إضافة إلى عمليات في المياه الدولية، ممّا دفع كثيرين إلى اعتبار هذه الخطوة تتويجا لسياسة خارجية أكثر هجومية تضع تفسير ترامب للمصالح الأميركية فوق أيّة اعتبارات أخرى.
 
ووصف سون تشنغهاو، الباحث في مركز الأمن الدولي والإستراتيجية بجامعة تسينغهوا، في تحقيق لبلومبيرغ سقوط مادورو بأنه درس صريح في سياسة القوة، معتبرا أنه يسرّع تحوّلا أوسع نحو نظام عالمي مُعاد تشكيله، لاسيما بالنسبة إلى دول مثل الصين.
 
 
وبينما تجري محاكمة مادورو في نيويورك، لم يُخفِ ترامب رغبته في توسيع دائرة الضغط، حيث غذّى التكهنات حول أهداف محتملة لاحقة.
 
وبرزت كوبا في مقدمة هذه الأهداف بعد فقدانها أحد أبرز داعميها باعتقال مادورو، حيث قال ترامب إن واشنطن تريد مساعدة الشعب الكوبي. كما وجّه تحذيرا مباشرا إلى الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو بضرورة توخي الحذر.
 
ترامب لا يعتمد فقط على القوة العسكرية، بل أظهر استعدادا لاستخدام أدوات الضغط الاقتصادي، من عقوبات وتعريفات جمركية، لتحقيق أهداف سياسية.
 
وفي سياق آخر أعاد ترامب طرح قضية غرينلاند، الإقليم التابع للدنمارك العضو في حلف شمال الأطلسي، معلنا على متن طائرة الرئاسة أن الولايات المتحدة تحتاج إلى غرينلاند لأسباب تتعلق بالأمن القومي، ومشككا في قدرة الدنمارك على إدارتها.
 
وقوبلت التصريحات برفض قاطع من رئيسة وزراء الدنمارك، التي أكدت أن واشنطن لا تملك أي حق في ضم أراض دنماركية، واعتبرت أن أي استيلاء أميركي سيمثّل نهاية حلف شمال الأطلسي.
 
ورغم أن سيناريو هجوم عسكري أميركي في القطب الشمالي لا يزال مستبعدا، فإن التطورات الأخيرة تجعل من الصعب استبعاد أي احتمال. فترامب لا يعتمد فقط على القوة العسكرية، بل يظهر استعدادا لاستخدام أدوات الضغط الاقتصادي، من عقوبات وتعريفات جمركية، لتحقيق أهداف سياسية. كما عبّر مستشاروه، وعلى رأسهم نائب الرئيس جيه دي فانس، علنا عن دعمهم لأحزاب معارضة أوروبية يرون أنها أكثر قدرة على حكم القارة.
 
وقد تبدو هذه التحركات متناقضة مع صورة ترامب التي قدّمها سابقا بوصفه “صانع سلام”، لكنها تنسجم مع النهج الأكثر صرامة الذي تبناه في ولايته الثانية، سواء عبر نشر الحرس الوطني في مدن أميركية أو دعمه حملات ترحيل واسعة للمهاجرين.
 
وقد عززت عملية فنزويلا، التي نُفذت دون تشاور مع الحلفاء أو توضيح لتداعياتها على البلاد، الانطباع بأن ترامب يتحرك أولا ثم يتعامل مع العواقب لاحقا.
 
ويرى بدر السيف، الأستاذ المساعد في جامعة الكويت والباحث المشارك في تشاتام هاوس، أن الحديث المتكرر عن عالم متعدد الأقطاب يتناقض مع ما تكشفه إدارة ترامب، التي تُظهر ملامح نظام إمبريالي أكثر منه توازنا دوليا جديدا.
 
حتى الحلفاء التقليديون لم يسلموا من الخطاب الحاد. وقد لمح ترامب إلى احتمال ضمّ كندا إلى الولايات المتحدة كولاية حادية وخمسين، وهدد بعمل عسكري ضد بنما لمنع الصين من تعزيز نفوذها على قناة بنما. وحذّر في مقابلة مع فوكس نيوز من ضرورة اتخاذ إجراء بشأن المكسيك، متهما الرئيسة كلوديا شينباوم بالعجز عن السيطرة على عصابات المخدرات، ومؤكدا أن هذه العصابات هي التي تدير البلاد فعليا.
 
وتمثل هذه التحركات مجتمعة قطيعة واضحة مع “النظام العالمي” الذي تشكّل بعد الحرب الباردة، والذي اعتمدت فيه الإدارات المتعاقبة في واشنطن على العمل مع الحلفاء والمؤسسات متعددة الأطراف، مع الحفاظ على القيادة الأميركية.
 
ورغم استثناءات بارزة، مثل غزو العراق عام 2003، حرصت واشنطن غالبا على إضفاء غطاء دولي على تحركاتها. أما في عهد ترامب فقد تلاشت هذه الاعتبارات، وحلّ محلها نهج أحادي يستدعي نماذج استعمارية تقوم على استقلال شكلي وهيمنة فعلية عبر الضغط الاقتصادي والقوة العسكرية.
 
بدر السيف: الحديث المتكرر عن عالم متعدد الأقطاب يتناقض مع ما تكشفه إدارة ترامب، التي تُظهر ملامح نظام إمبريالي أكثر منه توازنا دوليا جديدا
 
ومن سمات هذا النهج البارزة، كما يتجلى في أوكرانيا واليمن والصراع في غزة، التركيز على المكاسب السريعة بدل معالجة القضايا المعقدة المرتبطة بالحكم والاستقرار طويل الأمد.
 
ويشير السيف إلى أن ما يجري في فنزويلا، إلى جانب الغموض المحيط بمجلس السلام المقترح لغزة والتصريحات الاستفزازية حول غرينلاند وكندا، ينذر بعواقب خطيرة في ظل اضطراب عالمي متصاعد.
 
وينبه منتقدو هذا التوجه إلى أنه قد يرتد في نهاية المطاف على المصالح الأميركية نفسها، حيث قد يشجع الصين على استعادة تايوان أو يدفع روسيا إلى تجديد محاولاتها لإزاحة الرئيس الأوكراني فولوديميرزيلينسكي. وقد يحوّل هذا النهج التوترات المحلية إلى صراعات كبرى، من بحر الصين الجنوبي إلى جبال الهيمالايا.
 
عملية فنزويلا، التي نُفذت دون تشاور مع الحلفاء أو توضيح لتداعياتها على البلاد، عززت الانطباع بأن الرئيس الأميركي يتحرك أولا ثم يتعامل مع العواقب لاحقا.
 
ومع ذلك، يوضح ترامب ومستشاروه أن هدفهم الجامع هو الهيمنة الاقتصادية. وقد أكد ترامب ووزير خارجيته ماركو روبيو أن واشنطن تسعى للوصول إلى احتياطيات النفط الفنزويلية، التي تمثل 17 في المئة من الإمدادات العالمية. وقال ترامب إن شركات النفط الأميركية ستستثمر مليارات الدولارات لإعادة تأهيل البنية التحتية للطاقة في فنزويلا وتحقيق أرباح للبلاد.
 
ولا تقتصر الحسابات على النفط وحده. ففي أوكرانيا، وقعت الولايات المتحدة اتفاقية للوصول إلى الموارد المعدنية ضمن دعمها لحكومة زيلينسكي.
 
وتشير خيمينا زونيغا، محللة الجغرافيا الاقتصادية في بلومبيرغ إيكونومكس، إلى أن فنزويلا تمتلك أيضا ساحلا طويلا، وشواطئ كاريبية، وموانئ إستراتيجية تربط قناة بنما وساحل خليج المكسيك وأوروبا، وهو ما يجعلها ذات أهمّية جيوسياسية واقتصادية كبيرة. وترى زونيغا أن نجاح إزاحة مادورو قد يشجع الإدارة على تصعيد الضغط على كوبا أو أنظمة أخرى، بينما قد يحد الفشل من اندفاعها.
 
ويتعقد فهم مبررات العملية بسبب تضارب الرسائل داخل الإدارة الأميركية. وقد وصف روبيو العملية بأنها إحياء حديث لمبدأ مونرو الذي يعود إلى القرن التاسع عشر، والذي حذرت فيه الولايات المتحدة الدول الأوروبية من التدخل في شؤون نصف الكرة الغربي، معلنة إياه منطقة محظورة على الاستعمار.
 
ونفى ترامب ذلك لاحقا، مؤكدا في مقابلة مع مجلة “ذا أتلانتيك” أن التركيز كان على دول بعينها لا على نصف الكرة الغربي بأكمله، قبل أن يشير لاحقا إلى أن كوبا قد تنهار دون تدخل.
 
وأثارت العملية انتقادات داخلية بشأن انشغال ترامب بالسياسة الخارجية على حساب القضايا الاقتصادية، مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي بعد نحو عشرة أشهر.
 
وفي واشنطن اصطفّ الجمهوريون المتشددون الذين لا يتمتعون سوى بنفوذ محدود لدى الرئيس حوله، في حين بدا المحافظون المؤيدون لترامب، والمعروفون عادة بمعارضتهم للتدخلات العسكرية الخارجية، أكثر تحفظا وهدوءا في ردودهم. وقد يطرأ تغير على هذا التوازن خلال الأسابيع المقبلة، خصوصا إذا انزلقت فنزويلا نحو الفوضى.
 
لقد ظل الائتلاف الداعم للرئيس متماسكا في أعقاب الأزمة. ويبقى التساؤل المطروح هو ما إذا كان هذا التماسك قابلا للاستمرار.
 
ولفتت الإستراتيجية الجمهورية مورا غيليسبي إلى أن سلوك الإدارة لا ينسجم مع الوعود التي أُطلقت خلال الحملة الانتخابية، مُشيرة إلى حالة الارتباك التي تسود في الداخل، حيث ينصبّ اهتمام كثيرين بالدرجة الأولى على الكيفية التي ستنعكس بها هذه التطورات عليهم بشكل مباشر.
 
وعلى الصعيد الدولي، تباينت مواقف الحكومات إزاء تحركات ترامب في فنزويلا بين التأييد والإدانة، مع بروز أشدّ أشكال الرفض من دول في أميركا اللاتينية. وقد ندد قادة المكسيك والبرازيل وكولومبيا بالضربات، فيما اعتبرت رئيسة وزراء المكسيك، كلوديا شينباوم، أن ما جرى يشكل انتهاكا لميثاق الأمم المتحدة.
 
خيار المظلة الدولية تلاشى وحلّ محلها نهج أحادي يقوم على هيمنة فعلية عبر الضغط الاقتصادي والقوة العسكرية
 
وتدلّ المؤشرات على أن موجة الانتقادات مرشحة للتصاعد، حيث وصف بيان مشترك صادر عن عدد من دول أميركا اللاتينية هذه الخطوة بأنها سابقة بالغة الخطورة تهدّد السلام والأمن الإقليميين.
 
وكان من المنتظر أن يعقد مجلس الأمن الدولي، الذي أُنشئ أساسا لمنع مثل هذه الأعمال العسكرية والتوسط في النزاعات، جلسة طارئة يوم الإثنين. غير أن المجلس يعاني منذ سنوات حالة شلل بفعل الصراعات في الشرق الأوسط وأوكرانيا، إضافة إلى لجوء الولايات المتحدة إلى استخدام حق النقض ما يجعل التوصل إلى توافق أمرا غير مرجح.
 
ورغم موجة الغضب، لم يُظهر ترامب أي اكتراث بالانتقادات، ولم يبدِ أي استعداد للتراجع عن موقفه.
 
في المقابل، تتابع دول أخرى هذه التطورات عن كثب. وأفاد مسؤول حكومي هندي رفيع بأن الهند ستُعيد توجيه أولوياتها نحو تعزيز قوتها العسكرية، في حين تساءل محللون عما إذا كانت الصين قد تنظر إلى الخطوة الأميركية كنموذج محتمل لاستهداف قيادة تايوان دون اللجوء إلى غزو شامل. وفي السياق ذاته، أعلن الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش أن النظام العالمي القديم يشهد انهيارا، معتبرا أن القانون الدولي لم يعد قائما.