كُتّاب الموقع
استخدام ترامب لـ"عقيدة مونرو" في فنزويلا يشجع روسيا والصين على اعتماد نهج مماثل

العرب اللندنية

الإثنين 5 كانون الثاني 2026

علّل الرئيس الأميركي دونالد ترامب السبت عملية القبض على نظيره الفنزويلي نيكولاس مادورو بضرورة استعادة الولايات المتحدة نفوذها على مجمل قارة أميركا من دون أي منازع، ما قد يشجع الصين وروسيا على اتباع نهج مماثل في محيطهما المباشر.
 
وشرح ترامب أن هذه العملية الليلية التي نفذتها القوات الأميركية في العاصمة الفنزويلية كراكاس، تندرج في إطار إحياء لما يعرف بـ”عقيدة مونرو”، وهو مبدأ في السياسة الأميركية نشأ قبل أكثر من قرن، ومفاده أن أميركا اللاتينية ينبغي أن تكون منطقة نفوذ للولايات المتحدة محظورة على القوى الأجنبية.
 
وقال في مؤتمره الصحافي عن عملية كراكاس “أصبحنا الآن نسمّيها عقيدة +دونرو+”، وهي كلمة مركّبة تجمع الأحرف الثلاثة الأولى من اسمه الأول “دون” مع الجزء الأخير “رو” من اسم شهرة سلَفه البعيد جيمس مونرو. وأضاف بفخر “إن عقيدة مونرو مهمة جدا، لكننا تجاوزناها إلى حد بعيد”.
 
وتابع موضحا “في إطار استراتيجيتنا الجديدة للأمن القومي، لن تُمَسَّ بعد الآن السيطرة الأميركية في النصف الغربي من الكرة الأرضية”.
 
وكان ترامب يشير بذلك إلى الوثيقة التي نشرتها إدارته قبل نحو شهر وأعادت رسم “استراتيجية الأمن القومي” للولايات المتحدة وفقا لتوجهات قومية الطابع.
 
المنطقة لم تعد تُرى فقط كساحة نفوذ، بل كخط دفاع أول ضد موجات الهجرة غير النظامية، والجريمة العابرة للحدود، وتجارة المخدرات
 
وفي إطار ما وصفته “استراتيجية الأمن القومي” الجديدة بـ”ملحق ترامب” لمبدأ مونرو، أشارت إلى أن الولايات المتحدة ستسعى للوصول إلى موارد ومواقع استراتيجية في أميركا اللاتينية لضمان أن تكون دول المنطقة “مستقرة ومحكومة جيدا بما يكفي لمنع الهجرة الجماعية إلى الولايات المتحدة والثني عنها”.
 
ونصت الوثيقة أيضا على أن الولايات المتحدة “لن تقبل بأن تكون للمنافسين من خارج النصف الغربي من الكرة الأرضية إمكانية تموضُع قوات أو قدرات أخرى (في هذه المنطقة) تشكّل تهديدا، أو بأن تمتلك أو تسيطر فيها على أصول استراتيجية”، في إشارة إلى الصين، المشتري الرئيسي للنفط الفنزويلي.
 
غير أن هذا النهج التوسعي قد يشجّع خصوم الولايات المتحدة، وفي مقدّمهم الصين وروسيا، على اتباع سلوك مماثل في مناطق نفوذهم، ولا سيما بكين تجاه تايوان وروسيا حيال أوكرانيا.
 
وقبل أيام قليلة من العملية التي استهدفت نيكولاس مادورو وكان مقررا تنفيذها أصلا في نهاية 2025، أجرت الصين التي تعتبر تايوان جزءا لا يتجزأ من أراضيها، محاكاة لحصار حول الجزيرة وهجمات على أهداف بحرية.
 
وقد تُشكّل العملية في فنزويلا أيضا تحذيرا لحلفاء الولايات المتحدة القلقين من تلويح دونالد ترامب بالاستحواذ على الموارد الاستراتيجية، وأبرزها مجاهرته بعزمه على ضمّ إقليم غرينلاند الدنماركي المتمتع بحكم ذاتي.
 
وقالت مديرة مركز الأبحاث والتحليل العسكري “ديفنس برايورتيز” جنيفر كافانا “لن تجد الولايات المتحدة صعوبة كبيرة في أن ترسل بضع مئات أو بضعة آلاف من العسكريين إلى غرينلاند، ولا أرى من يمكنه الاعتراض على ذلك”.
 
ولاحظت كافانا أن العملية في فنزويلا “تطرح سؤالا مفاده: إذا كان بوسع الولايات المتحدة أن تعلن أن مسؤولا ما لا يتمتع بالشرعية، وأن تطيح به وتحكم بلده، فماذا يمنع دولا أخرى من أن تفعل الأمر نفسه؟”.
 
وأعرب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش عن قلقه مما وصفه بأنه “سابقة خطيرة” تشكّلها العملية الأميركية.
 
إذا كان بوسع الولايات المتحدة أن تعلن أن مسؤولا ما لا يتمتع بالشرعية، وأن تطيح به وتحكم بلده، فماذا يمنع دولا أخرى من أن تفعل الأمر نفسه؟.
 
وما يعزز فرضية تشجيع روسيا والصين على أن تحذوا حذو الولايات المتحدة، أن واشنطن، في عهد دونالد ترامب، تبدو وكأنها تراجعت عن سياستها الصارمة تجاه بكين وموسكو.
 
وتركّز الاستراتيجية الأميركية الجديدة للأمن القومي مجددا على المحيط الإقليمي القريب للولايات المتحدة، وتعتمد نبرة هادئة تجاه الصين وروسيا، ما جعل بعض منتقديها يستنتجون أن دونالد ترامب يقرّ لهما بتفوّق داخل مجالَي نفوذهما.
 
ورأى الباحث في مركز “أتلانتيك كاونسل” ألكسندر غراي الذي كان عضوا في مجلس الأمن القومي خلال ولاية ترامب الأولى، أن هذه العملية تنذر في الحد الأدنى بنهج أميركي أشد صرامة في أميركا اللاتينية.
 
واضاف “من الواضح جدا أن لا تساهُل بعد اليوم مع النوع ذاته من النفوذ المحدود للصين أو روسيا أو إيران الذي خبرناه خلال العقدين المنصرمين”.
 
وتعود جذور التفكير الأميركي في الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى بدايات تشكّل الدولة الأميركية نفسها، حين ارتبط الأمن القومي منذ القرن التاسع عشر بفكرة “العمق الجغرافي الآمن”. فالنخب الأميركية رأت مبكرًا أن أي وجود لقوى كبرى منافسة في أميركا اللاتينية يشكل تهديدًا مباشرًا لأمن الولايات المتحدة، ليس فقط عسكريًا، بل اقتصاديًا وسياسيًا، نظرًا لقرب المنطقة من السواحل الأميركية وارتباطها الحيوي بخطوط التجارة والطاقة والهجرة.
 
وظلت هذه الرؤية حاضرة، وإن بصيغ متفاوتة، في السياسات الأميركية المتعاقبة، حتى في الفترات التي رفعت فيها واشنطن شعارات التعددية الدولية.
 
وخلال الحرب الباردة، تحولت أميركا اللاتينية إلى أحد أهم مسارح الصراع غير المباشر بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، حيث دعمت واشنطن انقلابات عسكرية وأنظمة سلطوية موالية لها، بذريعة منع تمدد الشيوعية.
 
ورغم انتهاء تلك المرحلة، فإن الذاكرة السياسية في المنطقة لا تزال مشبعة بصور التدخل الأميركي، ما يفسر الحساسية العالية تجاه أي تحرك عسكري أو أمني مباشر، حتى وإن جرى تبريره بخطاب “استعادة الاستقرار” أو “حماية الديمقراطية”.
 
وفي المقابل، شهد العقدان الأخيران تراجعًا نسبيًا في الانخراط الأميركي في أميركا اللاتينية، بالتوازي مع تركيز واشنطن على الشرق الأوسط ثم على المنافسة مع الصين في آسيا.
 
وأتاح هذا الفراغ النسبي لبكين وموسكو توسيع حضورهما الاقتصادي والعسكري والدبلوماسي في المنطقة، عبر استثمارات كبرى في الطاقة والبنية التحتية، واتفاقات تسليح، وشراكات سياسية مع حكومات مناهضة للنفوذ الأميركي، وعلى رأسها فنزويلا.
 
وتكتسب فنزويلا أهمية خاصة في هذا السياق، ليس فقط بسبب موقعها الجغرافي، بل أيضًا بسبب امتلاكها أحد أكبر احتياطات النفط في العالم. فالصراع حول كاراكاس لا ينفصل عن صراع أوسع على الطاقة، في لحظة دولية تشهد إعادة رسم خرائط النفوذ الاقتصادي مع تصاعد التوتر بين القوى الكبرى.
 
النهج التوسعي قد يشجّع خصوم الولايات المتحدة، وفي مقدّمهم الصين وروسيا، على اتباع سلوك مماثل في مناطق نفوذهم
 
وقد مثّل الانفتاح الفنزويلي على الصين وروسيا تحديًا مباشرًا للولايات المتحدة، التي رأت في ذلك اختراقًا غير مقبول لنطاق نفوذها التقليدي.
 
كما أن البعد الداخلي الأميركي يلعب دورًا حاسمًا في تفسير هذا التحول. فتصاعد النزعة القومية داخل الولايات المتحدة، وتراجع الثقة بالمؤسسات الدولية، وتعاظم الخطاب المعادي للهجرة، كلها عوامل دفعت صانعي القرار إلى الربط بين استقرار أميركا اللاتينية وأمن الحدود الأميركية.
 
وبهذا المعنى، لم تعد المنطقة تُرى فقط كساحة نفوذ، بل كخط دفاع أول ضد موجات الهجرة غير النظامية، والجريمة العابرة للحدود، وتجارة المخدرات.
 
وعلى المستوى الدولي، تأتي هذه التطورات في لحظة يتآكل فيها الإجماع حول قواعد النظام العالمي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية. فمبدأ احترام السيادة وعدم التدخل بات موضع اختبار متكرر، سواء في أوكرانيا أو غزة أو تايوان، ما يجعل أي سابقة جديدة مادة لتبرير سلوكيات مشابهة من قوى أخرى.
 
ومن هنا، تبرز المخاوف من أن يؤدي تكريس منطق “مناطق النفوذ الحصرية” إلى سباق دولي لإعادة ترسيم الحدود السياسية بالقوة.
 
وتنظر الصين وروسيا إلى هذه التحركات من زاوية مصلحية بحتة، حيث تسعيان منذ سنوات إلى تكريس مفهوم “الأمن الإقليمي المغلق”، الذي يمنح كل قوة كبرى حق إدارة محيطها المباشر من دون تدخل خارجي.
 
وقد استخدمت موسكو هذا المنطق في تبرير سياساتها في الفضاء السوفياتي السابق، بينما تعتمد بكين سردية مشابهة بشأن بحر الصين الجنوبي وتايوان. وعليه، فإن أي خطوة أميركية تعزز هذا المنطق قد تُضعف قدرة واشنطن على الاعتراض عليه مستقبلًا.
 
وأما بالنسبة لحلفاء الولايات المتحدة، ولا سيما في أوروبا، فإن هذه التطورات تثير تساؤلات حول حدود الضمانات الأميركية، وحول ما إذا كانت واشنطن تعيد ترتيب أولوياتها على حساب الالتزامات التقليدية. فالنقاش لم يعد محصورًا في فنزويلا أو أميركا اللاتينية، بل يمتد إلى مفهوم القيادة الأميركية ذاته، وما إذا كان يتحول من قيادة قائمة على القواعد والمؤسسات، إلى قيادة تستند إلى موازين القوة المباشرة.