كُتّاب الموقع
قطر تخترق وتركيا تحتوي: إيران ترغب في التسوية وإسرائيل تعرقل

منير الربيع

الإثنين 2 شباط 2026

وصلت المساعي الديبلوماسية التي خاضتها عواصم عديدة، وآخرها موسكو وأنقرة والدوحة إلى رسم ملامح إطار تفاوضي شامل بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران لتجنب اندلاع حرب واسعة في المنطقة. عملياً تسهم هذه المساعي في تأخير الحرب، وصولاً إلى حد إلغائها في حال تم التوصل إلى اتفاق. لكن ذلك لا يعني أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد تراجع عن شنها أو تنفيذ عملية عسكرية، فالحشود الأميركية في المنطقة والضغوط الإسرائيلية كلها قد تؤدي من جديد إلى عودة ارتفاع منسوب التوتر. الأساس الذي أصبح واضحاً أن هناك مساراً جديداً للتفاوض يشمل كل الملفات، بما في ذلك ما سينعكس على الوضعية داخل إيران وتوازنات بنية النظام. تجد إيران نفسها ملزمة بتقديم تنازلات، لحماية نفسها ونظامها، وسط إصرار من جهات داخل النظام الإيراني على التمسك بالمفاوضات بدلاً من اللجوء إلى الحرب. 
 
لاريجاني وكلمة السر
 
هناك من يعتبر أن لاريجاني هو الذي سيكون عقدة الربط والحلّ، نظراً لموقعه وقربه من الخامنئي، بالإضافة إلى تجربته التاريخية التي تضعه على تقاطعات متعددة، تتيح له لعب دور في ترتيب مرحلة انتقالية جديدة داخل إيران أو في الخارج من خلال الاتفاق مع الولايات المتحدة الأميركية. وبحسب المعلومات، فإن لاريجاني، ومن موقعه، وهو المعني الأول بعد مرشد الجمهورية باتخاذ القرارات، وحتى المفاوضات مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية أصبحت منوطة به، بالإضافة إلى قرار التفاوض، أما قرار الحرب والذي يكون لدى الحرس فهو سيكون شريكاً به، كل ذلك هو ما دفع لاريجاني إلى التحدث بكلمة سر حول تقدم مسار المفاوضات نحو وضع إطار للوصول إلى اتفاق مع الأميركيين. وما بنى عليه لاريجاني كلامه يرتبط بزيارته لروسيا وما تحقق فيها، خصوصاً أن خطوط التواصل الروسي الاميركي كانت مفتوحة. 
 
صيغة قطرية للتسوية
 
كان الأساس أيضاً، في زيارة رئيس وزراء دولة قطر محمد بن عبد الرحمن آل ثاني لإيران. وبحسب المعلومات، فإن قطر، وانطلاقاً من علاقاتها الجيدة مع كل دول الخليج، ومع أميركا وإيران، نجحت في الوصول إلى صيغة مع الإيرانيين، تقضي بالتخلي عن بلوغ مرحلة إنتاج سلاح نووي، والتركيز على المشروع السلمي وتحديد نسبة التخصيب. كذلك تطرح قطر، وبناء على التواصل مع الأميركيين، مسألة الدخول في مفاوضات مباشرة بين الجانبين، ووضع إطار للتفاوض على كل الملفات العالقة، والوصول إلى حل شامل لها، وعدم الاكتفاء بالتفاوض حول الملف النووي، كما كان يطلب الإيرانيون.  وهنا فإن فكرة رئيس وزراء قطر محمد بن عبد الرحمن آل ثاني والتي نقلها إلى الإيرانيين هي العمل على عقد مفاوضات مباشرة بين طهران وواشنطن سريعاً، وهو ما ارتبط بالتحضير لعقد اجتماع بين المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف ووفد إيراني قد يضم وزير الخارجية عباس عراقجي وعلي لاريجاني. وهو ما عملت عليه أيضاً تركيا بالتنسيق مع قطر لعقد الاجتماع في أنقرة.
 
التخصيب.. والنفط
 
تريد واشنطن أيضاً، تعهداً إيرانياً بتسليم اليورانيوم المخصب بنسبة عالية تبلغ حد الـ60 في المئة، ووقف التخصيب على الأراضي الإيرانية. وهنا تعرض موسكو أن يتم التخصيب على أراضيها، أو أن تقوم شركات روسية بالتخصيب داخل إيران، وبشكل خاضع لرقابة كاملة، كذلك الوصول إلى تفاهم مع واشنطن على ملف النفط والغاز، بحيث يصبح للولايات المتحدة الدور الأساسي والمؤثّر في كيفية تصريف النفط والغاز الإيرانيين، وخصوصاً لجهة العلاقة مع الصين في هذا المجال. فتكون أميركا هي المتحكمة في مسار توريد منتجات الطاقة الإيرانية إلى الصين. 
 
والأهم يبقى ملف الصواريخ البالستية والتي تعتبرها إيران مسألة ضرورية لأمنها القومي وضمن خطتها الدفاعية. وفي وقت تشدد أميركا على تخلي إيران عن الصواريخ ذات المدى المتوسط والبعيد، أي أكثر من 500 كلم، تطرح دول عديدة مسألة احتواء هذه الصواريخ وتجميدها أو تعطيل فعاليتها وعدم استخدامها، مقابل منح إيران ضمانات بعدم استهدافها. 
 
الطرح التركي
 
في السياق، لا بد من التوقف عند المسعى التركي أيضاً، لا سيما أن انقرة تنطلق من علاقتها الجيدة مع الإدارة الأميركية ومع روسيا. أساس الطرح التركي يتركز على الوصول إلى تفاهم مع إيران ضمن إطار التفاهمات الكاملة في المنطقة. فقبل أن تتحرك تركيا في مبادرتها، كان وزير الخارجية التركي هاكان فيدان قد طرح فكرة التعاون بين الدول الإقليمية المؤثرة في المنطقة، ونسج تفاهمات بين العرب والأتراك والإيرانيين. هذا المسار هو ما أرادت أنقرة أن تقنع الأميركيين والإيرانيين به، على قاعدة التعاون والتكامل، بشكل يدفع إيران إلى تفاهمات مع كل حلفاء أميركا في المنطقة، أي تركيا، مصر، ودول الخليج. وبذلك تكون إيران قد دخلت إلى المدار الأميركي من خلال هذه التفاهمات الإقليمية، وتخلت عن مشروع شن حرب على إسرائيل مثلاً، وهذا أبرز ما تريده أميركا. وربما هو ما انعكس في كلام مرشد الجمهورية الإسلامية علي الخامنئي عندما قال: "إيران لن تبدأ الحرب ولا تريد مهاجمة أي دولة، ولكن الشعب الإيراني سيرد بقوة على من يهاجمه أو يلحق به الأذى".
 
إسرائيل مستنفرة
 
كل هذا المسار لا يبدو أنه يرضي إسرائيل، التي زار رئيس أركانها الولايات المتحدة الأميركية، وسط محاولات لإقناع الأميركيين بشن عملية عسكرية واسعة ضد إيران وإسقاط النظام، لا سيما أن الإسرائيليين يعتبرون أن اللحظة الآن مؤاتية لذلك والفرصة قد لا تتكرر. وأكثر ما يقلق إسرائيل هي الصواريخ البالستية التي تريد تدميرها وتسعى لإقناع واشنطن بذلك. ومما لا شك فيه، أن كلّ تقدم على مسار المفاوضات يجعل إسرائيل تستنفر أكثر. وهو ما قد يدفع نتنياهو للسعي إلى لقاء جديد مع ترامب لمناقشته في الملف الإيراني وإقناعه بتنفيذ الضربة. 
 
التسوية ستكون شاملة
 
في حال رُسمت ملامح التوافق، لا بد أن ينعكس ذلك على وضع المنطقة ككل، خصوصاً لجهة البحث عن حلول للملفات الإقليمية العالقة، وخصوصاً في العراق، لبنان واليمن. بالنسبة إلى اليمن، فإن المسار السعودي الإيراني مفتوح للوصول إلى تفاهمات، مع تجميد أي نشاط عسكري للحوثيين يهدد الدول المجاورة أو الملاحة. أما في العراق، فذلك سيعني الوصول إلى تسوية حول انتخاب رئيس الجمهورية والتراجع عن دعم نوري المالكي في رئاسة الحكومة، والاتجاه نحو تسوية سياسية هناك. أما لبنان، فأيضاً سيكون في صلب التفاهمات ومن ضمنها إقناع حزب الله بالانخراط بتسوية سياسية على الساحة اللبنانية مع ضمانات يتم تقديمها، إضافة إلى تركيز حزب الله عمله على الجانب السياسي. عملياً، تبقى هذه ملامح الحلّ، التي ستكون خاضعة لشروط وشروط مضادة، من دون إغفال العامل الإسرائيلي الذي سيبقى قادراً على التعطيل أو التخريب والدفع باتجاه التصعيد. ولكن من شأن هذه الملامح أن تبعد الحرب نسبياً.
 
 
المصدر: المدن