كُتّاب الموقع
العالم يترقب تحرك السفن الحربية على طاولة المفاوضات

طوني خوري

الإثنين 2 شباط 2026

في كل مرة تعود فيها العلاقة بين ​الولايات المتحدة​ و​إيران​ إلى الواجهة، يقف العالم على حافة خيارين متناقضين: حرب مفتوحة في المنطقة لا يمكن ضبط تداعياتها، أو مفاوضات شاقة لا أحد يثق تماماً بقدرتها على الصمود بقابلية نتائجها في الحياة لعمر مديد. المرحلة الحالية ليست استثناء، بل ربما هي الأكثر حساسية منذ سنوات، لأنها تجمع بين تصعيد عسكري فعليّ على الأرض وجرأة اميركية بعد ان ضربت واشنطن اماكن ايرانية منذ اشهر، وحراك دبلوماسي يجري في الكواليس، وكل طرف يحاول أن يفرض شروطه قبل تحديد الوجهة النهائية.
 
أحد أبرز مؤشرات هذه المرحلة يتمثّل في تحريك الأساطيل الأميركية في المنطقة. هذا التطور لا يمكن التعامل معه بوصفه خطوة رمزية أو مجرّد رسالة سياسية. فنقل حاملات طائرات ومدمّرات وغواصات استراتيجية يعني استنزافاً مالياً ولوجستياً كبيراً، ويتطلب جهوزية عسكرية عالية للحفاظ على هذا الانتشار لفترة طويلة. وهي خطوات لا يفضّلها الرئيس الاميركي الحالي ​دونالد ترامب​، إلا إذا كانت مرتبطة باحتمال استخدام القوة فعلياً. من هنا، يصعب فصل هذا التحرك عن قناعة أميركية بأن خيار العمل العسكري (سواء كان محدوداً ام لا)، بات مطروحاً بجدية، وليس مجرد ورقة ضغط إضافية على طاولة التفاوض.
 
في المقابل، تكشف المعطيات الاستخباراتية التي تم جمعها في الفترة الأخيرة عن نشاط غير عادي في إيران من حيث رفع مستوى الجهوزية إلى درجات غير مسبوقة منذ سنوات، ومنها تنقّل المسؤولين والقادة العسكريين بين مواقع متعددة، وإعادة توزيع الوحدات القتالية، وتحريك الآليات الثقيلة، وتعزيز أنظمة الدفاع الجوي، إضافة إلى نشاط ملحوظ في القوات البحرية والبرية والجوية... وهي كلها إشارات تدلّ على أن ​طهران​ تأخذ احتمال المواجهة بشكل جدّي. هذه التحركات تتم بالتزامن مع التهويل الاعلامي الايراني بـ"الرد المزلزل" و"تلقين الاعداء دروساً"، وغيرها من الشعارات التي تعتبر عادية قبل وخلال المواجهات، وهو ما حصل في ​الحرب​ الاخيرة مع اسرائيل والتي استمرت 12 يوماً. هذا الامر من شأنه ان يفيد الأميركيين وال​إسرائيل​يين لجهة تحسين قدراتهم الاستخباراتية، وتوسيع ما يُعرف بـ”بنوك الأهداف”، سواء على المستوى العسكري أو البشري.
 
ومع أن المواجهة تبدو ظاهرياً محصورة بين واشنطن وطهران، إلا أن تداعياتها المحتملة تتجاوزهما سريعاً. ​دول الخليج​، التي تستضيف قواعد وقوات أميركية، تجد نفسها "تتصبب عرقاً" نتيجة التوتر والترقب، لعلمها انها ستكون ضمن دائرة الاستهداف في حال قررت إيران الرد عبر ضرب مواقع انتشار القوات الأميركية.
 
أما إسرائيل، فتراقب المشهد بقلق واضح، خصوصاً بعد التجربة الأخيرة التي أظهرت قدرة ​الصواريخ الإيرانية​ على اختراق منظومات الدفاع الأميركية–الإسرائيلية، ولو بشكل جزئي.
 
حتى الداخل الأميركي لن يكون بمنأى عن تداعيات أي تصعيد. صحيح أن الأراضي الأميركية بعيدة جغرافياً عن ساحة المواجهة ولا خوف من تعرضها لضربات عسكرية، لكن أي سقوط لجنود أميركيين خارج الولايات المتحدة سيشكّل أزمة سياسية داخلية. ورغم أن ترامب ليس أول رئيس أميركي يسقط في عهده قتلى خارج البلاد، فإن الإشكالية تكمن في الصورة التي قدّمها لنفسه بوصفه “رجل السلام” الرافض للحروب المكلفة، ويواجه اليوم تراجعاً في شعبيته مع اقتراب ​الانتخابات النصفية​. في مثل هذا المناخ، قد تتحول صور النعوش العائدة أو التقارير عن خسائر بشرية إلى عبء ثقيل، تستثمره المعارضة لتكريس صورة رئيس متهور يقود البلاد إلى مواجهة غير محسوبة النتائج.
 
اندلاع الحرب ايضاً سيؤثر على القارة العجوز اقتصادياً وأمنياً. فاضطراب إمدادات ​الطاقة​، وارتفاع أسعار النفط والغاز، سيضعان ضغوطاً هائلة على الاقتصادات الأوروبية التي تعاني أصلاً من أزمات داخلية. إضافة إلى ذلك، فإن أي فوضى جديدة في الشرق الأوسط تعني موجات نزوح محتملة لدول الاتحاد الاوروبي، وتنامي المخاوف التي ترافقها.
 
بين الحسابات العسكرية والضغوط السياسية، تبقى المنطقة معلّقة على احتمالات متناقضة، حيث قد يحدّد خطأ واحد في التقدير شكل المرحلة المقبلة بأكملها.
 
 
المصدر: النشرة