كُتّاب الموقع
السباق على غرينلاند: بؤرة توتر في عالم ما بعد الجليد

هاني عضاضة

الإثنين 19 كانون الثاني 2026

تطفو جزيرة غرينلاند اليوم، وهي من أكبر الجزر في العالم، إلى واجهة الصراع الجيوسياسي كرقعة استراتيجية ثمينة تُقدَّر قيمتها بتريليونات الدولارات.

 

تتمتع غرينلاند بالحكم الذاتي تحت السيادة الدنماركية منذ العام 1979. وقد حصل سكانها الأصليون (شعب الإنويت) على حق تقرير المصير في العام 2009، وهذا ما يضمن لهم الحق في الاستقلال الكامل عبر الاستفتاء العام إذا شاؤوا ذلك. 

 

ولا تقتصر قيمة الجزيرة على ثرواتها الطبيعية الهائلة من المعادن النادرة والنفط والغاز، بل تتمثّل أيضًا في موقعها الفريد الذي سيشكّل ممرّات ملاحية حيوية مع تسارع ذوبان الصفائح الجليدية في ظل ارتفاع درجات الحرارة.

 

وفقًا لوكالة الفضاء الأميركية NASA والمركز الألماني لأبحاث الفضاء DLR (مصدر البيانات: أقمار GRACE وGRACE Follow-On التابعة للوكالتين)، تفقد غرينلاند حوالي 266 مليار طن سنويًا من الجليد منذ العام 2002. ويؤدي هذا الذوبان إلى ارتفاع كارثي في مستوى سطح البحر واضطرابات مناخية عالمية.

 

إلى جانب هذه التداعيات البيئية، يرتفع منسوب التوتر الجيوسياسي. فمع تزايد اهتمام الولايات المتحدة بقيادة الرئيس دونالد ترامب بضمّ الجزيرة، والتنافس الحتمي الذي يجذب قوى مثل روسيا والصين، تتجه غرينلاند نحو التحول إلى بؤرة للصراع. وفي مواجهة هذا الاهتمام الدولي المتزايد، تحاول الدنمارك بدعم من الاتحاد الأوروبي الحفاظ على سيطرتها على الجزيرة، بما في ذلك نشر قوات عسكرية أوروبية لحمايتها من التهديدات.

 

كنوز مدفونة تحت الجليد

يعتمد اقتصاد غرينلاند، الذي يُقدّر ناتجه المحلي الإجمالي بنحو 3.3 مليار دولار أميركي بشكل كبير على قطاع صيد الأسماك الذي يمثل العمود الفقري للاقتصاد وأكبر مصدر للصادرات، إلى جانب دعم مالي من الدنمارك (Blocktilskud أو منحة الحكم الذاتي) يتجاوز 600 مليون دولار سنويًا (المصدر: دراسة Hard or Soft Power: Greenland’s International Stance لتامارا إسبينيرا غيراو، تموز/يوليو 2025). لكن إمكانات نمو الصناعات الاستخراجية تزداد مع تسارع وتيرة انحسار الصفائح الجليدية، حيث تتكشف احتياطيات ضخمة من النفط والغاز والمعادن الأرضية النادرة كانت مختفية تحت الجليد لآلاف السنين. لا تحدّد المسوحات الجيولوجية وفقًا لهيئة المسح الجيولوجي الوطنية في الدنمارك وغرينلاند (GEUS) حجم هذه الثروات الموجودة تحت الغطاء الجليدي بشكلٍ دقيق بعد، إذ لا يزال الجليد يغطّي نحو 80% من مساحة الجزيرة. إلا أن مركز المعادن والمواد (MiMa) التابع للهيئة يقدّر في تقرير أصدره في أيار 2023 وجود موارد كبيرة جدًا (انظر الجداول أدناه)، وبعضها من العناصر النادرة التي تُستخدم في الصناعات التكنولوجية والاستراتيجية، وتحديدًا: الليثيوم والفلوريت والتنتالوم والنيوبيوم والهافنيوم والزركونيوم والموليبدينوم ومعادن مجموعة البلاتين والذهب والتيتانيوم والفاناديوم والسترونتيوم والتنجستن والقصدير والأنتيمون والنحاس والنيكل والكوبالت والفلسبار والفوسفور والغرافيت والزنك والرصاص والغاليوم والجرمانيوم.