تعدد بؤر التوتر ينذر بمرحلة أكثر خطورة في الشرق الأوسط
العرب اللندنية
الجمعة 16 كانون الثاني 2026
تُظهر الاحتجاجات الجارية في إيران وتهديد إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب باتخاذ عمل عسكري ضد النظام الإيراني، إذا واصل قمع المعارضة بعنف، كيف أن السياسات الداخلية لدول الشرق الأوسط متشابكة بعمق مع الأمن الإقليمي وتوازنات القوة. غير أن الاضطراب في إيران ليس مصدر القلق الوحيد، فالأحداث في غزة وسوريا والسودان واليمن باتت تدفع السياسات الخارجية للقوى الكبرى، ولا سيما الولايات المتحدة.
والسبب الرئيس في ذلك أن الشرق الأوسط نادراً ما يقدّم للعالم أزمة واحدة معزولة يمكن احتواؤها. بل يعرض دائماً أزمات متعدّدة ومتراكبة، تمتد ارتداداتها عبر الحدود على شكل لاجئين وصواريخ وتدفّقات تجارية وأفكار أيديولوجية.
ويرى الباحث محمد أيوب في تقرير نشرته مجلة ناشونال أنتريست الأميركية أن المنطقة في حالة “غليان” واضح، ليس لأن حرباً واحدة تتصاعد، بل لأن نقاط ضغط عديدة تسخن في الوقت نفسه، ما يرفع درجة التوتر في الإقليم بأكمله.
وتختبر الاحتجاجات في إيران قدرة النظام على الصمود على نحو غير مسبوق؛ ولا تزال مأساة غزة من دون حل؛ وتواصل سوريا صراعها مع التفكك السياسي؛ وتوسّع إسرائيل ساحة المواجهة نحو لبنان؛ فيما تتداخل الحروب الأهلية المعقّدة في اليمن.
وفي الوقت ذاته، تتخذ قوى إقليمية وخارجية، وعلى رأسها تركيا والولايات المتحدة، مواقف حازمة وأحياناً متناقضة، تتقاطع سياساتها بشكل متزايد عبر ساحات عدة.
وما يميّز هذه المرحلة ليس جدة الأزمات بقدر ما هو تزامنها. فلم تعد بؤر التوتر منفصلة، بل باتت تتفجّر معاً، وتتفاعل بطرق تضاعف المخاطر وتضيّق مسارات الخروج الدبلوماسي.
إيران: اضطراب داخلي ومخاطر إقليمية
تمثل الاحتجاجات في إيران اختباراً قاسياً لنموذج حكم الجمهورية الإسلامية. فالمعاناة الاقتصادية، التي تفاقمت بشكل هائل بسبب عقود من العقوبات وسوء الإدارة، إلى جانب القمع السياسي والاغتراب بين الأجيال، أدت إلى دورات متكررة من الاضطرابات، يواجهها النظام بالقوة بدلاً من الإصلاح.
وتبدو الأزمة الحالية الأشد منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية عام 1979، إذ تؤكد استجابة القيادة نمطاً مألوفاً من تصعيد القمع، بما يفاقم المشكلة بدلاً من حلها.
وتاريخياً، يتأرجح النظام الإيراني في سياسته الخارجية، تحت ضغط الداخل، بين ضبط النفس والتحدي.
ولهذا التذبذب تداعيات إقليمية كبيرة. فمن جهة، قد تسعى طهران إلى تجنب التصعيد الإقليمي الذي قد يستجلب عقوبات إضافية أو مواجهة عسكرية في لحظة ضعف. ومن جهة أخرى، غالباً ما تعزّز الضغوط الداخلية نفوذ التيارات المتشددة التي ترى في التشدد الإقليمي ضرورة للردع والحفاظ على المصداقية الثورية، وكذلك وسيلة لتحويل غضب الشارع نحو “أعداء” خارجيين.
المنطقة في حالة “غليان” واضح، ليس لأن حرباً واحدة تتصاعد، بل لأن نقاط ضغط عديدة تسخن في الوقت نفسه، ما يرفع درجة التوتر في الإقليم بأكمله.
وينعكس هذا الغموض على المحيط. فشبكة علاقات إيران مع حزب الله والميليشيات في العراق وسوريا والحوثيين في اليمن تعني أن أي اضطراب داخلي في طهران لا يبقى شأناً داخلياً بحتاً. بل يعيد تشكيل حسابات المخاطر لدى إسرائيل ودول الخليج، والأهم لدى الولايات المتحدة، التي يتعيّن عليها الاختيار بين الردع أو الدبلوماسية أو الصبر الاستراتيجي، في مواجهة إيران تبدو في آن واحد مقيدة وغير متوقعة.
غزة: كارثة إنسانية ومسرّع سياسي
تظل غزة المركز العاطفي لاضطرابات المنطقة. فحتى عندما تخفّ حدة القتال، تبقى غزة محرّكاً سياسياً يؤثر في بقية الشرق الأوسط. إن حجم الدمار ومعاناة المدنيين والأسئلة المفتوحة حول الحكم تضمن أن ما يحدث في غزة يتردد صداه في العواصم العربية كافة.
وبالنسبة للرأي العام العربي، تعزز غزة سردية الظلم والمعايير المزدوجة في الدبلوماسية الدولية، وتلقي بظلالها على الأنظمة العربية التي تبدو عاجزة أمام الانتهاكات الإسرائيلية.
وأما بالنسبة لإسرائيل، فهي تعمّق النقاشات الوجودية حول الأمن وتستجلب إدانات دولية. وبالنسبة للفاعلين الخارجيين، ولا سيما الولايات المتحدة، أصبحت غزة اختباراً حاسماً للمصداقية، خاصة بعد أن قررت إدارة ترامب “امتلاك” مسار “عملية السلام” فيها.
وتعكس وضعية واشنطن هذا المأزق؛ فهي الشريك الأمني الرئيس لإسرائيل، وفي الوقت ذاته الفاعل الخارجي الأكثر قدرة على التأثير في وصول المساعدات الإنسانية واستدامة وقف إطلاق النار وترتيبات ما بعد النزاع. غير أن محاولات الموازنة بين هذين الدورين لم ترضِ أحداً: فالحلفاء يشككون في حزم الولايات المتحدة، والخصوم يشككون في حيادها، فيما ترى الشعوب الإقليمية دبلوماسيتها تفاعلية أكثر منها تحوّلية، ومتأثرة بالاعتبارات الداخلية.
والنتيجة ليست مجرد ضغط دبلوماسي، بل انجراف استراتيجي. فغياب أفق سياسي قابل للحياة لغزة يجعل كل هدنة مجرد استراحة مؤقتة، تختزن الطاقة للانفجار التالي.
سوريا: التفكك كحالة إقليمية
غالباً ما توصف سوريا بأنها تعيش “نزاعاً مجمّداً”، غير أن هذا الوصف يخفي حقيقتها الفعلية. فسوريا تمثل خط صدع نشطاً دائماً يربط بين تنافسات إقليمية متعددة.
ويتيح تفككها لقوات وميليشيات وأجهزة استخبارات أجنبية العمل في مناطق متداخلة، محوّلة الحوادث المحلية إلى قضايا إقليمية.
وتحتل تركيا موقعاً محورياً في هذا السياق. إذ تحافظ أنقرة على وجود عسكري واسع في شمال سوريا، بدافعين رئيسيين: منع ترسخ كيانات كردية ذاتية الحكم مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، وإدارة تدفقات اللاجئين التي باتت قضية سياسية داخلية كبرى.
وتتقاطع العمليات التركية بشكل متوتر مع شراكات الولايات المتحدة مع القوات الكردية، ما يكشف حدود تماسك حلف شمال الأطلسي في الشرق الأوسط.
وفي المقابل، تحافظ الولايات المتحدة على وجود محدود لكنه رمزي في شرق سوريا، بهدف مكافحة الإرهاب واحتواء النفوذ الإيراني. ويعكس هذا الموقف الاستراتيجية الأميركية الأوسع: تجنب التورط الواسع، مع منع الخصوم من ترسيخ سيطرتهم.
والنتيجة هي غموض استراتيجي دائم. فتبقى سوريا غير مستقرة، لا لأن طرفاً واحداً يريد الفوضى، بل لأن أياً من الأطراف لا يملك الإرادة أو القدرة على فرض تسوية شاملة أو حتى تيسيرها.
إسرائيل ولبنان: ردع تحت الضغط
يمثل شمال إسرائيل مع لبنان أحد أخطر بؤر التصعيد الإقليمي المحتمل. فالردع هو منطق الطرفين، لكن الردع القائم على الإشارات المستمرة عبر القوة المحدودة يبقى بطبيعته هشاً. فالضربات المحدودة والردود المتبادلة والتصعيد الخطابي تخلق إيقاعاً يجعل سوء الحساب أكثر احتمالاً، والحرب الشاملة أكثر ترجيحاً.
ويحضر ظل إيران بقوة هنا، كما تحضر حسابات الولايات المتحدة. فقد استثمرت واشنطن كثيراً في منع اندلاع حرب شاملة بين إسرائيل وحزب الله، لأن مثل هذا النزاع سيستدرج إيران على الأرجح ويزعزع الأسواق العالمية. غير أن النفوذ الأميركي يظل مقيداً بالسياسة الداخلية والالتزامات التحالفية.
اليمن: حرب ترفض التبسيط
تجسّد الحروب الأهلية في اليمن تعقيد المنطقة المتراكم. فما بدأ صراعاً بين الحوثيين والحكومة المعترف بها دولياً تطور إلى نزاعات متداخلة تشمل انفصاليين جنوبيين وقوى قبلية ورعاة إقليميين ومصالح دولية مرتبطة بأمن الملاحة.
ويربط اصطفاف الحوثيين مع إيران اليمن بالمواجهة الأوسع بين طهران وواشنطن.
وتبرز التحركات البحرية الأميركية والضربات المرتبطة بأمن البحر الأحمر كيف يمكن لصراع محلي أن يتحول إلى شأن عالمي.
وفي الوقت ذاته، تكشف الانقسامات بين القوى المناهضة للحوثيين، وكذلك بين السعودية والإمارات، خصوصاً في جنوب اليمن، هشاشة التحالفات بالوكالة حين تتباين المصالح المحلية.
وتمنح اليمن موقعها الاستراتيجي، المسيطر على باب المندب، أهمية استثنائية، إذ يمر عبر البحر الأحمر نحو 12 في المئة من التجارة العالمية، بما في ذلك 8 إلى 10 في المئة من تجارة النفط والغاز المسال المنقولة بحراً.
ويعد البحر الأحمر، عبر قناة السويس، أقصر طريق بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، وأي تعطيل فيه يفرض على السفن الدوران حول رأس الرجاء الصالح، ما يضيف أياماً طويلة وتكاليف مرتفعة.
الاحتجاجات في إيران تختبر قدرة النظام على الصمود؛ ولا تزال مأساة غزة من دون حل؛ وتواصل سوريا صراعها مع التفكك السياسي؛ وتوسّع إسرائيل ساحة المواجهة نحو لبنان؛ فيما تتداخل الحروب الأهلية المعقّدة في اليمن.
وقد استغل الحوثيون هذا الاختناق البحري بفاعلية في الآونة الأخيرة، عبر مهاجمة سفن أميركية وإسرائيلية خلال عامي 2024 و2025، رداً على الغزو الإسرائيلي لغزة وتدميرها، ما يبرز كيف يمكن لفاعلين محليين في زاوية من الشرق الأوسط أن يؤثروا في الاقتصاد العالمي ويهددوا باضطرابات أوسع..
تركيا والولايات المتحدة: مديرا نظام أم مضاعفا مخاطر؟
تحتل تركيا والولايات المتحدة موقعاً فريداً في الشرق الأوسط المعاصر. فكلتاهما ليست متفرجة، ولا تملك أي منهما السيطرة على النتائج. وتعملان عبر مسارح متعددة بأهداف متداخلة وأحياناً متعارضة.
وتسعى تركيا إلى تقديم نفسها قوة إقليمية توازن بين الأمن والقومية والانخراط البراغماتي. وتشكل سياساتها في سوريا، وعلاقاتها مع روسيا وإيران، وعضويتها في حلف شمال الأطلسي، ومواقفها الخطابية من غزة، واعتباراتها السياسية الداخلية، مجتمعة، إطار تحركها الإقليمي. ويظل نفوذها حقيقياً لكنه غير متكافئ: قوي عسكرياً، محدود دبلوماسياً، ومتأثراً بشكل متزايد بالضغوط الاقتصادية الداخلية.
وأما الولايات المتحدة، فهي قوة عالمية تعاني إرهاقاً إقليمياً. تسعى إلى ردع إيران، ودعم الحلفاء، وتأمين طرق التجارة، وتجنب حرب كبرى جديدة، في ظل استقطاب داخلي وأولويات عالمية متنافسة.
وتنتج عن ذلك وضعية تبدو في كثير من الأحيان تفاعلية وشخصانية، ما يزيد من عدم القدرة على التنبؤ بمآلات المنطقة.
أزمات متداخلة في نظام الشرق الأوسط
يبدو الشرق الأوسط “على وشك الغليان” لأن أزماته لم تعد محصورة. فالاضطرابات الداخلية في إيران تؤثر في الاستقرار الإقليمي، ودمار غزة يعيد تشكيل الرأي العام واستراتيجيات الفاعلين المسلحين، وسوريا تصدّر عدم الاستقرار بحكم واقعها، ولبنان يترنح تحت وطأة مواجهة دائمة مع إسرائيل، وحروب اليمن تتحول ولا تنتهي.
وفوق كل ذلك، تحوم تركيا والولايات المتحدة، قادرتين على التأثير لكن عاجزتين عن الحسم.
وفي هذا السياق المتقلب، قد تتحول تهديدات إدارة ترامب بالتدخل العسكري في إيران، إذا نُفذت كما يبدو مرجحاً، إلى الشرارة التي تشعل النار، فتغلي مرجل الشرق الأوسط ويفيض.