كُتّاب الموقع
تركيا تعيد حساباتها الكردية: لماذا الآن.. ولماذا أوجلان..

العرب اللندنية

الخميس 27 تشرين الثاني 2025

في لحظة تاريخية مشحونة بالدلالات السياسية والرمزية، يعود اسم عبدالله أوجلان، الزعيم الكردي الذي أمضى 26 عاماً خلف قضبان السجون التركية، إلى واجهة المشهد بوصفه محوراً أساسياً في محاولة جديدة لإنهاء أحد أطول الصراعات الداخلية دموية وتعقيداً في تاريخ تركيا الحديث.
 
ولا تمثل دعوته الصريحة التي أطلقها لحل حزب العمال الكردستاني ونزع سلاحه مجرد تطور عابر، بل تحمل في طياتها إعادة صياغة محتملة لمسار صراع استمر أكثر من أربعة عقود، وألقى بظلاله الثقيلة على الدولة التركية والمجتمع الكردي والإقليم بأسره.
 
ومنذ تأسيس حزب العمال الكردستاني في أواخر السبعينات، ارتبطت القضية الكردية في تركيا بالعنف المسلح بوصفه الأداة الرئيسية لفرض الوجود السياسي والمطالبة بالحقوق.
 
وقاد هذا المسار، الذي اندلع بقوة في الثمانينات، إلى نزاع مفتوح أودى بحياة أكثر من أربعين ألف شخص، وخلّف جراحاً اجتماعية واقتصادية عميقة، خصوصاً في جنوب شرق البلاد.
 
وعلى الرغم من محاولات متقطعة لفتح قنوات الحوار، فإن منطق السلاح ظل يتقدم في كل مرة على منطق السياسة، إما بسبب غياب الثقة المتبادلة، أو بسبب تغيّر الحسابات الداخلية والإقليمية.
 
وفي هذا السياق، تكتسب مبادرة أوجلان أهميتها من كونها تنطلق من داخل البنية الرمزية والتنظيمية للحزب نفسه. فالرجل الذي أسّس الحركة وأشرف على بلورة خطابها الأيديولوجي والسياسي، هو ذاته من يعلن اليوم نهاية هذه التجربة.
 
ولا تعكس هذه المفارقة فقط تحوّلاً شخصياً، بل تشير إلى مراجعة عميقة لتجربة الكفاح المسلح بوصفها خياراً استنفد أغراضه.
 
ومن وجهة نظر أوجلان، يبدو أن استمرار العنف لم يعد يخدم الأكراد بقدر ما يطيل معاناتهم ويكرّس عزلتهم السياسية، في وقت تتغير فيه موازين القوى وأساليب النضال في المنطقة والعالم.
 
موقف أوجلان لا يعكس تحوّلاً شخصياً فقط، بل يشير إلى مراجعة عميقة لتجربة الكفاح المسلح بوصفها خياراً استنفد أغراضه
 
ورغم سنوات العزلة الطويلة في السجن، حافظ أوجلان على نفوذه داخل حزب العمال الكردستاني.
 
وتكشف استجابة الحزب لدعواته بإحراق السلاح رمزياً، والبدء في سحب المقاتلين من داخل تركيا، أن سلطته لم تتآكل، بل ربما ازدادت رسوخاً بفعل تحوّله إلى ما يشبه المرجعية التاريخية والأخلاقية للحركة.
 
وتمنح هذه القدرة على التأثير المبادرة الحالية وزناً مختلفاً عن محاولات سابقة، وتجعلها أقرب إلى قرار إستراتيجي منه إلى مناورة تكتيكية. غير أن قراءة هذا المسار لا تكتمل من دون النظر إلى حسابات الدولة التركية.
 
وتجد أنقرة، التي لطالما تعاملت مع حزب العمال الكردستاني بصفته تهديداً أمنياً وجودياً، نفسها اليوم أمام فرصة لإغلاق ملف استنزفها لعقود.
 
ويوحي الاستعداد لمناقشة تشريع يسمح بعودة المقاتلين، وفتح قنوات تواصل غير مباشرة مع أوجلان، بأن المؤسسة السياسية والأمنية باتت ترى في الحل السياسي خياراً أقل كلفة من استمرار النزاع. لكن هذا التحول يظل حذراً ومشروطاً، نظراً إلى حساسية الملف داخلياً.
 
وسياسياً، لا يمكن عزل هذا المسار عن موقع الرئيس رجب طيب أردوغان وحساباته المستقبلية. فنجاح عملية السلام قد يُسجَّل إنجازاً تاريخياً باسمه، ويمنحه دعماً كردياً مهماً في حال توجه نحو تعديلات دستورية أو ترتيبات سياسية جديدة بعد عام 2028.
 
وفي المقابل، فإن الفشل أو تقديم تنازلات تُفسَّر بأنها ضعف أمام «الإرهاب» قد يرتد عليه سلباً، خصوصاً في ظل نفوذ التيار القومي داخل المشهد السياسي التركي.
 
ولذا يفضّل أردوغان إدارة الملف من الخلف، مراقباً تطوراته، مع إبقاء هامش واسع للتراجع أو التسريع بحسب موازين القوى.
 
ويتمثل التحدي الأكبر أمام الدولة التركية في الانتقال من منطق الإخضاع الأمني إلى منطق الحل الشامل. فحل حزب العمال الكردستاني، حتى إن تحقق تنظيمياً، لا يعني تلقائياً اختفاء المشكلة الكردية. فجذور الصراع أعمق من تنظيم أو جناح مسلح، وتمتد إلى قضايا الهوية واللغة والتمثيل السياسي والتنمية الاقتصادية.
 
مبادرة أوجلان تكتسب أهميتها من كونها تنطلق من داخل البنية الرمزية والتنظيمية للحزب نفسه
 
ويرى محللون أن أيّ تسوية لا تتناول هذه الملفات ستبقى عرضة للانهيار أو لإعادة إنتاج العنف بأشكال جديدة.
 
وعلى المستوى الإقليمي، تتضاعف تعقيدات المشهد. فالقضية الكردية لم تعد شأناً تركياً داخلياً، بل باتت متداخلة مع واقع الأكراد في سوريا والعراق.
 
وتنظر أنقرة بعين الريبة إلى القوى الكردية المسلحة في شمال سوريا، وتعتبرها امتداداً لحزب العمال الكردستاني.
 
ومن هنا، فإن إدراج هذا الملف ضمن محادثاتها المرتبطة بالمبادرة الحالية يعكس إدراكاً بأن إنهاء الصراع يتطلب مقاربة إقليمية، أو على الأقل ضبط التداعيات العابرة للحدود لأيّ تسوية داخلية.
 
وفي المقابل، يراهن جزء من الحركة الكردية على أن نزع السلاح قد يفتح الباب أمام نضال سياسي أكثر فاعلية، داخل المؤسسات التركية وخارجها.
 
وأظهرت التجربة الطويلة أن الكفاح المسلح، رغم قدرته على فرض القضية على الأجندة، لم يحقق الأهداف المعلنة، بل ساهم في تكريس صورة نمطية سلبية عن الأكراد، وأضعف قدرتهم على بناء تحالفات داخلية واسعة.
 
ومن هذا المنظور، قد يصبح السلام أداة لتعزيز الحضور السياسي الكردي بدلاً من تقويضه.
 
ومع ذلك، لا يزال الشك سيد الموقف. فالكثيرون داخل الأوساط الكردية يتساءلون عمّا إذا كانت الدولة التركية جادة بالفعل في السير نحو حل ديمقراطي، أم أنها تسعى فقط إلى تفكيك التهديد الأمني من دون تقديم تنازلات سياسية حقيقية.
 
وفي المقابل، تخشى قطاعات واسعة من المجتمع التركي من أن يؤدي أيّ انفتاح إلى مطالب انفصالية مستقبلية، إلى إضعاف مركزية الدولة.
 
ومن هنا، تبدو اللحظة الراهنة اختباراً لإرادة الطرفين. نجاح المبادرة يتطلب أكثر من بيانات وتصريحات؛ ويحتاج إلى إجراءات ملموسة تبني الثقة، مثل تحسين الأوضاع الحقوقية، وتوسيع هامش العمل السياسي، وضمان عودة المقاتلين ضمن إطار قانوني عادل. كما يحتاج إلى خطاب جديد يطمئن الرأي العام التركي، ويقدّم السلام بوصفه مكسباً وطنياً لا تهديداً للسيادة.
 
في الخلاصة، فإن دعوة عبدالله أوجلان إلى حل حزب العمال الكردستاني تمثل لحظة مفصلية قد تعيد رسم خارطة الصراع الكردي – التركي. لكنها في الوقت ذاته تضع تركيا أمام استحقاق تاريخي: إما تحويل نهاية العنف إلى سلام مستدام يعالج جذور الأزمة، أو تفويت فرصة نادرة قد لا تتكرر بسهولة. وبين هذين الخيارين، يتوقف مستقبل العلاقة بين الدولة التركية وأكرادها، وربما مستقبل الاستقرار في واحدة من أكثر مناطق الشرق الأوسط تعقيداً.