كُتّاب الموقع
حروب الطائرات المسيرة تتصاعد في أفريقيا لكنها نادراً ما تحقق النصر

العرب اللندنية

الخميس 13 تشرين الثاني 2025

تشهد القارة الأفريقية في السنوات الأخيرة تصاعداً لافتاً في استخدام الطائرات المسيرة المسلحة في النزاعات الداخلية والإقليمية، ما يعكس تحولاً جذرياً في طبيعة الحروب التي تخوضها الدول الأفريقية.
 
وبعد أن كانت هذه التكنولوجيا حكراً على الجيوش المتقدمة في الولايات المتحدة وإسرائيل وبعض القوى الأوروبية، أصبحت اليوم متاحة في الأسواق العالمية بأسعار معقولة نسبياً، نتيجة توسع الإنتاج التركي والصيني والإيراني في هذا المجال، واندفاع الدول الأفريقية لاقتنائها سعياً لتحقيق مكاسب سريعة في ميادين القتال.
 
ويوضح الباحث بريندون جيه كانون في تقرير نشرته مجلة ذوكونفرسيشن أن هذا التوسع في الاعتماد على الطائرات المسيرة لم يترجم إلى نصر حاسم في أي من الصراعات، بل أسفر في الغالب عن نتائج محدودة ومآسٍ إنسانية واسعة النطاق.
 
وجاء دخول الطائرات المسيرة إلى الحروب الأفريقية استجابة لتحديات أمنية داخلية متفاقمة. فالدول التي تواجه تمردات مسلحة أو تهديدات جهادية، مثل إثيوبيا والسودان والنيجر والصومال وبوركينا فاسو، رأت في هذه الطائرات أداة مغرية لتقليل الخسائر البشرية في صفوف جيوشها وتوجيه ضربات دقيقة لأعدائها.
 
تجربة أفريقيا مع الطائرات المسيرة تكشف عن مفارقة لافتة: التكنولوجيا التي وُصفت بأنها قادرة على تحقيق “نصر من دون دماء” أصبحت جزءاً من ديناميكية حروب طويلة الأمد
 
وتتصدر الطائرات التركية من طراز “بيرقدار” قائمة المبيعات في القارة، إذ أثبتت فاعليتها في نزاعات خارجية كسوريا وليبيا والقوقاز، وأصبحت محط إعجاب الزعماء الأفارقة الذين اعتبروها “مغيراً لقواعد اللعبة”. إلا أن التجارب الميدانية في أفريقيا سرعان ما كشفت أن هذه التكنولوجيا، رغم ما توفره من قدرات تكتيكية، ليست بديلاً عن عناصر القوة التقليدية من تدريب، ولوجستيات، واستخبارات.
 
وتواجه الطائرات المسيرة في البيئة الأفريقية تحديات جغرافية ومناخية معقدة. فالمسافات الشاسعة التي تمتد عبر أراضي الساحل والقرن الأفريقي تقلل من فعالية هذه الطائرات محدودة المدى، مثل بيرقدار التي لا يتجاوز مدى تشغيلها 300 كيلومتر.
 
كما أن العواصف الرملية في الصحراء الكبرى، والغطاء النباتي الكثيف في غابات الكونغو وأفريقيا الوسطى، والغيوم الكثيفة في المرتفعات الإثيوبية، كلها عوامل تحد من قدرة المستشعرات البصرية والحرارية للطائرات على كشف الأهداف بدقة.
 
وفي حال اضطرت هذه الطائرات إلى الطيران على ارتفاع منخفض لرؤية أفضل، فإنها تصبح عرضة لنيران الميليشيات والأسلحة الخفيفة، كما حدث في السودان حين تمكنت قوات الدعم السريع من إسقاط عدد منها في أغسطس 2025.
 
وإضافة إلى القيود التقنية، تُبرز التجربة الأفريقية ضعف القدرات البشرية والمؤسساتية في تشغيل هذه الأنظمة المتقدمة.
 
ويؤدي التدريب غير الكافي للمشغلين إلى أخطاء قاتلة، كما أظهرت حادثة الضربة الجوية النيجيرية عام 2023 التي أودت بحياة نحو 85 مدنياً نتيجة خطأ في تحديد الإحداثيات.
 
وكذلك، فإن حوادث سقوط الطائرات المسيرة في بوركينا فاسو وإثيوبيا تعكس هشاشة منظومات الصيانة والدعم الفني.
 
وهذا يعيد التأكيد على أن التكنولوجيا العسكرية، مهما بلغت من تطور، تفقد فعاليتها إن لم تُدعَم ببنية تحتية صلبة، وقيادات ميدانية منضبطة، وسلاسل قيادة متكاملة قادرة على اتخاذ قرارات دقيقة في الوقت المناسب.
 
كما أن الطائرات المسيرة أثبتت فاعليتها في العمليات المحدودة، مثل استهداف قوافل الإمداد أو قادة الجماعات المسلحة، لكنها تبقى عاجزة عن حسم معارك السيطرة على الأرض أو مواجهة جيوش نظامية كبيرة.
 
وفي الحروب التي تشهدها إثيوبيا والسودان، حيث يتداخل القتال بين المدن والمناطق الريفية، لا تستطيع الطائرات المسيرة وحدها ترجيح كفة أحد الطرفين دون دعم من الطيران الحربي أو القوات البرية.
 
وبذلك تبقى فائدتها تكتيكية أكثر منها استراتيجية، وتقتصر على إضعاف العدو أو تعطيل تحركاته مؤقتاً.
 
وعلى الرغم من هذه المحدودية، فإن انتشار الطائرات المسيرة في القارة الأفريقية يعكس تحولات أعمق في بنية الحروب الحديثة.
 
وأصبحت هذه الطائرات جزءاً من سباق تسلح جديد منخفض الكلفة نسبياً، يمكن لدول فقيرة نسبياً امتلاكه. كما أنها تتيح للأنظمة الحاكمة إمكانية توجيه القوة العسكرية داخلياً دون الحاجة إلى تعبئة جيوش ضخمة، ما قد يؤدي إلى عسكرة السياسة وتزايد انتهاكات حقوق الإنسان.
 
وفي المقابل، بدأت الجماعات المسلحة غير الحكومية أيضاً في تبني هذه التكنولوجيا، سواء من خلال شراء نماذج تجارية أو تطويرها محلياً، مما يهدد بانتقال الصراعات إلى مرحلة أكثر فوضوية يصعب فيها احتكار السماء من قبل الدولة.
 
وتشير المعطيات الراهنة إلى أن ميزة الطائرات المسيرة التي تمتعت بها الحكومات الأفريقية لن تدوم طويلاً.
 
ومع ظهور أنظمة دفاع جوي محلية في دول مثل رواندا وكينيا، وتزايد الوعي بأهمية الدفاع ضد الطائرات الصغيرة، قد تشهد القارة قريباً سباقاً موازياً لتطوير قدرات مضادة للطائرات المسيرة.
 
وسيقلص هذا التحول الفجوة التقنية بين الدول والجماعات المسلحة، ما يجعل السيطرة الجوية عاملاً أقل حسماً مما كان يُعتقد.
 
وتتطلب استدامة استخدام الطائرات المسيرة في أفريقيا رؤية إستراتيجية بعيدة المدى، لا تقتصر على اقتناء هذه الأنظمة بل تشمل بناء منظومة متكاملة حولها.
 
ويتضمن ذلك تطوير دفاعات مضادة للطائرات المسيرة، وتأمين مراكز التحكم والاتصال من الاختراق أو التخريب، فضلاً عن الاستثمار المستمر في تدريب المشغلين وصيانة المعدات وتوسيع البنية التحتية الجوية.
 
ودون هذه العناصر، ستظل الطائرات المسيرة أداة مكلفة لا تقدم سوى مكاسب محدودة في ساحة معركة تتسم باتساعها وتعقيدها.
 
وفي المحصلة، تكشف تجربة أفريقيا مع الطائرات المسيرة عن مفارقة لافتة: التكنولوجيا التي وُصفت بأنها قادرة على تحقيق “نصر من دون دماء” أصبحت في الواقع جزءاً من ديناميكية حروب طويلة الأمد، لا تنتج نصراً حاسماً ولا سلاماً دائماً. إنها تجسّد طموح الجيوش في السيطرة من الجو، لكنها في الوقت نفسه تُظهر حدود القوة التقنية أمام تعقيدات الجغرافيا، وضعف المؤسسات، وتشابك المصالح الإقليمية.
 
وبينما تواصل الطائرات المسيرة التحليق في سماء أفريقيا، يبقى النصر على الأرض رهيناً بعوامل أبعد بكثير من مدى الصواريخ أو دقة الكاميرات.