دور عربي حاسم أنقذ خطة ترامب بشأن غزة من الانهيار
العرب اللندنية
الجمعة 10 تشرين الأول 2025
بينما كانت المفاوضات المتعثرة بين إسرائيل وحركة حماس تقترب من الانهيار، لعبت القاهرة والدوحة دورا محوريا أعاد خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى مسارها.
وبعد أسابيع من التصعيد العسكري والهجمات المتبادلة، جاء الإعلان عن اتفاق المرحلة الأولى لوقف إطلاق النار الخميس بمثابة تحول مفاجئ، لم يكن ليحدث لولا التحرك العربي النشط خلف الكواليس.
ومنذ اندلاع الحرب قبل عامين، احتفظت مصر بدور الوسيط التقليدي في الملف الفلسطيني، مدفوعة باعتبارات الأمن القومي وتجنب الفوضى على حدودها الشرقية.
ومع تصاعد الضغط الإنساني في غزة، تحركت القاهرة لإعادة فتح قنوات الاتصال غير المباشرة بين حماس وتل أبيب، مدعومة بتفويض أميركي واضح لإنقاذ خطة ترامب من الفشل.
وفي الوقت نفسه، استعادت قطر موقعها المركزي في المفاوضات رغم التوتر الذي خلفه القصف الإسرائيلي الذي استهدف مفاوضي حماس في الدوحة قبل شهر واحد فقط. فقد تمسكت الإمارة بدورها كوسيط مقبول من جميع الأطراف، واستثمرت شبكة علاقاتها مع واشنطن وحماس لتقريب وجهات النظر وتسهيل اتفاق التبادل الذي شكل الأساس للمرحلة الأولى من الخطة.
اتصالات الدوحة كانت أساسية في إقناع قيادة حماس بقبول الصفقة ما جعلها ركنا أساسيا في الخطة الأميركية إلى جانب القاهرة
وأكدت مصادر دبلوماسية أن الجهود المصرية والقطرية تكاملت في لحظة حاسمة، حيث تولت القاهرة التنسيق الأمني مع إسرائيل، فيما ركزت الدوحة على الضمانات الإنسانية وتمويل المساعدات.
وجعل هذا التفاهم العربي المزدوج اتفاق وقف إطلاق النار ممكنا بعد أشهر من الجمود.
ولم يقتصر الحراك العربي على مصر وقطر. فدول أخرى، من بينها الأردن وتركيا والإمارات، مارست ضغوطا هادئة على حماس لتبني خطة ترامب من حيث المبدأ، خشية أن يؤدي انهيار المفاوضات إلى انفجار جديد في غزة يجر المنطقة كلها إلى الفوضى. كما أبدت السعودية اهتماما غير معلن بإبقاء القنوات الدبلوماسية مفتوحة.
ووفّر هذا الإجماع العربي للرئيس الأميركي الغطاء السياسي الذي كان يفتقر إليه، خصوصا بعد أن واجهت خطته انتقادات في الكونغرس ورفضا من منظمات حقوقية غربية.
ومع نجاح العرب في تمرير المرحلة الأولى، بدا أن ترامب استطاع تجنب إحراج دبلوماسي كان سيقوض مشروعه الشرق أوسطي قبل أن يبدأ فعليا.
ورغم النجاح النسبي للوساطة، تبقى القاهرة أكثر الأطراف حساسية تجاه تداعيات الاتفاق. فبينما ترحب بالهدنة وتدرك ضرورتها الأمنية، تسعى مصر إلى تجنب تحمل مسؤولية إدارة غزة وحدها، خاصة في ظل الحديث عن قوة استقرار دولية قد تُنشر لاحقا في القطاع.
وتحاول الدبلوماسية المصرية الموازنة بين دورها الإقليمي كوسيط فاعل وبين مخاوفها من التورط الميداني أو المالي في إدارة ما بعد الحرب.
وأما قطر، فرغم تعرضها لانتقادات إسرائيلية حادة واتهامات بدعم حماس، فقد تمكنت من ترسيخ مكانتها كقناة تفاوضية لا يمكن تجاوزها.
واعترف الدبلوماسيون الأميركيون بأن اتصالات الدوحة كانت “أساسية” في إقناع قيادة حماس بقبول صفقة الرهائن مقابل وقف النار، ما جعلها ركنا أساسيا في الخطة الأميركية الجديدة إلى جانب القاهرة.
الإجماع العربي للرئيس الأميركي وفّر الغطاء السياسي الذي كان يفتقر إليه، خصوصا بعد أن واجهت خطته انتقادات في الكونغرس ورفضا من منظمات حقوقية غربية
ويرى مراقبون أن هذه الديناميكية الجديدة تشير إلى عودة العرب إلى قلب معادلة الصراع بعد سنوات من الغياب. فبدل أن يكونوا أطرافا متفرجة على المبادرات الأميركية أو الإسرائيلية، أصبحوا شركاء في صياغة الحلول، وإن كان ذلك في إطار حسابات معقدة تجمع بين البراغماتية السياسية والمصالح الأمنية.
ويمثل الاتفاق الحالي، رغم هشاشته، أول اختبار حقيقي للتنسيق العربي المشترك في ملف غزة منذ سنوات.
وإذا ما نجحت القاهرة والدوحة في ضمان استمراره، فقد يتحول الدور العربي من مجرد وساطة طارئة إلى إشراف دائم على مسار سياسي جديد في القطاع.
وقد يُسجل هذا الاتفاق في التاريخ بوصفه أول إنجاز عربي جماعي في مسار الحرب على غزة منذ 2023، لكنه أيضا اختبار صعب لقدرة العواصم العربية على تحويل النجاح التكتيكي إلى رؤية إستراتيجية.
وبينما يسعى ترامب إلى تسويق الهدنة كإنجاز شخصي يمهد لجائزة نوبل، يدرك الوسطاء العرب أن المهمة الحقيقية لم تبدأ بعد، إذ إن الاستقرار في غزة لن يتحقق إلا إذا توازنت المعادلة بين الأمن، والسيادة، والإعمار، والمصالح الإقليمية.