كُتّاب الموقع
هدنة مؤقتة أم صفقة كبرى: إلى أين تتجه حرب غزة بعد تدخل ترامب

العرب اللندنية

الإثنين 6 تشرين الأول 2025

الخطة الأميركية للسلام في غزة بقيادة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بارقة أمل ربما أخيرة لإنهاء الصراع الطويل، لكنها تواجه تحديات كبيرة على الأرض، سواء سياسية أو لوجستية أو إنسانية، ما يجعل نجاحها مرتبطًا بتعاون الأطراف جميعها والوسطاء الإقليميين والدوليين.
 
تشير الخطة الأميركية للسلام في غزة بقيادة الرئيس دونالد ترامب إلى أنها محاولة جدية لكسر الجمود في الحرب المستمرة منذ عامين، من خلال دفع إسرائيل لوقف القصف بعد موافقة حركة حماس على إطلاق سراح الرهائن والموافقة على بعض النقاط الرئيسية في الخطة، ما يعكس تحولا ربما يمثل أقرب خطوة نحو نهاية الحرب طويلة الأمد، رغم أن العقبات على الأرض لا تزال كبيرة ومعقدة.
 
وخلال زيارته الأخيرة إلى واشنطن، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو التزامه بـ”التنفيذ الفوري” للمرحلة الأولى من خطة ترامب، في خطوة يمكن وصفها بأنها تهدف إلى إظهار حسن النية أمام الإدارة الأميركية والحفاظ على مصالح إسرائيل الإقليمية، لكن الواقع الميداني يعكس تحديات جسيمة.
 
ويعقد الدمار الذي لحق بغزة، بما في ذلك البنية التحتية المدنية والمرافق الحيوية، الجوانب اللوجستية، خصوصًا في ما يتعلق بإطلاق الرهائن وانتشال جثث القتلى من تحت الأنقاض.
 
وتجعل هذه التحديات أيّ جدول زمني لتنفيذ الخطة غير واضح، بينما تبقى قضايا أساسية مثل نزع سلاح حماس والانسحاب الكامل للقوات الإسرائيلية غير محسومة، ما يثير تساؤلات جدية حول إمكانية تكرار تجارب سابقة لوقف إطلاق النار التي انهارت سريعًا بسبب استئناف التصعيد العسكري.
 
نجاح المبادرة يعتمد على التوازن بين الطموحات السياسية والقدرة على التنفيذ الميداني، والتعامل بحكمة مع تعقيدات النزاع
 
وتبدو خطة ترامب محاولة ذكية لترتيب الأطراف على طاولة واحدة، لكنها غير خالية من التعقيدات. فقد أبدى نتنياهو موافقته على الخطة مع تقديم الحد الأدنى من التنازلات، بهدف تلبية مصالحه الداخلية وعدم إغضاب حليفه الأميركي الرئيسي.
 
ومن جهة أخرى، استغلت حماس الرد الجزئي على الخطة لإعادة الكرة إلى الوسطاء العرب، مثل قطر ومصر، ما يعكس قدرتها على إدارة الأزمة وتحقيق مكاسب سياسية دون التصعيد المباشر.
 
وتظهر هذه الديناميكية أن الخطة الأميركية، رغم قوتها الرمزية، تحتاج إلى توافق حقيقي على الأرض لتصبح قابلة للتنفيذ.
 
ويمثل الجانب الإنساني تحديًا آخر أمام تنفيذ الخطة، فالجهود الأميركية لإيقاف القصف لم تظهر بعد تأثيرا ملموسا على الأرض، واستمر سقوط الضحايا المدنيين في غزة، ما يؤكد أن الطريق نحو السلام محفوف بالصعوبات.
 
وعليه، فإن الاجتماعات المرتقبة في مصر بين المفاوضين من المتوقع أن تلعب دورا محوريا في الدفع بالعملية قدمًا، لكن نجاحها مرهون بقدرة الأطراف على معالجة التحديات الميدانية والسياسية، وإدارة الأزمة الإنسانية بشكل فعال.
 
ويرى خبراء أن قوة المبادرة الأميركية تكمن في قدرتها على جمع الأطراف على طاولة واحدة، لكنها لن تنجح إلا إذا تم التعامل بمرونة وواقعية مع العقبات على الأرض.
 
ويقول أورين سيتر الزميل البارز في مركز بلفر بجامعة هارفارد إن “إشراك جميع الأطراف في النقاش هو إنجاز في حد ذاته، لكنه بداية فقط، وليست نهاية العملية. الطريق نحو السلام مليء بالتحديات اللوجستية والسياسية.”
 
لحظة تامل
 
وتعكس الخلفيات التاريخية للنزاع تعقيد المشهد الحالي. فحروب غزة المتكررة، والتي بلغت ذروتها خلال العقدين الماضيين، جعلت أيّ اتفاق هش عرضة للانهيار، خصوصًا مع غياب ضمانات قوية لتنفيذه، كما أن السياسة الإقليمية المتشابكة تلعب دورًا في إعادة توازن القوى.
 
وتشير هذه الخلفيات إلى أن أيّ نجاح مستقبلي يحتاج إلى دعم دولي وإقليمي واسع، إلى جانب التزام الأطراف المحلية بالهدوء والالتزام بما تم الاتفاق عليه على الأرض.
 
وتشمل تفاصيل خطة ترامب مجموعة من النقاط الرئيسية، أبرزها إطلاق الرهائن وفق صيغة تبادل محددة، انسحاب القوات الإسرائيلية جزئيًا إلى خطوط متفق عليها، وتسليم إدارة غزة لهيئة فلسطينية مستقلة من تكنوقراط، تحت إشراف مجلس سلام دولي يترأسه ترامب، بمشاركة شخصيات دولية مثل رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير.
 
ومع ذلك، لم تتطرق حماس إلى نزع السلاح بشكل مباشر، وهو مطلب أساسي في الخطة، بينما أكدت الخطة على عدم مشاركة الحركة في إدارة القطاع مستقبلاً.
 
وتوضح هذه النقطة الفجوة بين التوقعات الأميركية والواقع الميداني، والتي ستتطلب تسويات دقيقة على الأرض، ومفاوضات مكثفة لتطبيق البنود الأساسية للخطة.
 
وعلى الصعيد السياسي، يسعى كل طرف لتحقيق مكاسب داخلية وخارجية. فبالنسبة إلى إسرائيل، تمثل المصالح الداخلية وحفظ التحالفات السياسية اختبارًا دقيقًا، فيما تسعى حماس لاستغلال أيّ فرصة لتعزيز موقفها السياسي والدبلوماسي مع الحفاظ على قوتها العسكرية في القطاع.
 
وفي الوقت نفسه، يلعب الوسطاء الإقليميون مثل قطر ومصر دورًا مركزيًا في ضمان نجاح أيّ تفاهمات، سواء عبر تقديم الدعم اللوجستي أو الضغوط الدبلوماسية على الأطراف المختلفة.
 
وتعد القضية الإنسانية من أكثر التحديات إلحاحًا، إذ يتطلب إطلاق الرهائن وانتشال الضحايا وإعادة تأهيل البنية التحتية التعاون المستمر بين المجتمع الدولي والأطراف المحلية.
 
وأظهرت الأعمال العسكرية السابقة أن أيّ تأخير في تقديم المساعدات يمكن أن يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية، ويزيد من التعقيدات السياسية والدبلوماسية.
 
ولذلك، فإن أيّ تقييم لنجاح خطة ترامب لا يمكن أن يقتصر على الأبعاد السياسية، بل يجب أن يشمل أيضًا القدرة على التنفيذ الواقعي والتخفيف من المعاناة الإنسانية.
 
هدنة بقرار أميركي
 
ولا تقتصر التحديات الإستراتيجية على الأرض فقط، بل تمتد إلى المدى الدولي، حيث تسعى الولايات المتحدة عبر الخطة إلى إعادة تثبيت نفوذها في الشرق الأوسط، وإظهار قدرة الرئيس على إدارة أزمة مستعصية.
 
في المقابل، تحاول الأطراف الإقليمية استغلال المبادرة لتحقيق مكاسب دبلوماسية، سواء عبر تعزيز دورها كوسيط محايد أو استخدام الاتفاق لتحسين موقفها الإقليمي.
 
وتوضح هذه التحركات أن هناك بعدًا متعدد المستويات للعملية، يتضمن السياسة الداخلية لكل طرف، حيث يجب على نتنياهو وحماس إقامة التوازن بين الضغوط المحلية والالتزامات الدولية، والتحديات اللوجستية والميدانية، وإدارة إطلاق الرهائن، وانتشال القتلى، وإعادة تأهيل غزة، إضافة إلى البعد الإنساني الذي يشمل توفير المساعدات العاجلة للمتضررين المدنيين، وأخيرًا البعد الدبلوماسي الإقليمي والدولي، بما في ذلك دور الوسطاء العرب والدول الكبرى في دعم الاتفاق وتحقيق استدامته.
 
وبالنظر إلى هذه الأبعاد، يمكن القول إن خطة ترامب قد تمثل نقطة تحول محتملة، لكنها ليست ضمانة لانتهاء الحرب بشكل فوري. فالطريق نحو السلام طويل ومعقد، ويحتاج إلى صبر دبلوماسي، ومرونة سياسية، والتزام الأطراف بتنفيذ ما تم الاتفاق عليه على الأرض.
 
ويعتمد النجاح النهائي للمبادرة على التوازن بين الطموحات السياسية والقدرة على التنفيذ الميداني، والتعامل بحكمة مع التعقيدات الإنسانية والإستراتيجية التي تحيط بالنزاع.
 
فالتحرك الأميركي الحالي قد يكون نقطة تحول نحو إنهاء الحرب في غزة، لكنه يظل بداية لمسار طويل يتطلب تعاونًا دبلوماسيًا صادقًا، ومرونة في التفاوض، والتزامًا بمبادئ القانون الإنساني الدولي، إضافة إلى قدرة الأطراف على معالجة التحديات الواقعية على الأرض، بما يضمن عدم العودة إلى دائرة العنف والصراع المستمر.