المياه كسلاح خفي: كيف تحوّلت إلى أداة هيمنة إسرائيلية
هاني عضاضة
الجمعة 3 تشرين الأول 2025
يُشكِّل الأمن المائي أحد أهم القضايا الاستراتيجية الراهنة والمستقبلية. فلم تعد المياه اليوم مجرد موردٍ طبيعي متوفر للجميع؛ بل تحوَّلت إلى أداة تُستخدم لفرض الهيمنة والشروط السياسية. وتهدد أزمة المياه العالمية الأمن الغذائي والصحي والبيئي في جميع أنحاء العالم، بفعل عوامل مختلفة مثل التغيرات المناخية، والتلوث، وسوء إدارة الموارد، وزيادة الطلب على المياه بسبب النمو السكاني، ولا سيما في المناطق التي تعاني أساسًا من ندرة مائية. فقد ارتفع الطلب العالمي على المياه بنسبة 600 في المئة خلال 100 عام، في حين يبلغ معدل نمو الطلب السنوي على المياه 1.8 في المئة وفقًا لموقع "فاناك" المتخصّص بالموارد المائية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
السيطرة الإسرائيلية: استراتيجية ممنهجة
أما في منطقة الشرق الأوسط، فإن المشهد ينذر بخطرٍ داهم، ولا سيما مع توسيع إسرائيل لسيطرتها على مصادر المياه السورية واللبنانية والأردنية والفلسطينية. فقد بادرت إسرائيل عبر التاريخ إلى احتلال العديد من منابع الأنهار وروافدها، وتحويل مجاريها إلى داخل الأراضي المحتلة، مثل منابع نهر الأردن وروافده (الحاصباني، الوزاني، بانياس، اللدان، اليرموك)، وبحيرة طبريا التي تُعتبر الخزان الطبيعي الرئيس الذي يغذيه نهر الأردن، وخزانات المياه الجوفية في مناطق الضفة الغربية وفي مناطق لبنانية مثل مزارع شبعا، وسد المنطرة في ريف القنيطرة (وهو أكبر سدود جنوب سوريا)، وسد الوحدة المشترك الذي يمد سوريا والأردن بمياه الشرب والري، وعددٍ من السدود على نهر الرقاد (أحد روافد نهر اليرموك)، وينابيع منطقة نبع الصخر.
إلا أن التحدي الذي تفرضه إسرائيل يتجاوز حاجتها إلى مصادر المياه لحل مشاكل العجز المائي، ولا سيما بعد تحقيقها خطوات كبيرة نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي المائي بواسطة استخدام التقنيات الحديثة لتحلية مياه البحر، وإنشاء خمس محطات لتحلية المياه بتكلفة منخفضة تعتمد على الغاز الطبيعي ومصادر طاقة بديلة، وهي قادرة على تغطية أكثر من 50% من الاستهلاك المحلي لمياه الشرب. كما يتزايد اعتماد المزارعين الإسرائيليين على تقنيات الري بالتنقيط، واستخراج المياه الصالحة للشرب من الهواء عبر أجهزة "جينيوس" التي طورتها شركة "ووتر جين" الإسرائيلية، مما أدى إلى انخفاض الحاجة إلى المصادر المائية المحتلة، وتراجع معدلات سحب المياه من الخزانات الجوفية الساحلية والبحرية بسبب تزايد نسبة ملوحتها بعد عقود من الضخ الإسرائيلي المفرط، والذي تسبب أيضًا في زيادة نسبة ملوحة المياه الجوفية في الضفة الغربية بنسبة 27.2% وفقًا لمصادر السلطة الفلسطينية. بالتالي، فإن استيلاء إسرائيل الممنهج على المزيد من الموارد المائية في المنطقة، في ظل توافر حلول بديلة ومستدامة، يهدف إلى استخدامها لتكون وسيلة للابتزاز السياسي والاقتصادي من جهة، وربما تهيئة الأرضية الملائمة لمشاريع استيطانية جديدة من جهة أخرى.
لقد أصبح ما قاله دافيد بن غوريون، أول رئيس وزراء لإسرائيل، خلال ولايته الثانية في العام 1955، حول مصير إسرائيل وكيف أنه يتوقف على نتائج معركة المياه مع العرب، معكوسًا رأسًا على عقب. فمصير الدول العربية، ولا سيما تلك المجاورة لإسرائيل، هو الذي أصبح رهينًا بنتائج هذه المعركة، بما في ذلك مصر التي يطاردها شبح سد النهضة الإثيوبي المدعوم إسرائيليًا. أما سوريا، فهي تخوض مُكرهةً، بقيادة أحمد الشرع، مفاوضات غير متكافئة مع إسرائيل في ظل سيطرة الأخيرة على أكثر من ثلثي مصادر المياه في جنوبها، واستمرارها في القصف والتوغل داخل الأراضي السورية، إضافة إلى استخدام إسرائيل لملف المياه للتحكّم بوتيرة التوترات السياسية بين دمشق والسويداء.
استيلاءات حديثة وأرقام مفزعة
وقد استولت إسرائيل على المصادر الرئيسة لمياه نهر الأردن في مرتفعات الجولان المحتلة منذ العام 1967، والجانب السوري من جبل الشيخ (حرمون) المحتل وسد الوحدة منذ كانون الأول/ ديسمبر 2024، وسد المنطرة منذ كانون الثاني/ يناير 2025. وقد كان السفير قصي الضحاك، مندوب سوريا لدى الأمم المتحدة، قد أشار أمام جلسة لمجلس الأمن في العاشر من نيسان/ أبريل 2025، إلى استيلاء القوات الإسرائيلية على الموارد المائية، وتحويل مجاري الأنهار من منابع المياه في جبل الشيخ والمسطحات المائية في المنطقة الجنوبية.
وفقًا لتقرير نشرته مجلة "آفاق البيئة والتنمية" السورية في الأول من حزيران/ يونيو 2025، قدَّر الخبير البيئي الدكتور جورج كرزم كمية المياه التي تسحبها إسرائيل عبر الناقل القطري والسدود التي أقامتها على طول نهر الأردن بأكثر من 600 مليون متر مكعب سنويًا؛ أي ما يعادل نحو ثلث الاستهلاك الإسرائيلي من المياه، حيث يُحوَّل جزء كبير منها إلى بحيرة طبريا وشبكة المياه الإسرائيلية. في حين يشير الخبير الاستراتيجي السوري العميد الركن أحمد رحّال إلى أن إسرائيل تسيطر على 40% من المياه السورية في مناطق الجولان ودرعا والقنيطرة، إضافة إلى 40% من المياه السورية المشتركة مع الأردن؛ أي نحو 80% من مياه جنوب سوريا.
أما في لبنان، فيشير الخبير اللبناني المتخصّص بهندسة الطاقة الدكتور نضال الشرتوني، في ورقة بحثية نُشِرت في الأول من نيسان/ أبريل 2025، إلى أن كمية المياه التي تُصادرها إسرائيل من المصادر الجوفية اللبنانية تبلغ نحو 195 مليون متر مكعب سنويًا، وأن إجمالي المياه السطحية والجوفية التي تُصادرها إسرائيل تبلغ نحو 429 مليون متر مكعب سنويًا. وتشمل هذه الأرقام كميات المياه التي تصادرها إسرائيل من نهري الوزاني والحاصباني.
في حين يشير الجهاز المركزي للإحصاء وسلطة المياه التابع للسلطة الفلسطينية، إلى أن إسرائيل تمنع سكان الضفة الغربية من الوصول إلى 250 مليون متر مكعب من مياه نهر الأردن منذ العام 1967، مما يجبرهم على شراء المياه من شركة المياه الإسرائيلية "ميكروت". أما رئيس الوزراء الفلسطيني السابق محمد اشتية، فذكر خلال المؤتمر العربي الرابع للمياه، أن إسرائيل تستولي على 600 من أصل 800 مليون متر مكعب من المياه الجوفية الفلسطينية؛ أي ما نسبته 75%.
من النيل إلى القرن الأفريقي
لا تقتصر سياسة إسرائيل في إدارة المياه لتكون أداة للهيمنة على الدول المجاورة المباشرة فحسب؛ بل تمتد إلى دول حوض النيل والقرن الأفريقي. فعبر دعمها لإثيوبيا في مشروع سد النهضة، الذي يتعارض بناؤه مع مبادئ مبادرة حوض النيل، تهدف إلى تهديد الأمن المائي للدولة المصرية التي تعتمد على مياه النيل بنسبة تفوق 90% في احتياجاتها المائية، تماشيًا مع استراتيجية ترهين الأمن المائي والطاقوي للدول المجاورة للقرار الإسرائيلي. ويتقاطع هذا الدعم مع طموحات إسرائيلية قديمة بالحصول على حصة من مياه النيل؛ إذ إن نقل مياه النيل إلى سيناء، ثم ضخها إلى صحراء النقب وقطاع غزة – وهو مشروع سبق أن نوقش خلال مفاوضات كامب ديفيد – أصبح قيد التنفيذ فعليًا. فقد أشارت تقارير إلى أن ضخ مياه النيل إلى مدينة بئر العبد قد بدأ في العام 2019 في إطار المشروع القومي المصري لتنمية سيناء، الذي لا يزال مستمرًا لتمديد خطوط المياه عبر قناة السويس إلى شمال سيناء عبر أنابيب ضخمة. وبعد أشهر قليلة فقط، أعلنت السلطات الإثيوبية عن افتتاح سد النهضة وبدء ملء خزانه، وهو الأمر الذي حوّل مشروع ضخ مياه النيل إلى سيناء، تحت ضغوط أزمة السد الإثيوبي، وتهديد إسرائيل بتهجير سكان غزة إلى سيناء، وأزمة تراجع إنتاج الغاز الطبيعي في مصر، إلى ورقة ضغط إضافية تتيح لإسرائيل المزيد من التحكم في القرار المصري. غير أن المثير للعجب أن مشروع بناء سد النهضة سبق مشروع استجرار مياه النيل إلى سيناء بسنوات، مما يُحمِّل السلطات المصرية مسؤولية مباشرة، ربما لعدم أخذها بجدية كافية بالتهديدات الجيوسياسية البعيدة الأمد.
الأردن: نموذج للتبعية المائية والطاقوية
أما في الأردن، فتتفاقم أزمة المياه سوءًا عامًا تلو الآخر، وهي تُعتبر الأخطر بين الدول المتضررة من السياسات الإسرائيلية، ذلك لاستيلاء إسرائيل على المصادر المائية الأردنية والمشتركة مع سوريا. ويُعد الأردن من أكثر الدول تعرضًا لندرة المياه؛ إذ تُقدَّر حصة الفرد السنوية من المياه الصالحة للاستخدام بأقل من 100 متر مكعب سنويًا وفقًا لبيانات منظمة "اليونيسف"؛ أي إن حصة الفرد في الأردن تقلّ عن خط الندرة المائية العالمي البالغ 500 متر مكعب من المياه للفرد سنويًا بخمسة أضعاف. وهذا الوضع المائي الخطير أجبر الأردن على الاعتماد على نحوٍ كبير على واردات المياه من إسرائيل، حيث تتحكم تل أبيب في توقيت المياه التي تُضخ وكمياتها. ويُضاف إلى هذا الاعتماد المائي، اعتماد الأردن على الغاز الإسرائيلي، حيث تشير التقارير إلى أن حوالي 60% من الغاز المستهلك في الأردن يُستورد من إسرائيل، بمقدار 3 مليارات متر مكعب سنويًا.
الأمن المائي أداة هيمنة سياسية واقتصادية
وعليه، فإن احتلال إسرائيل للأراضي الاستراتيجية، وفرضها سيطرتها على الأنهار والينابيع وخزانات المياه الجوفية والسدود، لا يهدف فقط إلى سد احتياجات الاستهلاك المحلي، وتحويل الموارد لمصلحة خطط الاستيطان، ودعم الاقتصاد والإنتاج الزراعي الإسرائيلي؛ بل يسعى أساسًا إلى ربط الإمدادات المائية وغيرها بآليات الضغوط السياسية والاقتصادية المباشرة، وإلى تعزيز النفوذ الإسرائيلي على مستوى الإقليم. إذ تمثل السياسات المائية الإسرائيلية استراتيجية شاملة تقوم على السيطرة على الموارد الحيوية، واستخدام المياه والطاقة بوصفهما أدواتٍ للضغط والابتزاز السياسي والاقتصادي.
المصدر: المدن