كُتّاب الموقع
الصين تواجه اختبارا صعبا في التعامل مع أزمات الشرق الأوسط

العرب اللندنية

الأربعاء 5 تشرين الثاني 2025

الصين تشهد تحولًا لافتًا في سياستها تجاه الشرق الأوسط، إذ انتقلت من الحياد التقليدي إلى دور فاعل يسعى إلى إدارة الأزمات عبر الدبلوماسية والتنمية بدل القوة العسكرية. هذا التحول وضعها أمام اختبارات معقدة في بيئة مضطربة.
 
 تواجه الصين اليوم أحد أكثر اختبارات سياستها الخارجية تعقيدًا في منطقة الشرق الأوسط، التي تمثل مختبرًا فعليًا لقدرتها على الموازنة بين طموحاتها كقوة عظمى ناشئة ومحدودية أدواتها في بيئة سياسية مضطربة.
 
ومنذ عقود طويلة، تبنّت بكين مبدأ عدم التدخل في شؤون الدول، متجنبة الانخراط في نزاعات أو تحالفات أمنية خارج محيطها الآسيوي المباشر. غير أنّ التحولات الاقتصادية والاستراتيجية التي رافقت صعودها العالمي دفعتها إلى مراجعة هذا النهج، خاصة في منطقة حيوية كمنطقة الشرق الأوسط، التي تُعدّ مصدرًا رئيسيًا للطاقة وممرًا محوريًا للتجارة البحرية ضمن مشروع الحزام والطريق.
 
وبدأ الانفتاح الصيني على الشرق الأوسط تدريجيًا منذ مطلع الألفية الجديدة، لكن الطفرة الحقيقية جاءت مع إعلان الرئيس شي جينبينغ في عام 2013 عن مبادرة الحزام والطريق، التي أعادت رسم خريطة المصالح الصينية حول العالم.
 
ومع اتساع رقعة المشروع ليشمل أكثر من سبعين دولة، برز الشرق الأوسط باعتباره عقدة وصل استراتيجية تجمع بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، وتمثل مصدرًا أساسيًا للنفط والغاز الذي تعتمد عليه بكين لتغذية نموها الصناعي الهائل.
 
بينما ترى الولايات المتحدة الأمن يرتكز على الردع والتحالفات الدفاعية، تعتمد بكين مفهوم الأمن عبر التنمية
 
وبمرور الوقت، وجدت الصين نفسها مجبرة على تجاوز دور الشريك الاقتصادي البحت إلى فاعل سياسي يسعى لحماية مصالحه وتأمين خطوط الإمداد عبر وساطات دبلوماسية وأدوار توازنية في منطقة تعجّ بالصراعات.
 
وجاء أول اختبار فعلي للدور الصيني الجديد عام 2023 عندما تمكنت بكين من جمع الخصمين الإقليميين، السعودية وإيران، على طاولة واحدة بعد سبع سنوات من القطيعة الدبلوماسية.
 
وقد اعتُبر هذا الاتفاق إنجازًا تاريخيًا للصين، ليس فقط لأنه أنهى توترًا كاد أن يفجر مواجهة إقليمية واسعة، بل لأنه أعطى لبكين مكانة غير مسبوقة كلاعب دبلوماسي في الشرق الأوسط.
 
ومع ذلك، فإن الوساطة الصينية لم تكن نابعة من نزعة مثالية أو رغبة في تحقيق السلام المجرد، بل من حسابات اقتصادية دقيقة تمس أمن الطاقة الصيني. فالسعودية وإيران تقعان على طرفي مضيق هرمز، الذي تمرّ عبره نحو 45 في المئة من واردات الصين النفطية وقرابة 30 في المئة من وارداتها من الغاز الطبيعي المسال.
 
ومن ثمّ، كانت خشية بكين الكبرى أن يؤدي أي صدام بين البلدين إلى إغلاق هذا المضيق الحيوي، ما يعني شللاً في الإمدادات النفطية وضربة قاسية للاقتصاد الصيني.
 
وأظهرت تلك الوساطة كيف تمارس الصين دبلوماسية قائمة على المصلحة والحذر في آن واحد، فهي لا تسعى إلى استبدال النفوذ الأميركي أو منافسته عسكريًا، بل تعمل على إدارة التوازنات بما يضمن استمرار تدفق النفط وتجنب أي اضطراب في سلاسل الإمداد.
 
وتجسدت هذه المقاربة البراغماتية مرة أخرى في العام التالي، عندما رعت الصين إعلان بكين 2024 بين حركتي فتح وحماس.
 
وكان الهدف المعلن هو توحيد الصف الفلسطيني الداخلي باعتباره شرطًا ضروريًا لأي تسوية سياسية محتملة مع إسرائيل. لكن في العمق، كانت بكين تسعى إلى تعزيز صورتها كقوة حيادية قادرة على التوسط في القضايا الشائكة من دون إرث استعماري أو انحياز أيديولوجي.
 
ورغم محدودية تأثيرها في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، فقد اتبعت الصين نهجًا مغايرًا للقوى الغربية، فهي لا تقدم دعمًا عسكريًا أو ضمانات أمنية، بل تحاول تقليل احتمالات التصعيد عبر بناء جسور الثقة وتشجيع الحلول السياسية.
 
وقد رأت أن رأب الانقسام الفلسطيني يشكل مدخلًا لتقليل قابلية الصراع للانفجار، ومنع الأطراف الإقليمية، خصوصًا إيران، من استغلال الفصائل الفلسطينية كورقة ضغط في مواجهة إسرائيل أو الغرب.
 
وبهذا المعنى، سعت بكين إلى إدارة الصراع لا حله، وهو نهج واقعي ينسجم مع فلسفتها في السياسة الخارجية التي تفضّل التدرج والاستقرار على المواجهة المباشرة.
 
وفي الوقت الذي كانت الصين تحاول تعزيز حضورها الدبلوماسي، وجدت نفسها أمام أزمة البحر الأحمر عام 2024، التي مثّلت تحديًا حقيقيًا لسياساتها.
 
وأدت الهجمات التي شنّها الحوثيون على السفن التجارية إلى اضطراب كبير في حركة التجارة العالمية، مما دفع الولايات المتحدة إلى تشكيل تحالف عسكري تحت اسم “عملية حارس الازدهار” لتأمين الممرات الملاحية.
 
ورغم أن الصين كانت المتضرر الأكبر من تلك الهجمات، نظرًا لاعتمادها الواسع على الممرات البحرية لنقل بضائعها، فإنها رفضت الانضمام إلى التحالف العسكري الأميركي، متمسكة بمبدأ عدم التدخل.
 
وتعددت دوافع الموقف الصيني: أولًا، لم ترغب بكين في إعطاء واشنطن فرصة لإعادة ترسيخ هيمنتها العسكرية في المنطقة تحت شعار حماية الملاحة الدولية.
 
وثانيًا، كانت الصين تخشى أن يؤدي انخراطها العسكري إلى الإضرار بعلاقاتها المعقدة مع إيران وجماعة أنصار الله، اللتين تشكلان جزءًا من شبكة علاقاتها الإقليمية ضمن سياسة “تعدد الاتجاهات”.
 
وثالثًا، فإن أي اصطفاف عسكري ضد الحوثيين في ظل الحرب الإسرائيلية على غزة كان سيُفسَّر عربيًا وإسلاميًا على أنه دعم غير مباشر لإسرائيل، وهو ما كانت بكين حريصة على تجنبه.
 
وبدلًا من الانضمام إلى التحالف، اختارت الصين مسارًا دبلوماسيًا هادئًا مكّنها من التوصل إلى تفاهم غير معلن مع الحوثيين يسمح بمرور سفنها التجارية عبر البحر الأحمر دون استهداف، مقابل دعم سياسي في المحافل الدولية.
 
وعكس هذا التفاهم غير التقليدي مهارة الصين في توظيف أدواتها غير العسكرية لحماية مصالحها، وأكّد في الوقت نفسه قدرتها على الجمع بين البراغماتية والمرونة في التعامل مع أطراف متناقضة.
 
ومع ذلك، فقد كشفت الأزمة أيضًا حدود السياسة الصينية القائمة على الحياد، إذ أثبتت أن الاعتماد على الحوار وحده لا يكفي في بيئة تتسم بكثرة اللاعبين المسلحين وغياب سلطة مركزية ضابطة.
 
وتُظهر هذه التحركات أن الصين باتت تتعامل مع الشرق الأوسط بوصفه ساحة اختبار لمقاربتها الجديدة للأمن الدولي.
 
وبينما ترى الولايات المتحدة الأمن من منظور عسكري يرتكز على الردع والتحالفات الدفاعية، تعتمد بكين على مفهوم الأمن عبر التنمية، الذي يربط الاستقرار السياسي بالنمو الاقتصادي.
 
وهي تراهن على أن مشاريع الاستثمار والبنى التحتية وتوسيع التبادل التجاري يمكن أن تخلق شبكة مصالح متداخلة تقلّل من احتمالات الحرب. إلا أن هذا النهج يصطدم في الشرق الأوسط بواقع مختلف، حيث تتغلب الانقسامات الأيديولوجية والطائفية على الحسابات الاقتصادية، ما يجعل التفاعل الصيني عرضة للتحديات المستمرة.
 
ورغم النجاحات الدبلوماسية التي حققتها الصين في بعض الملفات، فإن فشلها في التوسط بين إسرائيل وإيران عام 2025 شكّل تذكيرًا بحدود نفوذها.
 
وحين تصاعد التوتر بعد هجوم إسرائيلي استهدف مواقع في الداخل الإيراني، حاولت بكين التدخل لاحتواء الأزمة وعرضت وساطتها، لكنها اصطدمت بعقبات سياسية وأمنية جعلت جهودها غير مثمرة.
 
ويُعزى هذا الفشل إلى غياب أدوات الضغط الصلبة لدى الصين، إذ تفتقر إلى التحالفات العسكرية والنفوذ الاستخباراتي الذي يمكّنها من التأثير المباشر في قرارات أطراف النزاع.
 
وبذلك بقي دورها محصورًا في الدعوة إلى التهدئة وإطلاق بيانات توازن بين الطرفين.
 
وفي ضوء هذه التجارب، يمكن القول إن الصين لا تسعى إلى فرض الأمن في الشرق الأوسط بقدر ما تحاول إدارة حالة انعدام الأمن بما يخدم مصالحها الاستراتيجية ويحافظ على مكانتها كقوة مسؤولة.
 
و تدرك بكين أن الانخراط العسكري المباشر قد يكلّفها كثيرًا من رأس مالها السياسي ويقوّض صورتها كقوة سلام، ولذلك تفضل العمل عبر أدوات الاقتصاد والدبلوماسية والعلاقات متعددة الاتجاهات.
 
وفي هذا السياق، أصبحت بكين تجيد اللعب على التناقضات: فهي تتعاون مع السعودية في مجال الطاقة، وتبني شراكات استراتيجية مع إيران، وتنسّق مع إسرائيل في مجالات التكنولوجيا، وتؤكد في الوقت ذاته دعمها للحقوق الفلسطينية.
 
إن ما يميز التحرك الصيني في الشرق الأوسط هو البراغماتية الممزوجة بالحذر. فهي لا تخوض مغامرات ولا تسعى إلى ملء الفراغ الذي تركته واشنطن بقدر ما تحاول توسيع هامش نفوذها بهدوء.
 
كما أنها تتعامل مع كل أزمة بمنطق “تجنب الخسائر لا تحقيق المكاسب”، إذ ترى أن الحفاظ على الاستقرار النسبي يكفي لتحقيق أهدافها الاقتصادية وضمان استمرار مشروع الحزام والطريق دون اضطرابات. هذه المقاربة الهادئة جعلت الصين تحظى بثقة أطراف متناقضة أحيانًا، لكنها في المقابل جعلت تأثيرها السياسي محدودًا في الأزمات الكبرى التي تتطلب أدوات ضغط قوية.