كُتّاب الموقع
اتفاقيات أبراهام مسار محتمل لتحقيق استقرار لبنان

العرب اللندنية

الخميس 30 تشرين الأول 2025

 يشهد لبنان، بعد عقود من الصراعات الداخلية والإقليمية، تحولات غير مسبوقة في الخطاب الوطني حول إمكانية تحقيق السلام مع إسرائيل. وبعد وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024، بدأ الحديث عن السلام يظهر في وسائل الإعلام والمناقشات العامة، وهو تحول تاريخي في بلد طالما هيمنت فيه سياسات المقاومة المسلحة، وخصوصًا حزب الله.
 
وتأتي هذه اللحظة في سياق اهتمام إقليمي ودولي متزايد بتوسيع اتفاقيات أبراهام، وهو إطار دبلوماسي واضح يمكن للبنان استثماره لتعزيز استقراره السياسي والاقتصادي، بما يتيح له مواجهة التحديات المزمنة التي طالما أعاقت التنمية والاستقرار في البلاد.
 
وتتمثل العقبة الأكبر أمام أي محاولة للتقدم نحو السلام في بقاء حزب الله مسلحًا وقدرته على التأثير السياسي داخل الدولة، إضافة إلى القوانين اللبنانية الصارمة المناهضة للتطبيع مع إسرائيل، والتي تمنع أي اتصال مباشر أو غير مباشر بين اللبنانيين والإسرائيليين. ورغم أن هذه العوائق كبيرة، فإنها تؤكد ضرورة التفكير في مسار تدريجي يعتمد على مكاسب ملموسة للبنان بدلاً من الاعتماد على الحل العسكري أو على سياسات المقاومة التقليدية التي لم تحقق سوى المزيد من التدهور.
 
وقد ظهر هذا التحول في الخطاب اللبناني من خلال تصريحات الرئيس جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، الذين تحدثوا علنًا عن ضرورة التفاوض مع إسرائيل، مؤكدين على أن الحرب لم تحل النزاعات القديمة وأن لبنان لا يمكن أن يكون خارج المسار الإقليمي نحو حل الأزمات.
 
وتوفر اتفاقيات أبراهام إطارًا عمليًا يمكن للبنان من خلاله تحقيق فوائد متعددة على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ومن الناحية السياسية، يتيح هذا المسار تعزيز الاستقرار عبر دمج لبنان في شبكة علاقات دبلوماسية إقليمية متوازنة، تمكّنه من حماية مصالحه الوطنية وتقوية موقعه أمام الضغوط الإقليمية، بعيدًا عن الاعتماد المطلق على وكلاء خارجيين أو توترات مستمرة.
 
 
كما يسمح المسار بتحريك النقاش الداخلي نحو السلام التدريجي، ما يقلل من تأثير الخطاب المسلح ويمنح المواطنين شعورًا بالسيادة والأمل في مستقبل أكثر استقرارًا.
 
وأما على الصعيد الاقتصادي، فإن تبني لبنان لمسار أبراهام يمكن أن يفتح الأبواب أمام مشاريع مشتركة في الطاقة والمياه والبنية التحتية، بما في ذلك تمديد خط الغاز العربي لتوفير الطاقة، وإدارة الموارد المائية المشتركة، وتحسين الصرف الصحي في حوض الحاصباني، وهو ما يسهم في تخفيف الأزمات الاقتصادية والبيئية التي يعاني منها لبنان منذ سنوات.
 
كما يتيح مسار السلام جذب الاستثمارات الأجنبية وإحياء السياحة العابرة للحدود، وهو ما يمثل رافعة حيوية لإعادة إنعاش الاقتصاد اللبناني المنهك، الذي انكمش بنسبة تقارب 40 في المئة منذ 2019، وفقد جزءًا كبيرًا من قدراته الإنتاجية والمصرفية. وحتى قبل التوصل إلى اتفاق سلام شامل، يمكن للبنان اتخاذ خطوات تدريجية تبني الثقة مع إسرائيل وتظهر جديته في اعتماد المسار الدبلوماسي.
 
وتشمل هذه الخطوات إتمام ترسيم الحدود البرية في نقاط حساسة مثل رأس الناقورة/روتش هانيكرا وفق صيغة مقبولة دوليًا، وفتح المعابر الحدودية أمام السياحة والتجارة، والاعتراف اللبناني بالسيادة على مناطق مثل مزارع شبعا وقرية الغجر ضمن سياق تاريخي محدد لتخفيف التوترات القديمة، والتعاون في مشاريع الطاقة والمياه، وتسهيل الحركة المدنية والدينية بين البلدين عبر تنظيم زيارات مشروطة للأماكن المقدسة.
 
وهذه الإجراءات، حتى إذا كانت محدودة في البداية، يمكن أن تمثل مؤشرات ملموسة للالتزام بمسار السلام، وتمنح اللبنانيين رؤية عملية للفوائد الاقتصادية والسياسية للانفتاح على إسرائيل. ويلعب الدعم الأميركي دورًا حيويًا في تعزيز فرص لبنان للاستفادة من اتفاقيات أبراهام، سواء عبر تقديم حوافز اقتصادية ودبلوماسية، أو من خلال تشجيع شركاء إقليميين مثل السعودية والإمارات وقطر على دعم المبادرة.
 
ويمكن للولايات المتحدة استخدام سياسة الحافز والعقاب لتخفيف تطبيق القوانين المناهضة للتطبيع، بما يسمح للمجتمع المدني اللبناني بالمشاركة في مسار السلام دون التعرض للملاحقة القانونية، ما يشكل دعماً إضافياً لإعادة بناء الثقة الداخلية والدعم الشعبي لمبادرات السلام.
 
ولا تزال التحديات كبيرة، فحزب الله على الرغم من تراجع قوته النسبية، ما زال مسلحًا وقادرًا على التأثير على السياسة اللبنانية وعرقلة أي خطوات قد تقوض نفوذه. كما أن التوازنات الطائفية والسياسية في البرلمان، وبالذات موقف رئيسه نبيه بري الحليف التقليدي لحزب الله، قد تؤخر أو تعرقل أي محاولة رسمية لتبني مسار السلام الكامل قبل الانتخابات النيابية المقبلة في مايو 2026.
 
 
ورغم ذلك، فإن الضغط الدولي، وخصوصًا من الولايات المتحدة، يمكن أن يشجع القيادة اللبنانية على البدء بخطوات تدريجية، مثل تبسيط تطبيق قوانين التطبيع، وفتح المعابر الحدودية، وتسهيل المشاريع الاقتصادية المشتركة، ما يهيئ بيئة أكثر استقرارًا للتفاوض على اتفاق سلام شامل لاحقًا.
 
ومن ناحية أخرى، يمكن لمسار أبراهام أن يوفر للبنان حلاً طويل الأمد لتقليص التوترات على حدوده الشمالية مع إسرائيل، بما يقلل من احتمالات الحرب المستمرة، ويعزز قدرة الدولة على فرض القانون والسيطرة على المليشيات المسلحة، ويعيد الثقة الدولية بالمؤسسات اللبنانية، ما يتيح إعادة تدفق المساعدات الدولية وفرص التمويل والاستثمار.
 
ويُنظر إلى هذا المسار أيضًا كوسيلة لتوسيع شبكة العلاقات الإقليمية للبنان، بعيدًا عن الاعتماد المطلق على وكلاء إقليميين أو أزمات مستمرة، مع الحفاظ على القدرة على الموازنة بين المصالح الداخلية والخارجية.
 
وفي ضوء هذه المعطيات، يمثل تبني اتفاقيات أبراهام مسارًا استراتيجيًا ليس فقط للسلام، بل لتحقيق استقرار سياسي واقتصادي شامل للبنان. إذ يمكن للقيادة اللبنانية، بالاستفادة من الدعم الدولي والإقليمي، أن تبدأ خطوات تدريجية نحو السلام، مما يعزز التنمية الاقتصادية، ويعيد بناء الثقة الداخلية والخارجية، ويضع لبنان على طريق أكثر استقرارًا في منطقة مليئة بالتقلبات والتحديات.
 
ولن يعزز النجاح في هذه المبادرة فقط أمن لبنان واستقراره الاقتصادي، بل سيجعل منه لاعبًا فاعلًا قادرًا على المشاركة بشكل أكبر في شبكة العلاقات الإقليمية، مستفيدًا من مزايا الانفتاح على إسرائيل في مجالات الطاقة والسياحة والاستثمار والتجارة، ما يخلق دورة إيجابية للنمو والاستقرار يمكن أن تغير وجه لبنان في المستقبل القريب.
 
ويمثل هذا المسار، رغم صعوباته والتحديات الداخلية والخارجية، فرصة تاريخية للبنان للانتقال من حالة الركود السياسي والاقتصادي المستمرة إلى مرحلة من الاستقرار والتطور، حيث تصبح مصالح الدولة والمجتمع المدني، والاقتصاد الوطني، هي المحدد الرئيسي للقرارات، وليس النفوذ الخارجي أو المليشيات المسلحة.
 
ويتطلب تبني هذا الطريق شجاعة سياسية ورؤية استراتيجية من القيادة اللبنانية، مدعومة بالدعم الدولي والإقليمي، لضمان أن يصبح السلام التدريجي وفق اتفاقيات أبراهام خيارًا عمليًا وقابلًا للتحقيق، بدلاً من كونه مجرد خطاب أو أمل بعيد.