كُتّاب الموقع
مصر تمسك بمفتاح الخطة الأميركية، لكن فشل الهدنة يثير مخاوفها الأمنية

العرب اللندنية

الجمعة 17 تشرين الأول 2025

 أعادت قمة شرم الشيخ بشأن وقف إطلاق النار في غزة مصر إلى الواجهة كأحد الأطراف الرئيسية القليلة التي تمسك بمفتاح نجاح خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب. لكن لعب هذا الدور المحوري لا يغطي على مخاوف القاهرة من فشل الهدنة بين حماس وإسرائيل، في ضوء مؤشرات على تلكؤ في تنفيذ تفاصيل المرحلة الأولى ومخاوف من الشروع في المرحلة الثانية، وهي الأكثر تعقيدا.
 
وكان واضحا من خلال الحفاوة التي أبداها ترامب بالرئيس المصري عبدالفتاح السيسي على هامش القمة، وامتداح دور مصر في الوصول إلى اتفاق وقف إطلاق النار، أن واشنطن تريد تبديد التسريبات والتوقعات بشأن البرود في العلاقة بين الرئيسين بشأن غزة بسبب موقف مصر الحاسم الرافض لتهجير سكان غزة والدفع بالبعض منهم لتجاوز الحدود المصرية والتعامل مع سيناء على أنها “خطة بديلة”.
 
وسهّلت مصر مفاوضات غير مباشرة بين إسرائيل وحماس، ما أدّى إلى اتفاق لبدء المرحلة الأولى من خطة ترامب وتتضمن إعادة جميع الرهائن الإسرائيليين المحتجزين في غزة، والإفراج عن مئات الأسرى الفلسطينيين، والانسحاب الجزئي للقوات الإسرائيلية.
 
وأجرت مصر هذه المحادثات بالتعاون مع مسؤولين قطريين وأتراك وأميركيين، تماشيا مع إستراتيجيتها الرامية إلى ضمان بقاء حل النزاع جهدا دوليا جماعيا. وطوال المناقشات، أكدت القاهرة على أولويات أمنها القومي، رافضة أيّ فكرة لتولي المسؤولية الكاملة عن غزة.
 
حدوث فراغ في السلطة بغزة قد يُؤدي إلى ضغوط على القاهرة للتدخل مؤقتا، وهو دور "مؤقت" قد يتحول بسهولة إلى تورّط مكلف
 
وأكد المسؤولون المصريون أن إدارة القطاع يجب أن تقع في نهاية المطاف على عاتق الفلسطينيين أنفسهم، بدعم من المجتمع الدولي. كما أكدوا رفضهم السماح بنزوح جماعي للفلسطينيين إلى شبه جزيرة سيناء المصرية، المتاخمة لغزة.
 
وعلى الرغم من أن دور مصر في عملية السلام في غزة كان منخفضا نسبيا في فترات سابقة، إلا أن أجهزتها الاستخباراتية وقادتها العسكريين ودبلوماسييها كانوا منخرطين بعمق وراء الكواليس.
 
ويرى ديفيد باتر، الزميل المشارك في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التابع لمؤسسة تشاتام هاوس، أنه بعد أن تجاوزت خطة ترامب عقباتها الأولية، ستتطلب المراحل اللاحقة مشاركة مصرية أكبر. وأن القاهرة مستعدة للمساعدة في جهود إعادة الإعمار، إلا أن الخطة تثير مخاوف أمنية كبيرة، لاسيما خطر تورط مصر في مهمة مطولة دون دعم كاف من دول أخرى.
 
وهذا ما يُهيئ بيئة مُحفِّزة لخطة ترامب، وهو الدور الحاسم للقاهرة التي سيكون تعاونها حيويا لضمان التدفق السلس للمساعدات إلى غزة، وقد تُساهم أيضا بأفراد في قوة الأمن الدولية المُقترحة. ولا ينبع تردد القاهرة في التدخُّل المُفرط في غزة من مخاوفها بشأن الولايات المتحدة وإسرائيل فحسب، بل أيضا من تجربتها التاريخية. فقد كانت إدارة مصر لغزة بعد قيام إسرائيل عام 1948 مُحفوفة بالصعوبات، وفشلت في منع احتلال إسرائيل اللاحق لسيناء عام 1967.
 
كما تُبدي الحكومة المصرية حذرا بشأن التأثير المُحتمل لتدخُّل أعمق على اقتصادها المحلي، الذي أظهر مؤخرا بوادر انتعاش بعد فترة صعبة. وأيُّ تصعيد للتوترات مع إسرائيل أو تولي دور أمني كبير في غزة قد يُعرِّض عودة الاستثمار الأجنبي ونموَّ قطاع السياحة للخطر. ومن العوامل المُعقِّدة الأخرى اعتماد مصر على واردات الغاز الطبيعي من إسرائيل عبر خط أنابيب عابر للحدود. وهذه الواردات مُستمرَّة، ومن المُتوقَّع أن تزداد بموجب اتفاقية جديدة. كما تستورد مصر أيضا الغاز الطبيعي المسال وتعمل على توسيع طاقتها الاستيعابية لاستقباله، وتبقى تكلفة هذه الإمدادات أعلى بكثير من تكلفة الغاز القادم عبر خط الأنابيب من إسرائيل.
 
وتتضمن خطة ترامب لغزة العديد من القضايا العالقة. فهي تدعو إلى زيادة إيصال المساعدات، بما في ذلك عبر معبر رفح بين مصر وغزة، الذي سيُفتح في كلا الاتجاهين. ومع ذلك، فإنها تترك أسئلة عالقة حول الوجود العسكري الإسرائيلي على جانب غزة من المعبر وفي ممر فيلادلفيا.
 
الخطة تثير مخاوف أمنية كبيرة، لاسيما خطر تورط مصر في مهمة مطولة دون دعم كاف من دول أخرى
 
وتنص الخطة على أن قوة الأمن الدولية ستتعاون مع مصر وإسرائيل لتأمين المناطق الحدودية والمساعدة في تدريب قوات الشرطة الفلسطينية الجديدة، على الرغم من أن تشكيل هذه القوات وتمويلها لم يُحسما بعد.
 
كما تُحدد الخطة عملية نزع سلاح حماس، لكنها تفتقر إلى آلية تنفيذ واضحة. وتنص على أنه بمجرد إطلاق سراح جميع الرهائن، سيحصل أعضاء حماس الذين ينبذون العنف ويسلمون أسلحتهم على عفو، بينما سيُمنح أولئك الذين لا يفعلون ذلك ممرا آمنا للخروج من غزة. ومن المتوقع أن يشرف مراقبون مستقلون في وقت لاحق على عملية نزع السلاح الكاملة، وهي المرحلة الأكثر تعقيدا.
 
ويُقلق هذا الغموض مصر، إذ يُثير احتمال حدوث فراغ في السلطة بغزة، بما قد يُؤدي إلى ضغوط على القاهرة للتدخل مؤقتا، وهو دور “مؤقت” قد يتحول بسهولة إلى تورّط مكلف طويل الأمد.
 
ومن المقرر أن يشارك رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير في “مجلس السلام”، وهو هيئة يرأسها ترامب، تُشرف على العملية السياسية وإعادة الإعمار، بما في ذلك التمويل، إلى أن تُصبح السلطة الفلسطينية جاهزة لتولي السيطرة الكاملة. وستتولى لجنة من التكنوقراط الفلسطينيين إدارة العمليات اليومية.
 
وتأمل مصر أن يكون لها رأي في مجلس الإشراف واختيار هذه اللجنة الإدارية. ومع ذلك، تواجه خطر تحمل المزيد من المسؤوليات مع تراجع اهتمام الجهات الفاعلة الدولية الأخرى. كما قد تنشأ المزيد من التعقيدات نتيجة التدخل الإسرائيلي أو صراعات السلطة بين مختلف الفصائل الفلسطينية. ويُهدد التورط في مثل هذه النزاعات بجعل مشاركة مصر غير مرغوب فيها محليا وفي غزة.
 
ومع ذلك، إذا حظيت الخطة الجديدة بتأييد، فمن المؤكد أن دور مصر في غزة سيتوسع. وقد يُحقق هذا فوائد، لاسيما في إدارة جهود الإغاثة وإعادة الإعمار، شريطة تأمين تمويل دولي كاف.
 
مع ذلك، ستسعى القاهرة إلى اعتماد المفاوضات لضمان الالتزام بالمسؤولية الدولية المشتركة عن أمن غزة، ودفع عملية سياسية تُرسي، كما تتصورها الخطة، “مسارا موثوقا نحو إقامة الدولة الفلسطينية وتقرير المصير”.