كُتّاب الموقع
الوجود الأميركي شرق الفرات: أداة نفوذ أم ورطة استراتيجية؟

المدن

الثلاثاء 9 أيلول 2025

منذ تدخل التحالف الدولي في سوريا عام 2014 لمحاربة تنظيم "داعش"، برز شرق الفرات كمنطقة شديدة الحساسية نظراً لغناه بالموارد الطبيعية وخصوصيته الديمغرافية والسياسية، في هذه البقعة من الجغرافيا السورية، تواجدت قوات أميركية محدودة العدد لكنها ذات تأثير بالغ، معتمدة على شراكات محلية أبرزها قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، ومنتشرة في قواعد صغيرة مدعومة بقدرات جوية واستخبارية متقدمة، هذا الانتشار فتح الباب أمام سؤال استراتيجي مركزي: هل يشكل الوجود الأميركي شرق الفرات أداة نفوذ لإدارة التوازنات الإقليمية وصياغة مستقبل سوريا؟ أم أنه يتحول تدريجياً إلى ورطة استراتيجية تستنزف واشنطن وتربك حساباتها؟
 
سياق التواجد الأميركي
 
دخلت الولايات المتحدة إلى شرق الفرات في إطار شرعية دولية تستند إلى محاربة الإرهاب، حيث كان الهدف المعلن هو دحر تنظيم "داعش" ومنع تمدده الإقليمي، ورغم تراجع التنظيم ككيان جغرافي، فإن الذريعة الأمنية ظلت قائمة، نظراً لاستمرار تهديد الخلايا النائمة، هذا التبرير وفّر لواشنطن فرصة لتثبيت وجود منخفض الكلفة، خصوصاً مع هشاشة سلطة دمشق وضعف قدرة موسكو على فرض استقرار شامل، وهكذا وُلد فراغ سياسي وأمني سمح لواشنطن بأن تملأه عبر ترتيبات مع شركاء محليين، ما أعطاها موطئ قدم استراتيجي في قلب سوريا.
 
 
إلى جانب ذلك، كان لتشابك المصالح دور محوري، فالوجود الأميركي لا ينفصل عن حساسية تركيا تجاه صعود "قسد"، ولا عن مساعي إيران لمد نفوذها عبر ممر بري يصلها بالمتوسط، ولا عن رغبة روسيا في تحجيم الدور الأميركي، كما أن موارد شرق الفرات، بما فيها النفط والغاز والقمح والمياه، جعلت المنطقة ورقة رابحة في أي مساومة سياسية مستقبلية.
 
 
لكن في الداخل السوري تظهر قراءات متباينة حول الوجود الأميركي في الجزيرة السورية "شرق الفرات". ويرى العضو في المنبر السياسي لمحافظة الحسكة، فواز المفلح، في حديث لـ"المدن"، أن هذا الوجود أثار الكثير من اللغط قبل التحرير وبعده، فبرأيه كان الميل في البداية نحو بقاء القوات الأميركية والتحالف الدولي لخلق توازن يمنع النظام السوري وحلفاءه من السيطرة على الجزيرة وبالتالي تقوية موقفهم. 
 
 
لكن بعد تغير موازين القوى وصعود حكم الثوار في دمشق والشامية والساحل، يعتبر المفلح، أنه أصبح من الضروري إعادة الجزيرة لسلطة الدولة السورية، إلا أن ما فاجأه "هو تمسك واشنطن وحلفائها بدعم تنظيم الـ PYD"، الذي يصفه بالإرهابي، معتبراً أن الولايات المتحدة صارت في ورطة: فهي من جهة تصطدم بمطالب دمشق وأنقرة في استعادة الجزيرة، ومن جهة أخرى لا تستطيع التخلي عن حليفها الكردي الذي وظفته في الحرب على "داعش". ويضيف أن "بقاء القوات الأميركية بلا شرعية دولية ولا موافقة من الدولة السورية، يمثل انتهاكاً للسيادة ويضع الموارد الاقتصادية تحت تصرف قوى غير شرعية مرتبطة بحزب العمال الكردستاني".
 
 
أما الكاتب والمحلل السياسي حمزة المحيمد، فيقدّم في حديثه لـ"المدن"، قراءة مختلفة بعض الشيء، إذ يرى أن الوجود الأميركي في الجزيرة هو أداة نفوذ تمنح واشنطن السيطرة على نحو ثلث سوريا، بموقع استراتيجي يربط حدودها مع تركيا والعراق". ويؤكد أن هذا الوجود تحوّل إلى تهديد للأمن القومي التركي بحكم تحالف واشنطن مع قوى مرتبطة بحزب العمال الكردستاني.
 
 
ويعتبر المحيمد أنه "لم يعد هناك أي غطاء شرعي لبقاء هذه القوات بعد القضاء على داعش، لكن واشنطن أبقت وجودها لغياب طرف موثوق لتسليمه المنطقة"، وهو يذهب إلى أن "الولايات المتحدة بدأت تفكر اليوم بجدية في تسليم الجزيرة إلى الحكومة السورية بعد انتصار الثورة وتشكيل حكومة شرعية جديدة في دمشق". ويعتبر أن "واشنطن لا تخسر اقتصادياً لأنها تستفيد من تحالفاتها عبر بيع السلاح والخبرات، بل تحقق مكاسب سياسية وعسكرية تجعلها اللاعب الأبرز في المنطقة".
 
 
هاتان الشهادتان تعكسان جانباً من تعدد المواقف المحلية، حيث يُنظر إلى الوجود الأميركي أحياناً كعامل موازنة، وأحياناً كاحتلال يهدد السيادة ويطيل أمد الصراع، وأحياناً كأداة نفوذ جيوسياسي تمنح واشنطن أوراق ضغط مهمة.
 
أهداف واشنطن
 
 
وعلى الرغم من أن واشنطن بررت وجودها بمحاربة الإرهاب، فإن الأهداف الحقيقية أكثر تعقيداً، فهي تسعى إلى هزيمة "داعش" بشكل مستدام من خلال التدريب والدعم الجوي وملاحقة الشبكات المتبقية، لكنّها في الوقت نفسه تريد كبح إيران وتعطيل ممرها البري الذي يمتد من طهران إلى بيروت عبر العراق وسوريا. ومن جهة أخرى، يشكل الوجود شرق الفرات وسيلة لمنع دمشق من تحقيق حسم سياسي أو عسكري بمعزل عن واشنطن، كذلك يوفّر هذا الوجود مظلة لحماية الشريك المحلي المتمثل في "قسد"، وإلى جانب ذلك، يُستخدم شرق الفرات كورقة تفاوضية في التعامل مع ملفات إقليمية أوسع تشمل العلاقات مع تركيا وروسيا.
 
 
الميزة الأخرى تكمن في طبيعة هذا الوجود: قوة صغيرة العدد لكنّها مجهزة بأحدث التقنيات العسكرية والاستخبارية، ما يتيح تأثيراً ردعياً دون الحاجة إلى استنزاف بشري كبير، وإضافة إلى ذلك، يشكل دعم قسد عنصراً محورياً، إذ يوفر لواشنطن نفوذاً ميدانياً عبر شريك محلي يعتمد عليها بشكل كامل.
 
 
وعلى الرغم من هذه المكاسب، هناك حدود واضحة تجعل الوجود الأميركي أقرب إلى ورطة محتملة، فغياب استراتيجية خروج واضحة يحول المهمة من عملية مكافحة إرهاب محدودة إلى نزاع طويل الأمد، ومع مرور الوقت، يتزايد خطر الاستنزاف البطيء سواء سياسياً أو أمنياً، هذا إلى جانب تعرض القواعد الأميركية لهجمات متكررة من جماعات مرتبطة بإيران، ما يفرض على واشنطن تحديات متواصلة في مجال الردع وإدارة المخاطر.
 
 
علاوة على ذلك، يقف الخلاف مع تركيا كأحد أعقد جوانب المعادلة، إذ ترى أنقرة في "قسد" تهديداً مباشراً لأمنها القومي، وبينما تسعى واشنطن لحماية حليفها المحلي، تجد نفسها في مواجهة غير مريحة مع حليف في الناتو، كما أن السردية السياسية التي تروج لها الدولة السورية وحلفاؤها تصور هذا الوجود كاحتلال ينهب الموارد، ما يقوض شرعيته أمام الرأي العام الإقليمي، أما معضلة الخروج، فهي من أعقد التحديات، إذ إن أي انسحاب أميركي قد يفتح الباب أمام تمدد روسي وإيراني سريع، إضافة إلى خطر عودة داعش.
 
تشابك اللاعبين
 
 
في هذه الساحة المعقدة، تتقاطع مصالح أطراف عدة. فدمشق ترى في استعادة موارد شرق الفرات أولوية استراتيجية، وتستخدم خطاب "الوجود الأميركي الغير شرعي" لتثبيت شرعيتها. فيما تريد موسكو من جهتها، تقليص نفوذ واشنطن دون الدخول في صدام مباشر معها، بينما تعتبر طهران أن المنطقة حلقة أساسية في ممرها الإقليمي. أما أنقرة، فهي تركز على منع ترسخ كيان كردي مسلح على حدودها. وفي المقابل، تعتمد قوات سوريا الديمقراطية على الحماية الأميركية وتسعى لاكتساب شرعية سياسية أكبر، فيما تلعب العشائر المحلية دوراً متذبذباً بين الولاء والرفض، ما يجعلها عنصراً حاسماً في الاستقرار أو الانفجار، وسط هذا كله، يظل "داعش" حاضراً في المشهد، مستغلاً أي فراغ أمني أو صراع داخلي لإعادة بناء نفسه.
 
 
ولا يمكن فهم الوجود الأميركي شرق الفرات دون النظر إلى المحددات البنيوية التي تقيده: 
 
 
داخلياً: يعاني صانع القرار الأميركي من إرهاق الرأي العام من الحروب الطويلة، مع تصاعد الأولويات الاستراتيجية في مواجهة الصين وروسيا، كما أن التغير الدوري للإدارات وتباين توجهاتها يجعل السياسة الأميركية تجاه سوريا عرضة للتقلب. 
 
 
خارجياً: تتأثر واشنطن بقيود التوازن مع موسكو، وبردود أفعال إيران ووكلائها، وبالحاجة المستمرة لإدارة العلاقة الحساسة مع تركيا.
 
 
وبناء على ذلك تبدو أمام واشنطن عدة سيناريوهات، أولها الاستمرار في الوضع الحالي، وهو سيناريو يضمن منع الفراغ لكنه يبقي حالة الاستنزاف. سيناريو آخر يتمثل في عقد صفقة مع تركيا تقوم على دمج "قسد" في هيكلية الدولة السورية وتخفيف التوتر الحدودي، وهو خيار قد يحسن العلاقات الأطلسية. وهناك سيناريو آخر ممكن لكنه ليس أمناً، وهو الانسحاب التدريجي، الذي قد يقلل العبء المباشر على القوات الأميركية لكنه يفتح الباب أمام فراغ أمني قد تستفيد منه روسيا وإيران و"داعش".
 
 
الحكم على التجرية
 
 
يمكن الحكم على نجاح أو فشل الإستراتيجية الأميركية في شرق الفرات، من خلال مجموعة مؤشرات: مدى تراجع أو تصاعد هجمات "داعش"، درجة استقرار الحكم المحلي، طبيعة العلاقة مع تركيا وروسيا، وقدرة الموارد على تمويل الخدمات في المنطقة، هذه المؤشرات تمثل بوصلة لأي تقييم موضوعي للمهمة.
 
 
في ضوء هذه التعقيدات، ثمة توصيات يمكن أن توجه السياسة الأميركية: أولها وضع جدول زمني مشروط بأهداف قابلة للقياس بدل البقاء في مسار مفتوح، ثانيها إعادة هيكلة العلاقة مع تركيا عبر ترتيبات حدودية تخفف من حساسياتها الأمنية، ثالثها اعتماد إدارة شفافة للموارد عبر الدولة السورية المركزية لإبطال سردية "النهب"، رابعها تطوير استراتيجية متكاملة لمكافحة داعش لا تقتصر على الجانب العسكري، بل تشمل محاربة تمويله وخطابه، وأخيراً يجب ربط أي انسحاب محتمل بتحقيق مؤشرات واقعية من الاستقرار والأمن.