الذكاء الاصطناعي عنصرًا أساسيّا في البنية التحتية للإعلام
علي قاسم
الجمعة 5 أيلول 2025
المشهد الإعلامي يشهد تحولًا جذريًا مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى قلب المنصات الاجتماعية، حيث لم يعد دوره مقتصرًا على تحسين التجربة، بل أصبح عنصرًا فاعلًا في إنتاج وتوزيع الأخبار داخل المحادثات اليومية، ما يفتح آفاقًا جديدة ويطرح تحديات عميقة أمام المؤسسات الإعلامية.
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة مساعدة على الهامش أو إضافة تقنية لتحسين تجربة المستخدم، بل أصبح في طريقه إلى أن يكون جزءًا من البنية التحتية الأساسية للإعلام المعاصر. التطورات التي تعمل عليها “ميتا” اليوم، من خلال اختبار دمج نماذج لغوية متقدمة مثل Gemini في تطبيقات واتساب وإنستغرام، تمثل تحولًا نوعيًا في طريقة إنتاج وتوزيع واستهلاك الأخبار. فالأمر لم يعد مقتصرًا على الردود الذكية أو المساعدة في صياغة الرسائل، بل يتجاوز ذلك إلى تقديم محتوى مخصص، وتلخيصات فورية، وتحليلات سياقية داخل المحادثة نفسها، بحيث يحصل المستخدم على المعلومة في اللحظة التي يطلبها، دون أن يغادر نافذة الحوار.
هذا التحول يعيد رسم خارطة الوصول إلى المعلومة، إذ لم يعد القارئ في حاجة إلى زيارة موقع إخباري أو فتح تطبيق مستقل، بل يكفي أن يطرح سؤالًا في محادثة ليصله الخبر أو التحليل فورًا. ومع أن هذه السرعة تمثل قفزة في دورة الخبر، فإنها تطرح تحديًا كبيرًا في التحقق من صحة المعلومات قبل نشرها، خاصة في بيئة رقمية تنتشر فيها الشائعات بسرعة البرق. كما أن هذا النمط الجديد قد يؤدي إلى تراجع الزيارات المباشرة للمواقع الإخبارية، ويجعل المؤسسات الإعلامية أكثر اعتمادًا على خوارزميات المنصات الاجتماعية، وهو ما يثير تساؤلات حول استقلالية الرسالة الإعلامية، إذ إن من يتحكم في الخوارزمية يتحكم في تدفق المعلومات وفي السردية التي تصل إلى الجمهور.
ورغم هذه المخاطر، فإن الفرص أمام المؤسسات الإعلامية كبيرة إذا أحسنت استغلالها. يمكن لهذه المؤسسات أن تطور روبوتات دردشة تمثل صوتها التحريري، تقدم الأخبار والتحليلات وترد على أسئلة الجمهور في الوقت الفعلي، وأن تستفيد من قدرات الذكاء الاصطناعي في تخصيص المحتوى لكل مستخدم وفق اهتماماته وسلوكه، ما يعزز التفاعل والولاء. كما يمكن إدخال عناصر تفاعلية مثل الاستطلاعات والاختبارات القصيرة والرسوم البيانية داخل المحادثة، لتحويل القارئ من متلقٍ سلبي إلى مشارك نشط في صياغة النقاش العام.
لكن هذه الفرص لا تلغي التحديات. فالاعتماد على منصة وسيطة يعني القبول بأن خوارزمياتها قد تحدد ما يظهر ومتى، وهو ما قد يحد من حرية المؤسسة في إيصال رسالتها. كما أن سرعة النشر قد تزيد من مخاطر انتشار الأخبار المضللة إذا لم تُعتمد آليات تحقق صارمة، فضلًا عن أن جمع وتحليل بيانات المحادثات يثيران أسئلة جدية حول حماية الخصوصية وحقوق المستخدمين.
إن ما نشهده اليوم يشبه التحولات الكبرى التي عرفها الإعلام عند انتقاله من الصحف الورقية إلى المواقع الإلكترونية، ثم إلى تطبيقات الهواتف الذكية، لكن الفارق أن الانتقال هذه المرة يتم إلى داخل المحادثات الشخصية، أي إلى أكثر المساحات الرقمية خصوصية وحميمية. وهذا يعني أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة للترفيه أو تحسين تجربة الاستخدام، بل أصبح عنصرًا أساسيًا في البنية التحتية للإعلام، يحدد كيف ومتى وبأي صيغة تصل المعلومة إلى الجمهور.
المؤسسات الإعلامية التي ستنجح في هذا العصر الجديد هي تلك التي ستبادر إلى احتلال مساحة داخل هذه المحادثات، بدل الاكتفاء بانتظار الجمهور على مواقعها. عليها أن تطور إستراتيجيات توزيع جديدة تستفيد من قدرات الذكاء الاصطناعي في التخصيص والتفاعل، دون أن تتخلى عن قيمها الأساسية في الدقة والمصداقية. فدمج الذكاء الاصطناعي في المنصات الاجتماعية ليس مجرد تحديث تقني، بل هو إعادة تعريف لدور الإعلام في المجتمع الرقمي، ومن لا يدرك هذه الحقيقة قد يجد نفسه خارج اللعبة في وقت أقرب مما يتصور.
وإذا حاولنا أن نتخيل شكل غرفة الأخبار بعد خمس سنوات في ظل هذا الدمج العميق بين الذكاء الاصطناعي والمنصات الاجتماعية، فسوف نجد أنفسنا أمام بيئة تحريرية هجينة، تتقاطع فيها مهارات الصحافي التقليدي مع قدرات المبرمج ومحلل البيانات ومصمم التجارب الرقمية. لن تكون غرفة الأخبار مكانًا يقتصر على مكاتب وأجهزة كمبيوتر وشاشات تعرض وكالات الأنباء، بل ستتحول إلى مركز تفاعلي متعدد القنوات، حيث يعمل الصحافي جنبًا إلى جنب مع “محرر آلي” مدمج في منصات المحادثة، يلتقط إشارات الاهتمام من الجمهور لحظة بلحظة، ويقترح زوايا جديدة للمعالجة، ويختبر صيغًا مختلفة للعنوان والصورة والنص قبل أن تصل إلى القارئ.
في هذا المشهد لن يكون الخبر مجرد نص يُكتب ثم يُنشر، بل تجربة متكاملة تُبنى حول القارئ، تبدأ من لحظة طرحه سؤالًا في محادثة خاصة، مرورًا بتلقيه إجابة فورية مدعومة بالتحليل والسياق، وصولًا إلى تفاعله مع استطلاع أو رسم بياني أو مقطع فيديو قصير يشرح خلفية الحدث. ستصبح الحدود بين الإنتاج والتوزيع والاستهلاك شبه معدومة، إذ ستجري هذه العمليات الثلاث في وقت واحد، داخل نفس الفضاء الرقمي.
لكن هذا المستقبل، رغم ما يحمله من إمكانات هائلة، سيضع المؤسسات الإعلامية أمام اختبار أخلاقي ومهني غير مسبوق. فكلما اقتربت المعلومة من القارئ، ازدادت مسؤولية المؤسسة عن دقتها وموضوعيتها، وكلما زادت قدرة المنصة على تخصيص المحتوى، تعاظم خطر الانغلاق في فقاعات معرفية تعيد إنتاج القناعات المسبقة بدل توسيع الأفق. وسيكون على غرف الأخبار أن توازن بين الاستفادة من هذه القدرات التقنية وبين الحفاظ على رسالتها الجوهرية: خدمة الحقيقة والمصلحة العامة.
إن دمج الذكاء الاصطناعي في المنصات الاجتماعية قد يفتح الباب أمام عصر ذهبي جديد للإعلام، إذا استُخدم بوعي ومسؤولية، وقد يقود في المقابل إلى تآكل الثقة وتفكك المجال العام إذا تُرك بلا ضوابط. الفارق بين هذين المسارين لن تحدده الخوارزميات وحدها، بل سيحدده وعي القائمين على الإعلام بقدرتهم على صياغة دورهم في هذا النظام البيئي الجديد. ومن يدرك مبكرًا أن المستقبل يُكتب الآن، داخل رسائل واتساب وتعليقات إنستغرام، سيكون أقدر على أن يكون جزءًا من صناعته، لا مجرد متفرج على نتائجه.
المصدر: العرب اللندنية