أسلحة الصين الجديدة: صراع تكنولوجي وجيوسياسي على النفوذ العالمي
العرب اللندنية
الثلاثاء 2 أيلول 2025
في تصعيد رمزي للتحدي مع الولايات المتحدة، تكشف الصين عن أسلحة متطورة في عرض عسكري ضخم يُظهر تحولها إلى قوة عسكرية حديثة. ولا يقتصر العرض على استعراض القوة، بل يحمل رسائل إستراتيجية واضحة لواشنطن والخصوم الإقليميين.
تكشف الصين عن مجموعة من الأسلحة الجديدة أثناء عرض عسكري ضخم تقيمه غدا الأربعاء، في استعراض للقوّة يُنظر إليه على أنه تحد لهيمنة الولايات المتحدة العسكرية.
ويحلل خبراء عسكريون صورا على الشبكات الاجتماعية وتسجيلات مصوّرة من عدة تدريبات جرت مؤخرا أظهرت صواريخ مضادة للسفن ومسيّرات متطوّرة تستخدم تحت سطح البحر وأنظمة مضادة للصواريخ وغيرها من التقنيات التي قد تُعرض في ساحة تيان أنمين في الثالث من سبتمبر.
وبينما أخفى المسؤولون قائمة المعدات التي سيتم عرضها أمام الرئيس الصيني شي جينبينغ ونظيره الروسي فلاديمير بوتين وغيرهما من قادة العالم، لاحظ العديد من المهتمين بالشؤون العسكرية وجود أنظمة مهمة جديدة، بما في ذلك ما أشيع أنه سلاح ليزر ضخم. وذكر الجيش أن جميع المعدات التي سيتم عرضها منتجة محليا وهي “في الخدمة الفعلية”.
وشوهدت أربعة صواريخ مضادة للسفن يبلغ طولها عدة أمتار، إذ يمكن إطلاق هذه الصواريخ من سفن أو طائرات وهي مصممة لإلحاق أضرار بالغة بالسفن الكبيرة. وقد تكون بعض الطرازات فرط صوتية، ما يعني أنها قادرة على التحليق بسرعة تفوق خمس مرّات سرعة الصوت.
لم يعد التركيز العسكري منصبا فقط على الكم، بل على الجودة، والسرعة، والذكاء الاصطناعي، والتكامل بين القوات
وأفاد المعلّق العسكري والمدرّب السابق في الجيش الصيني سونغ جونغبينغ بأن “على الصين تطوير إمكانات قوية مضادة للسفن وحاملات الطائرات لمنع الولايات المتحدة من تشكيل تهديد خطير للأمن القومي الصيني”، وذلك في إشارة إلى التوترات في مضيق تايوان وبحر الصين الجنوبي.
ولوحظ أثناء التدريبات وجود مركبتين جديدتين غير مأهولتين وكبيرتين جدا على شكل طوربيد. ويبلغ طول الأولى التي تحمل اسم “أي.جاي.إكس 002” ما بين 18 و20 مترا، بحسب موقع “نافال نيوز” الإلكتروني. أما الثانية، فكانت مخفية تحت غطاء بلاستيكي.
ورغم أن الصين ما زالت متخلّفة عن الولايات المتحدة في القوة البحرية السطحية، بحسب “نافال نيوز”، إلا أن لديها أكبر برنامج في العالم “للمركبات الكبيرة جدا غير المأهولة تحت الماء، عبر وجود خمس طرازات في المياه”.
ويصف بعض المحللين الصينيين نظام “إتش.كيو – 29” الذي ما زال يلفه الغموض بأنه “صائد أقمار اصطناعية” قادر على اعتراض الصواريخ على ارتفاع 500 كيلومتر خارج الغلاف الجوي للأرض والأقمار الاصطناعية في المدار المنخفض.
وتعتمد المنظومة المركّبة على عربة على حاويتي صواريخ، يبلغ قطر كل منها مترا ونصف متر. وقد يكون نظام الاعتراض الأكثر تقدّما في الصين ومن بين الأقوى في العالم.
وقد تكون مركبة ضخمة مموهة ومغطاة بغطاء بلاستيكي منظومة دفاعية قادرة على إسقاط الصواريخ والمسيّرات باستخدام أشعّة الليزر القوية، بحسب صحيفة “ساوث تشاينا مورنينغ بوست”.
ويفيد حساب “جاو داشواي” على إكس المرتبط بالجيش الصيني بأنها “أقوى منظومة دفاع جوي بالليزر في العالم”. ويتوقع أن تحتل الصواريخ الباليستية العابرة للقارات والقادرة على حمل رؤوس نووية تعد رمز القوة المطلقة، مكانة مهمة خلال العرض.
وقال المحلل سونغ جونغبينغ إن “الصين ستعرض جيلا جديدا من الأسلحة النووية”. وأضاف أن الأسلحة النووية، كغيرها من المعدات التي سيتم عرضها، “ستساعد في إيجاد توازن في القوة العسكرية بين الصين والولايات المتحدة”.
ولوحظ وجود عربات من الجيل المقبل في الأيام الأخيرة، لاسيما دبابة جديدة أصغر بقليل من الدبابة القتالية “طراز 99 أي” التي تفيد تقارير بأنها في الخدمة منذ العام 2011.
ويقول جيمس شار، الأستاذ المتخصص في الجيش الصيني لدى جامعة نانيانغ التكنولوجية في سنغافورة، “إذا كانت فعلا هذه الدبابة وغيرها من المعدات التي ستعرض يوم الثالث من سبتمبر منتجة محليا وفي الخدمة، كما تفيد الصين، فستكون القوات المسلحة خضعت لتحديث كبير في مواجهة جيوش أخرى رئيسية متقدّمة حول العالم”. وتدارك شار “لكن لن يكون بإمكاننا تقييم الإمكانات الحقيقية لجميع الأسلحة والمعدات في هذا الإطار الاحتفالي” غير العملياتي.
ويشكّل العرض العسكري الصيني في هذا التوقيت جزءا من لعبة عضّ أصابع طويلة الأمد مع الولايات المتحدة، حيث بات الصراع بين القوتين العظميين يتجاوز مجرد الخلافات التجارية أو النزاعات الدبلوماسية التقليدية، ليتحول إلى صراع إستراتيجي شامل متعدد الأبعاد، يُعبَّر عنه بالوسائل العسكرية، والتكنولوجية، والاقتصادية، وحتى الأيديولوجية.
وفي قلب هذا التوتر تقف قضية تايوان، التي تعتبرها بكين “قضية سيادة وطنية غير قابلة للتفاوض”، بينما تؤكد واشنطن دعمها “للدفاع عن تايوان” عبر مبيعات الأسلحة والتعاون الاستخباراتي.
وعليه، فإن استعراض القوة من خلال عرض أنظمة مضادة للسفن والطائرات يُعد رسالة مباشرة للولايات المتحدة، مفادها أن أي تدخل عسكري أميركي في مضيق تايوان لن يمر دون تكلفة باهظة.
وأما في بحر الصين الجنوبي، فقد تصاعدت المواجهات الرمزية والميدانية بين الصين من جهة، والتحالفات الأميركية من جهة أخرى، مثل تحالف “أوكوس” (الولايات المتحدة، أستراليا، بريطانيا)، الذي يعتبر تهديدا مباشرا للنفوذ الصيني في المنطقة. كما تسعى الصين من خلال عرض قدراتها البحرية المتطورة إلى ترسيخ وضعها كقوة بحرية قادرة على بسط النفوذ داخل “خطوطها الحمراء”، التي تشمل الجزر المتنازع عليها والممرات البحرية الحيوية.
ومن جهة أخرى، أدت القيود الأميركية المتصاعدة على قطاع التكنولوجيا الصيني، وعلى رأسها العقوبات ضد هواوي وحرمان الصين من أشباه الموصلات المتقدّمة، إلى تحويل المواجهة إلى صراع وجودي بالنسبة لبكين. ولذلك، أصبح تطوير الصناعات العسكرية المحلية، واستعراض قدرات الحرب السيبرانية، وسيلة لإظهار القدرة على الصمود التكنولوجي والانفكاك التدريجي عن الغرب.
وبالتالي، فإن العرض العسكري لا يُقرأ فقط من زاوية استعراضية، بل هو بيان إستراتيجي موجه للعالم: “الصين ليست فقط لاعبا اقتصاديا، بل قوة عسكرية ناهضة تسعى إلى إعادة تشكيل موازين القوى الدولية، ولو بالقوة”.
وفي إطار ما يسمى بـ”النهضة الصينية الكبرى”، تبنّى الرئيس شي جينبينغ منذ عام 2015 نهجا لإعادة هيكلة الجيش الصيني، يقوم على تطوير جيش عصري ومرن قادر على خوض الحروب المستقبلية غير التقليدية، تحت شعار “جيش قوي لعصر جديد”. ولم يعد التركيز منصبّا فقط على الكمّ، بل على الجودة، والسرعة، والذكاء الاصطناعي، والتكامل بين القوات.
ويشمل هذا التحول إعادة هيكلة قيادة الجيش لتكون أكثر كفاءة ومرونة، مع إنشاء قيادة موحّدة للقوات الصاروخية، وأخرى للعمليات المشتركة، إضافة إلى تعزيز التعاون بين القوات الجوية والبحرية والبرّية ضمن مفهوم “العمليات المندمجة”. ويُنظر إلى هذا التطوير على أنه محاولة لمحاكاة النموذج الأميركي في إدارة المعارك متعددة الجبهات.
وفي المجال التكنولوجي، ضاعفت الصين استثماراتها في التقنيات الناشئة مثل الذكاء الاصطناعي، وتعلّم الآلة، وأنظمة الروبوتات، والقيادة الذاتية، واستخدام المسيّرات تحت الماء وفوقه. كما تُعد الصين من الدول القليلة التي تعمل على تطوير أسلحة ليزرية ومضادة للأقمار الاصطناعية، ما يضعها على قدم المساواة مع القوى النووية التقليدية.
ويشمل التحول العقائدي أيضا الانتقال من مفهوم “الدفاع الإستراتيجي” إلى الردع النشط والهجوم الوقائي عند الضرورة، لاسيما في محيطها الإقليمي المباشر. ولا يحدث هذا التحول العقائدي بمعزل عن التغييرات في البيئة الجيوسياسية، بل يأتي كاستجابة مباشرة لما تعتبره بكين تهديدات إستراتيجية طويلة الأمد، وعلى رأسها “احتواء الصين”، و”تقويض وحدتها الوطنية”، وهي روايات تُستخدم داخليًا لحشد الدعم الشعبي وراء المشروع العسكري الطموح.
وفي هذا السياق، يُعدّ العرض العسكري المرتقب تتويجًا لهذا المسار، إذ لا يُظهر فقط نتائج التحول العسكري الصيني على الأرض، بل يروّج لها كجزء من مشروع الصين العالمي لتغيير النظام الدولي الحالي.
ولا يمكن قراءة العرض العسكري الصيني بمعزل عن التحولات المتسارعة في معادلة الردع الإقليمي. فالصين، من خلال استعراض قدراتها الصاروخية والبحرية والتقنيات الفائقة، لا توجه الرسائل للولايات المتحدة وحدها، بل ترسل إشارات صارمة إلى خصومها ومنافسيها الإقليميين، في طوكيو وسول ونيودلهي، بأن ميزان القوى في آسيا آخذ في التغير لمصلحتها.
وتراقب اليابان وكوريا الجنوبية هذا الاستعراض بالكثير من القلق، خصوصا في ظل تزايد التهديدات غير التقليدية، مثل الصواريخ فرط الصوتية والأسلحة المضادة للأقمار الاصطناعية، التي قد تقوّض فعالية منظومات الدفاع الصاروخي التقليدية في البلدين، مثل “آيجيس” و”ثاد”.
ويُنظر إلى هذه القدرات الصينية الجديدة على أنها قد تقلّص هامش المناورة الإستراتيجي لهذه الدول، وتجعلها أكثر ارتهانا للمظلة الدفاعية الأميركية. وأما في الهند، فإن تصاعد القدرات الصينية، لاسيما البحرية منها، يُعد تهديدا مباشرا لمصالحها في المحيط الهندي، وفي النزاع الحدودي في الهيمالايا، حيث يتزايد الاحتكاك العسكري بين القوتين النوويتين.
ومن هنا، يتوقع أن تدفع هذه الاستعراضات العسكرية الصين والهند أكثر نحو استقطاب إستراتيجي متصاعد، تعززه الشراكات الهندية مع الغرب. وفي ظل هذا السياق، يبدو أن العرض الصيني لا يستعرض فقط عضلات القوة، بل يُسرّع ديناميكيات سباق التسلح في المنطقة، حيث بدأت دول عدة مثل اليابان وأستراليا وكوريا الجنوبية بزيادة ميزانياتها الدفاعية بشكل غير مسبوق، مع التركيز على تطوير قدرات ردع متقدمة، تشمل الهجمات السيبرانية، والمسيّرات، والصواريخ بعيدة المدى.