لقاء ترامب – نتنياهو: حسابات الحرب وكلفة التسوية
العرب اللندنية
الإثنين 29 أيلول 2025
بينما تتجه الأنظار إلى البيت الأبيض حيث يلتقي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تزداد المؤشرات على أن هذا اللقاء الرابع بين الرجلين لن يكون عابرا في سياق الأحداث، بل يأتي في لحظة سياسية ودبلوماسية وعسكرية بالغة التعقيد.
يأتي لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الرابع بالرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض اليوم الاثنين في لحظة سياسية بالغة التعقيد، سواء على الصعيد الداخلي الإسرائيلي أو في إطار التفاعلات الإقليمية والدولية. وبدت التوقعات التي رافقت ظهور نتنياهو في الجمعية العامة للأمم المتحدة حول احتمال الإعلان عن ضم الضفة الغربية أقرب إلى الاستعراض السياسي منها إلى خطوة عملية، خاصة بعد أن أوضح ترامب رفضه القاطع لهذا الخيار.
ومثل هذا الموقف الأميركي صدمة للتيار اليميني في إسرائيل، الذي كان يراهن على دعم مطلق من واشنطن، على غرار ما يحدث في غزة حيث أُطلقت يد تل أبيب في حرب مستمرة لم تحقق أهدافها المعلنة. ويعكس هذا التراجع عن سيناريو الضم تحولا في طبيعة العلاقة بين تل أبيب وواشنطن، ليس بالضرورة على مستوى التحالف الإستراتيجي العميق، وإنما في التفاصيل المتعلقة بإدارة الملفات الساخنة.
وتعود الإسرائيليون خلال العقود الماضية على أن الولايات المتحدة توفر مظلة حماية شبه مطلقة أمام المجتمع الدولي، وتفتح الباب أمامهم لتوسيع سياسات الاحتلال والاستيطان، لكن ما يجري اليوم يكشف أن الإدارة الأميركية لم تعد قادرة على توفير غطاء مفتوح بلا حساب، خصوصًا مع تنامي الضغوط الدولية والشعبية في الغرب، وارتفاع نسبة الدول المعترفة بدولة فلسطين إلى أكثر من 80 في المئة من أعضاء الأمم المتحدة.
ويعيد هذا التحول صياغة معادلة القوة، حيث لم يعد الصوت الإسرائيلي مسموعا بالحدة نفسها في المؤسسات الدولية، بل باتت تل أبيب تُحاصر دبلوماسيا، ولو بشكل تدريجي. وفي الداخل الإسرائيلي عكس خطاب وزير الدفاع يسرائيل كاتس التناقض الحاد بين ما تعلنه الحكومة وما تحققه فعليًا على الأرض. فقد تحدث الرجل بثقة عن دخول الجيش مرحلة “الحسم”، متوعدًا بتدمير غزة بالكامل إذا لم تطلق حماس سراح الرهائن. غير أن هذه اللغة الصلبة تبدو منفصلة عن الواقع الميداني، إذ لم تتمكن إسرائيل، رغم شهور من العمليات العسكرية المكثفة، من القضاء على حماس أو استعادة الأسرى.
وفي المقابل يحتدّ الوضع الإنساني بشكل غير مسبوق، حيث نزح أكثر من 750 ألفا من سكان مدينة غزة نحو الجنوب، وسط دمار هائل وعدد ضحايا تجاوز مئتي ألف بين قتيل وجريح. وباتت هذه الحصيلة عبئا على صورة إسرائيل عالميا، حيث تزداد المقارنات بين خطاب “الدفاع عن النفس” وبين واقع الدمار الشامل واستهداف المدنيين.
ويضاف إلى ذلك أن مواقف بعض وزراء الحكومة الإسرائيلية تزيد من صعوبة بلورة إستراتيجية خروج. فوزير الأمن القومي إيتمار بن غفير يؤكد أن نتنياهو “لا يملك تفويضا لإنهاء الحرب قبل القضاء الكامل على حماس،” بينما يرفع وزير المالية بتسلئيل سموتريتش سقف المطالب أكثر، مشترطا عدم إشراك السلطة الفلسطينية في إدارة غزة بعد الحرب، والقضاء على حماس ونزع سلاحها، وصولًا إلى فرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية.
وتمثل هذه الشروط عقبات جدية أمام أي مقترح تسوية، بل إنها تتناقض جذريا مع الرؤية الأميركية التي تنص على منح السلطة الفلسطينية دورا في إدارة القطاع بعد الحرب.
وبذلك يصبح نتنياهو عالقا بين ضغوط الداخل التي تفرضها أجنحة يمينية متشددة، وضغوط الخارج المتمثلة في خطة ترامب وما تحمله من بنود ملزمة.
ومن الناحية الدبلوماسية تبدو خطة ترامب الجديدة ذات “الواحد والعشرين بندا” محاولة أميركية لإعادة صياغة مسار الصراع بما يضمن مصالح واشنطن الإستراتيجية، ويحفظ في الوقت نفسه أمن إسرائيل ولو بحده الأدنى. غير أن الخطة، وفق ما تسرب من وسائل إعلام إسرائيلية، ليست نهائية، وتشهد نقاشات حادة بين الطرفين لتعديل بعض بنودها. ويُرجح أن تكون النقاط المتعلقة بدور السلطة الفلسطينية وضمانات وقف إطلاق النار والآليات الأمنية من أكثر المسائل إثارة للجدل.
وفي الوقت ذاته تشير بعض التسريبات إلى أن إسرائيل ستطالب بتنازلات كبيرة مقابل قبولها بالخطة، وهو ما يعكس طبيعة اللعبة التفاوضية التي تديرها تل أبيب عادة في مثل هذه المحطات. والمثير أن هذه ليست المرة الأولى التي يُصوَّر فيها نتنياهو وكأنه في مأزق بين واشنطن وحلفائه المتطرفين، ثم يتبين لاحقا أن الخلافات المعلنة لم تكن سوى غطاء لتمرير سياسات متفق عليها مسبقًا.
وأصبح هذا النمط من “إدارة التناقضات” سمة ملازمة لنتنياهو، حيث يبرع في استخدام الضغوط الخارجية لتليين مواقف شركائه الداخليين، أو في المقابل يوظف تصلب حلفائه لإقناع الولايات المتحدة بمنحه هوامش أوسع في التفاوض.
ومع ذلك قد يختلف الوضع هذه المرة، نظرًا للثمن الإنساني الباهظ للحرب، وتزايد الضغط الشعبي داخل إسرائيل من أهالي الرهائن الذين يرون أن استمرار العمليات يعرض حياة ذويهم للخطر ويضع الحكومة في موقع المسؤولية المباشرة عن أي إصابات أو وفيات في صفوفهم.
وأضاف دخول المعارضة على خط الأزمة بعدا آخر للصراع السياسي. فزعيم المعارضة يائير لابيد تعهد للإدارة الأميركية بأنه سيوفر لنتنياهو شبكة أمان سياسية إذا قرر المضي في صفقة لتبادل الأسرى أو وقف الحرب. ويهدف هذا الموقف إلى طمأنة واشنطن بأن أي تسوية محتملة لن تسقط بسبب تهديدات بن غفير وسموتريتش، بل قد تجد دعما من أغلبية في الكنيست ومن الرأي العام الإسرائيلي.
وعلى المستوى الدولي يواجه نتنياهو ضغطا متزايدا لا يمكن تجاهله. فالموجة الواسعة من الاعترافات بالدولة الفلسطينية لم تعد رمزية، بل تمثل تحديا مباشرا لسياسات الضم والتوسع الاستيطاني. كما أن الحرب في غزة باتت عبئا على صورة إسرائيل لدى الرأي العام العالمي، بما في ذلك داخل الولايات المتحدة نفسها، حيث تنمو أصوات داخل الحزب الديمقراطي والجمهوري على حد السواء تنتقد حجم الدمار وسقوط المدنيين.
ويجعل هذا السياق من الصعب على واشنطن أن تمنح إسرائيل شيكا مفتوحا كما في السابق، خصوصا وأن ترامب يسعى إلى تقديم نفسه كزعيم قادر على تحقيق اختراقات دبلوماسية كبرى تعزز حظوظه الانتخابية. ومن هذا المنطلق يمكن القول إن خطة ترامب ليست مجرد مبادرة لإنهاء حرب غزة، بل هي جزء من حسابات أوسع تتعلق بمكانة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وبالصورة التي يريد الرئيس الأميركي أن يكرسها لنفسه على الساحة الدولية.
وهو لا يخفي رغبته في إضافة هذه الحرب إلى قائمة ما يسميه “إنجازاته في إنهاء سبع حروب”، بما يعزز فرصه في الفوز بجائزة نوبل للسلام. غير أن السؤال المحوري يبقى متعلقا بما إذا كان الطرفان، الإسرائيلي والفلسطيني، يمتلكان الإرادة الفعلية للسير في طريق تسوية شاملة، أم أن ما يجري ليس سوى حلقة جديدة من حلقات إدارة الأزمة وتأجيل الانفجار إلى أجل غير مسمى.
والواقع أن الخيارات أمام نتنياهو ليست سهلة. فالمضي قدمًا في الحرب دون أفق سياسي يعرضه لخسائر داخلية وخارجية متزايدة، بينما الانخراط في خطة أميركية قد يعني انفراط عقد ائتلافه الحاكم وصعود أصوات تتهمه بالتفريط في ما يمكن إنجازه. وفي المقابل يفاقم استمرار المراوحةِ الأوضاعَ الإنسانية في غزة، ويضع إسرائيل أمام عزلة دبلوماسية متزايدة.
وهكذا يبقى المشهد مفتوحا على احتمالات متعددة، تتراوح بين اختراق دبلوماسي محدود يتيح وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى، وبين استمرار النزيف العسكري والسياسي بما يهدد استقرار الحكومة الإسرائيلية ويزيد من كلفة الحرب على المدى الطويل.
وتجعل التوازنات الدقيقة بين الداخل والخارج، وبين الضغوط الأميركية وحسابات اليمين المتشدد، وبين الحاجة إلى إنهاء الحرب والخوف من تبعات التسوية، من المرحلة المقبلة اختبارا حقيقيا لقدرة نتنياهو على المناورة، ولإصرار واشنطن على فرض رؤيتها. لكن مهما تكن النتائج، فإن الحقيقة الأبرز هي أن الحرب في غزة لم تعد مجرد مواجهة عسكرية، بل تحولت إلى عقدة سياسية كبرى تُعيد رسم ملامح العلاقة بين إسرائيل وحلفائها، وتضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته إزاء صراع طال أمده، وترك وراءه واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في تاريخ المنطقة.