كُتّاب الموقع
الدولة الفلسطينية تكسب مؤيدين كبارا جددا في الأمم المتحدة لكن التحركات الرمزية لن تجعلها واقعا

العرب اللندنية

الإثنين 22 أيلول 2025

ملف الدولة الفلسطينية يشهد دفعا جديدا في الأمم المتحدة مع اعتراف دول غربية مؤثرة بها، ما يمنح القضية زخماً دبلوماسياً مهماً، لكنه يظل مكسبا رمزياً ما دام الاحتلال قائمًا والانقسام الداخلي مستمرا.
 
 يشهد ملف الدولة الفلسطينية في الأمم المتحدة تطورا لافتا مع اقتراب انعقاد الجمعية العامة في الثالث والعشرين من سبتمبر 2025، حيث يتوقع أن يهيمن الاعتراف بفلسطين على جدول أعمال القادة المجتمعين.
 
وحتى الآن، تعترف 147 دولة من أصل 193 عضوا في الأمم المتحدة بالدولة الفلسطينية، لكن إعلان دول غربية مؤثرة مثل كندا وبريطانيا وأستراليا الأحد 21 سبتمبر الجاري اعترافها بالدولة الفلسطينية يضيف زخما مؤثرا.
 
وتقول الباحثة جو أديتونجي في تقرير نشره موقع ذو كونفرسيشن إن انضمام هذه الدول الغربية إلى قائمة طويلة من بلدان الجنوب العالمي الداعمة للاعتراف يُعد انتصارا دبلوماسيا مهماً للقضية الفلسطينية، وخسارة ثقيلة لإسرائيل، لاسيما أنّها تأتي بعد عامين فقط من التضامن الغربي الكامل معها عقب هجوم السابع من أكتوبر 2023 الذي شنّته حركة حماس.
 
ويعكس هذا التحول مسارا تاريخيا طويل الأمد في مسألة الدولة الفلسطينية، التي شهدت محطات متعددة من المكاسب الرمزية دون أن تُترجم إلى واقع ملموس.
 
ومنذ حرب عام 1967، حين وسّعت إسرائيل سيطرتها العسكرية لتشمل الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة، وجد الفلسطينيون أنفسهم تحت منظومة أوامر عسكرية إسرائيلية تحكم تفاصيل حياتهم اليومية، من تصاريح العمل والزراعة إلى التنقل والصلاة، في ظل محاولات لطمس الهوية الوطنية الفلسطينية وصلت إلى حد تجريم رفع العلم الفلسطيني وفرض عقوبات قاسية على من يعبّر عن انتمائه القومي.
 
وقد انسجم ذلك مع الموقف المعلن لرئيسة الوزراء الإسرائيلية آنذاك غولدا مائير التي أنكرت وجود الشعب الفلسطيني أصلا. غير أنّ صعود الهوية الوطنية الفلسطينية في أواخر الستينيات دفع منظمة التحرير الفلسطينية إلى ترسيخ خيار الدولة، حيث تبنّى المجلس الوطني الفلسطيني في القاهرة عام 1969 قراراً يدعو إلى دولة ديمقراطية علمانية تشمل كامل فلسطين التاريخية، يعيش فيها المسلمون والمسيحيون واليهود على قدم المساواة.
 
ومنذ ذلك الحين، سارت الإستراتيجية الفلسطينية على مسارين متوازيين: المقاومة المسلحة والضغط الدبلوماسي.
 
ومع تزايد الاستيطان الإسرائيلي في السبعينيات، طرحت المنظمة عام 1974 “البرنامج المرحلي” الذي نص على إقامة سلطة وطنية على أي جزء يتم تحريره من فلسطين، في محاولة للتوفيق بين الواقعية السياسية وتطلعات التحرير الشامل.
 
وفي عام 1988، وخلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى، أعلن ياسر عرفات من المنفى في تونس استقلال دولة فلسطين على حدود عام 1967، في وثيقة صاغها الشاعر محمود درويش.
 
ورغم أنّ الإعلان كان رمزياً في ظل استمرار الاحتلال، فإنه شكل لحظة فارقة جمعت بين الفلسطينيين في الداخل والشتات، وأوحى بإمكانية إدماجهم في النظام الدولي ككيان سياسي معترف به. لكن هذا الإعلان مثّل في نظر كثير من الفلسطينيين تنازلا جوهريا، إذ اقتصر على 22 في المئة من أرض فلسطين التاريخية، ما اعتُبر تخلياً عن باقي الأرض.
 
وقد سارعت دول الجنوب العالمي إلى الاعتراف بالدولة الفلسطينية، بينما رفضتها الولايات المتحدة وإسرائيل ومعظم الدول الغربية، بل إن واشنطن منعت عرفات من دخول أراضيها لإلقاء خطاب في الأمم المتحدة، ما اضطر المنظمة الدولية إلى عقد جلستها في جنيف بدلاً من نيويورك.
 
ومع انطلاق عملية أوسلو في التسعينيات، بدا أنّ الفلسطينيين حصلوا على اعتراف بتمثيلهم عبر منظمة التحرير، لكن الاتفاقيات لم تتضمن أي التزام حقيقي بدولة مستقلة، بل أفرزت سلطة فلسطينية محدودة الصلاحيات، تدير الشؤون المدنية المحلية من تعليم وصحة وخدمات، بينما بقيت السيادة على الأرض والموارد والحدود في يد إسرائيل.
 
ومع مرور الوقت، تحوّلت هذه الترتيبات المؤقتة إلى واقع دائم، ما عمّق الإحباط وأدى إلى اندلاع الانتفاضة الثانية مطلع الألفية.
 
جو أديتونجي: انضمام هذه الدول الغربية إلى قائمة طويلة من بلدان الجنوب العالمي الداعمة للاعتراف يُعد انتصارا دبلوماسيا مهماً للقضية الفلسطينية
 
وحاول محمود عباس لاحقاً استعادة المسار الدولي عبر الأمم المتحدة، وفي عام 2012 نجح في رفع مكانة فلسطين إلى “دولة مراقب غير عضو”، وهو ما أتاح لها نظرياً الانضمام إلى مؤسسات دولية كالمحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية. لكن المسار ظلّ معطلاً، إذ إن تحقيق سيادة فلسطينية حقيقية يتطلب موافقة مجلس الأمن، حيث تملك الولايات المتحدة حق النقض الذي تستخدمه ضد أي مسار خارج إطار أوسلو.
 
وبالرغم من موجة الاعترافات الجديدة التي تشهدها القضية الفلسطينية اليوم، يرى كثيرون أنّها لا تتجاوز البعد الرمزي، وأنّ القوى الغربية تستخدمها للتنصل من مسؤولية أصعب، تتمثل في محاسبة إسرائيل على سياساتها، لا سيما بعد اتهامها بارتكاب إبادة جماعية في غزة وفق توصيف إحدى هيئات الأمم المتحدة.
 
ومن هنا، يظل الاعتراف الدولي مهماً من الناحية الدبلوماسية، لكنه غير كاف لترجمة الحلم الفلسطيني في دولة مستقلة إلى واقع، طالما بقيت موازين القوى مختلة والفيتو الأميركي حائلا أمام أي مسار فعلي نحو السيادة.
 
ومن أبرز العوامل التي تعيق مسار الاعتراف بالدولة الفلسطينية وتضعف من قوته السياسية والدبلوماسية أيضا، الانقسام الداخلي الفلسطيني المستمر منذ عام 2007 بين السلطة الفلسطينية في رام الله بقيادة حركة فتح، وحركة حماس التي تسيطر على قطاع غزة.
 
ولم يقتصر هذا الانقسام على الجغرافيا فقط، بل مسّ جوهر الشرعية التمثيلية؛ إذ لم يعد هناك كيان فلسطيني واحد يُجمع عليه الداخل والخارج باعتباره الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني.
 
ورغم أن منظمة التحرير الفلسطينية ما زالت تحظى باعتراف الأمم المتحدة والدول الكبرى كممثل شرعي، فإن وجود حماس، كقوة سياسية وعسكرية وشعبية مؤثرة، يجعل أي خطوة دبلوماسية تعاني من ثغرة جوهرية تتمثل في غياب الإجماع الوطني.
 
وغذّى هذا الوضع جدلاً فلسطينياً متصاعداً حول جدوى المسار الدبلوماسي نفسه. فبينما تتمسك السلطة بخيار المفاوضات والرهان على الاعتراف الدولي التدريجي كمدخل لإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة، ترى فصائل المقاومة وعلى رأسها حماس أن هذا المسار لم يحقق سوى مزيد من التنازلات، بدءاً من اتفاق أوسلو وما تلاه من ترتيبات مرحلية أضعفت السيطرة الفلسطينية على الأرض، وعززت من هيمنة إسرائيل على الموارد والمعابر.
 
وبالنسبة لهذه الفصائل، فإن المقاومة المسلحة والشعبية هي الخيار الواقعي لإجبار إسرائيل على تقديم تنازلات، فيما يعتبرها تيار السلطة مجرد نهج يؤدي إلى العزلة الدولية وتعميق المعاناة الاقتصادية والإنسانية.
 
الاعتراف الدولي مهم من الناحية الدبلوماسية، لكنه غير كاف طالما بقيت موازين القوى مختلة والفيتو الأميركي قائما
 
وشكّلت الانتفاضات الشعبية الكبرى مثل انتفاضة 1987 وانتفاضة الأقصى عام 2000 محطات فارقة في هذا الجدل. فقد أثبتت الأولى أن الحراك الشعبي قادر على إحداث زخم سياسي دولي، وأعادت القضية الفلسطينية إلى الواجهة العالمية، مما مهّد الطريق أمام اتفاق أوسلو. لكن الثانية، بما حملته من مواجهات دامية وقمع إسرائيلي غير مسبوق، أدت إلى تراجع الإيمان بإمكانية تحقيق إنجاز عبر المقاومة وحدها، وأظهرت حدود القوة الفلسطينية في مواجهة آلة الاحتلال.
 
وجعل هذا التراكم الشارع الفلسطيني أكثر تشككاً في كلا الخيارين: فهو يرى أن المسار التفاوضي لم يثمر دولة مستقلة رغم مرور عقود، وفي الوقت نفسه يدرك أن المقاومة وحدها لم تنجح في تغيير المعادلات الكبرى.
 
ونتيجة لذلك، يعيش المشروع الوطني الفلسطيني أزمة ثقة داخلية عميقة. الشباب الفلسطيني، الذي لم يعش سوى واقع الانقسام، بات أكثر ميلاً للتعبير عن رفضه لكلا النهجين، سواء عبر الحراك الفردي أو المبادرات المحلية. وهذا بدوره ينعكس على صورة الفلسطينيين لدى المجتمع الدولي: فغياب وحدة القرار السياسي والبرنامج الموحد يجعل أي اعتراف دولي بالدولة الفلسطينية أقرب إلى كونه رمزياً منه إلى خطوة قابلة للتحقق على الأرض.